- تعتمد الصين بشكل كبير على منطقة الخليج لتوفير حصص كبيرة من وارداتها الطاقية (46% من النفط، وثلث الغاز المسال)، مما يجعل أمنها الصناعي مرتبطاً باستقرار المنطقة وممرات الملاحة البحرية فيها.
- يتمتع نظام الطاقة الصيني بمرونة عالية تحميه من الصدمات الخارجية، مدعوماً بهيمنة الدولة وتنوع الاستثمارات، مما يمنح بيجين قدرة كبيرة على المناورة السياسية والاقتصادية.
- على الرغم من التحديات الأمنية التي تواجه مبادرة “الحزام والطريق” في منطقة الخليج ومضيق هرمز، إلا أن التأثير يظل قصير المدى ويدفع الشركات الصينية نحو استراتيجيات “إدارة المخاطر” وتنويع الأسواق باتجاه أفريقيا وآسيا الوسطى.
- لا تملك الولايات المتحدة نفوذاً كافياً لإجبار الصين على ممارسة ضغوط قوية على إيران لتقديم تنازلات جوهرية في مفاوضات وقف الحرب، حيث تكتفي بيجين بدعم المسار التفاوضي للتوصل إلى حل سياسي شامل.
- من المتوقع أن تواصل الصين جهودها الدبلوماسية مع واشنطن وطهران، وبالتعاون مع شركائها العرب والخليجيين والوسيط الباكستاني، لدفع إيران نحو مائدة المفاوضات، وانتزاع تنازلات متبادلة تضمن إنهاء الحرب واستعادة أمن الملاحة الدولية، قبل زيارة ترمب المرتقبة لبيجين.
ازداد الجدل بين المُعلِّقين والمُحللين حول الأهداف الحقيقية لشن الولايات المتحدة الحرب على إيران، وافترض بعضهم أن الهدف الأمريكي الرئيس من هذه الحرب هو تكرار سيناريو فنزويلا، أي السيطرة على النفط الإيراني لحرمان الصين من النفط المخفض ومن ثمَّ عرقلة النمو الصناعي الصيني على المدى الطويل، وخلق نفوذ أمريكي في إطار العلاقات الثنائية موازٍ لقدرة بيجين على توظيف هيمنتها على سلاسل توريد المعادن النادرة لتحقيق مكاسب سياسية في إطار التفاوض مع واشنطن.
ومن ثمَّ، فإن هذه الورقة تحاول الإجابة عن السؤال الآتي: إلى أي مدى يؤثر إغلاق مضيق هرمز، وعرقلة صادرات النفط من منطقة الخليج إلى الصين، في أمن الطاقة الصيني، وهل يُشكِّل ذلك ورقة ضغط دبلوماسية أمريكية حقيقية على بيجين؟
الاعتماد الصيني على مصادر الطاقة الخليجية
تعتمد المصافي الصينية بشكل كبير على منطقة الخليج في استيراد النفط والمنتجات النفطية. ويبلغ حجم واردات الصين من المنطقة حوالي 46% من إجمالي وارداتها النفطية إذا أخذ في الاعتبار الواردات من إيران، والتي تقدر بحوالي 1.4 مليون برميل يوميا في 2025، وفقاً لبيانات شركة “كبلر” للتجارة والشحن (شكل 1). إلى جانب ذلك، تمثل منطقة الخليج مصدر حوالي الثلث من إجمالي واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال. وتستورد الصين أيضاً حوالي 40% من وارداتها من النافتا، و45% من وارداتها من غاز البترول المسال من منطقة الخليج.
شكل 1: واردات الصين النفطية في عام 2025 وفقاً للدولة
وتظهر هذه البيانات اعتماداً زائداً لسوق الطاقة الصيني على صادرات المنطقة. ويخلق هذا الاعتماد، من الناحية النظرية، مُعضلةً بالنسبة لأمن الطاقة الصيني المرتبط افتراضياً، وفقاً لهذه المعطيات، بمستوى الاستقرار في المنطقة. أي أن الحرب الإيرانية، وإغلاق مضيق هرمز بشكل كامل أو جزئي (الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية) تُشكل جميعها تهديداً منطقياً ومباشراً لأمن الطاقة في الصين، ومن ثمَّ قاعدتها الصناعية.
لكن، على رغم ارتفاع هذه النسب، تُمثِّل منطقة الخليج حوالي 30% من الاحتياجات النفطية الكلية للصين عند الأخذ في الاعتبار الإنتاج المحلي وواردات النفط من مناطق أخرى، مثل روسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وتنطبق نفس المقارنة على الغاز الطبيعي أيضاً. فبينما تمثل المنطقة حوالي ثلث واردات الصين (27% تأتي من قطر وحدها)، تُشكِّل هذه الكمية 15% فقط من صافي الواردات، و6% فقط من إجمالي الطلب على الغاز نظراً لاعتماد غالبية محطات توليد الكهرباء في الصين على الفحم وليس على الغاز الطبيعي.
وعلى رغم كبر حجم واردات النافتا الصينية من المنطقة، فهي تمثل 7% فقط من إجمالي الطلب المحلي، والذي بلغ 2.2 مليون برميل يومياً في عام 2025. وبالنسبة لغاز البترول المسال، تبلغ النسبة الحقيقية 18% من إجمالي استهلاك الصين، وهي نسبة مرتفعة نسبيا.
القطاعات الصينية الأكثر تأثراً بمنع الملاحة في المضيق
أكثر القطاعات الصينية تضرراً من حصار المضيق من قبل الولايات المتحدة، وإغلاقه من قبل إيران، هي المصافي المستقلة الصغيرة في إقليم شاندونغ، التي تعتمد، في منافستها مع شركات النفط الكبرى على الحصص السوقية، بشكل أساسي على التخفيض في النفط الإيراني المتراوح بين 8-10 دولاراً للبرميل. وتشكل الواردات من إيران حوالي 13% فقط من إجمالي الواردات النفطية المنقولة بحراً للصين. ويعني غلق المضيق، بالتزامن مع تراجع حصصها من النفط الفنزويلي المخفض أيضاً، فقدان هذه المصافي للتخفيض، ما يؤثر بشكل كبير في هوامشها الربحية، في ظل تصاعد وتيرة التنافس الداخلي نتيجة انخفاض الطلب المحلي. وقد أدى قرار الإدارة الأمريكية بالرفع المؤقت للعقوبات على صادرات النفط الإيراني المخزن في البحر في أواخر مارس بهدف استقرار الأسعار إلى ارتفاع أسعار الخام الإيراني أيضاً. وذكرت تقارير أن المصافي الصينية اشترت في أبريل النفط الإيراني بأعلى من مستوى خام برنت للمرة الأولى منذ عام 2022. أضف إلى ذلك، ارتفاع الأسعار في عموم السوق، وارتفاع تكاليف الشحن نتيجة ارتفاع التأمين ضد المخاطر.
يوحي هذا المشهد، إذاً، بزيادة الكلفة التي تشكل ضغطاً كبيراً على تلك المصافي الصغيرة. وبينما تستطيع هذه المصافي اللجوء لزيادة وارداتها من النفط الروسي (وهو ما بدأ يحدث بالفعل)، لكنها تواجه تحدي صعوبة زيادة روسيا قدرتها الإنتاجية بالتزامن مع سماح وزارة الخزانة الأمريكية للهند بالعودة لاستيراد النفط الروسي مجدداً بسبب ظروف الحرب.
ومن المرجح أن تتأثر مصافي مستقلة أخرى لكن أكبر حجماً بسبب النقص في المعروض، مثل شركة رونغشنغ للبروكيماويات في إقليم جيجيانغ، والمصنع المنشأ بشراكة بين شركتي سينوبيك وأرامكو في فوجيان، واللذان يعتمدان في المقام الأول على إمدادات النفط السعودي.
وسيؤثر أيضاً ارتفاع الأسعار في المصافي الحكومية الكبيرة، مما يُشكِّل ضغطاً على هوامشها الربحية. ومن المرجح أن تلجأ هذه المصافي لزيادة حصتها من النفط الروسي، وضعاً في الاعتبار أن الاعفاء الأمريكي للمصافي الهندية مؤقت وقد ينتهي بانتهاء الحرب. ومؤدى ذلك أن هناك توجهاً صينياً طويل المدى لتنويع مصادر الواردات النفطية وتقليل الاعتماد على منطقة الخليج تدريجياً.
أما فيما يتعلق بالقطاع الصناعي، فيتجلى التأثُّر، بشكل خاص، في إمدادات الغاز الطبيعي المسال. وكما هو موضح سابقاً، لا تمثل الإمدادات من منطقة الخليج نسبة كبيرة من إجمالي الطلب. لكن معضلتي ارتفاع الأسعار وتراجع التوافر قد تظهر تداعياتهما في خلال الأشهر الثلاثة أو الستة المقبلة نتيجة ارتباط عقود التوريد طويلة الأجل بأسعار النفط (غالبية عقود الغاز الخليجي)، فيما تتضمن عقود الغاز القادم عبر الأنابيب تأخراً زمنياً أطول، وهو ما سيُوازن أزمة ارتفاع الأسعار على مدار العام.
يُرجَّح أن تظهر هذه التداعيات، بوتيرة أكبر من غيرها، في قطاعي الصناعة والكيماويات. ويواجه قطاع الكيماويات أزمة مزدوجة جراء ارتفاع أسعار الغاز والنافتا وغاز البترول المسال، مما يهدد مراكز التكرير والبتروكيماويات وصغار المنتجين. وتشمل القطاعات الأكثر تضرراً أيضاً صناعات الأمونيا والميثانول والمواد المتطورة والصناعات الخفيفة (خصوصاً في الأقاليم الساحلية) التي تحولت إلى الغاز امتثالاً لمعايير الحكومة الصينية لتحسين جودة الهواء وتقليل كثافة الكربون. في المقابل، تعتمد الصناعات الثقيلة كالصلب والمعادن والزجاج ومواد البناء بشكل أساسي على الفحم أو مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، وهو ما يُحصِّنها من التأثُّر المباشر بارتفاع أسعار الغاز، لكنها قد تواجه مؤثِّراً غير مباشر يتمثَّل في تراجع الطلب جراء التباطؤ الاقتصادي العالمي الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة.
ولن يواجه قطاع توليد الكهرباء الصيني مخاطر كبيرة من نقص الغاز، إذ لا يشكل الغاز سوى 7% من الطاقة في الشبكة، وأقل من 4% من الإنتاج الفعلي. ويوفر الفحم والطاقة الكهرومائية ومصادر الطاقة المتجددة الآخذة في النمو بدائل مرنة، وهو ما اتضح في خلال أزمة الطاقة بين عامي 2021 و2022 حين خفَّضت المقاطعات اعتمادها على الغاز لصالح هذه المصادر.
سياسات الصين لتفادي أزمة طاقة جديدة
أولاً، اللجوء إلى الاحتياطي. فعندما بدأت الضربات الإسرائيلية والأمريكية على إيران، كانت الصين تمتلك احتياطياً نفطياً يُقدَّر بنحو 1.2 إلى 1.3 مليار برميل موزعة بين المخزونات الاستراتيجية والتجارية. ويكفي هذا الاحتياطي لمدة تصل إلى 100 يوم بناء على مستويات عام 2025. وفي خلال شهري يناير وفبراير، زادت الصين مخزوناتها من النفط الخام، حيث استوردت حوالي 12 مليون برميل يومياً، وحصلت على 4.42 مليون برميل يومياً من مصادرها المحلية، ليُصبح إجمالي ما هو متاح لمصافيها النفطية 16.41 مليون برميل يومياً. واتخذت بيجين إجراءات احترازية إضافية بعد بدء الحرب عبر الدعوة إلى وقف فوري لتصدير الوقود المكرر في 11 مارس، في حين قررت مجموعة سينوبك، المملوكة للدولة، خفض إنتاجها بنسبة 10%.
أما احتياطات الغاز، فإن سعة التخزين الصينية محدودة نسبياً. ففي نهاية عام 2024، قدَّرت شركة النفط الوطنية الصينية (CNPC) سعة التخزين تحت الأرض بحوالي 27 مليار متر مكعب، أي ما يعادل 6.3% من إجمالي استهلاك الغاز، مع توقعات بزيادة هذه السعة إلى 30 مليار متر مكعب في عام 2025. ولا يزال هذا الرقم بعيداً عن هدف التخزين الذي كان مخططاً له في الخطة الخمسية الرابعة عشرة، والذي يتراوح بين 55 و60 مليار متر مكعب. ومع ذلك، يوفر التخزين في محطات استيراد الغاز الطبيعي المسال للمشترين هامش أمان بسيطاً.
ثانياً، اتخاذ تدابير استباقية أخرى تحسُّباً لطول أمد الاضطراب في الإمدادات والأسعار. وفي هذا الإطار، تشير تقارير إلى أن مصافي التكرير بدأت بتخفيض معدلات إنتاجها، ومن المرجح أيضاً أن تُخفِّض شركات الكيماويات وغيرها من القطاعات الصناعية التي تعتمد على الغاز معدلات التشغيل. كما يُتوقَّع أن يُراجع مصدرو المنتجات النفطية والكيماويات برامج التصدير لإعطاء الأولوية للإمدادات المحلية، استجابة لقرار الحكومة. في الوقت نفسه، قد يتعزز مسار تنويع المصادر. وقد يصبح الغاز الطبيعي المسال الأمريكي الآن أكثر ربحية، على رغم الرسوم الجمركية البالغة 25%، إذ سيؤدي الفرق بين هذه الأسعار وأسعار السوق الفورية الآسيوية إلى تفضيل واردات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي.
ثالثاً، قبل الحصار الأمريكي لموانئها، واصلت إيران السماح بمرور ناقلات النفط المتجهة إلى الصين، على رغم وجود حالات لناقلات نفط صينية أُجبِرَت على تغيير المسار والعودة أدراجها. لكنها تظل حالات فردية وتمثل الأقلية، مقارنة بناقلات دول أخرى تُصنِّفها إيران “عدائية”. في المقابل، تسمح القوات الأمريكية بمرور السفن الصينية المتجهة للتحميل من موانئ الدول الخليجية عدا إيران. ويُسهِم ذلك كله في التخفيف الكبير من آثار الإغلاق على تدفقات وأمن الطاقة الصينيين.
رابعاً، الاعتماد الكبير على الفحم في تزويد القاعدة الصناعية وشبكة الكهرباء الوطنية بالطاقة. فالصين تستهلك حوالي 50% من جميع الاستهلاك العالمي للفحم. وفي عام 2025، مثَّل الفحم حوالي 51.5% من إجمالي مصادر الطاقة الصينية، تراجُعاً من 53.2% في عام 2024، بينما كان يُمثِّل في 2015 حوالي 64% من الإجمالي. وأسهم الفحم بأكثر من 43% من إجمال الطاقة المستخدمة في توليد الكهرباء في عام 2024. وقد يدعم تكثيف إنتاج الفحم مصالح الصين على المدى القريب، لكنَّه يتعارض مع هدف بيجين المتمثل في الوصول إلى ذروة إنتاج الفحم قبل عام 2030. وقد يصبح هذا الهدف أكثر صعوبة بعد أن بات بإمكان لوبي صناعة الفحم الصينية، الذي يُعد قوة سياسية مؤثرة في بيجين، المجادلة بأنه أصبح بالغ الأهمية للأمن القومي لأن الفحم يوفر الاستقرار والضمان في أوقات التقلبات.
هل تمنح أزمة الطاقة نفوذاً أمريكياً على الصين؟
يتضح مما سبق أن ثمة صورةً مختلطةً تنبع من اعتماد الصين على واردات النفط والغاز من منطقة الخليج، ومِن ثمَّ على تقلُّبات الأسعار الناجمة عن عدم الاستقرار في المنطقة، لكن ليس بالمستوى الكافي الذي قد يشكل ضغطاً حاسماً وتهديداً مباشراً للأمن القومي، كما هو الحال في دول آسيوية أخرى يفوق اعتمادها على المنطقة اعتماد الصين بكثير، مثل اليابان والهند وكوريا الجنوبية (شكل 2).
شكل 2: خريطة تظهر درجات متفاوتة من الاعتماد بين المستوردين الآسيويين للنفط الخليجي
وتوفر أوجه التكرار والمرونة في نظام الطاقة الصيني حماية كبيرة ضد أي صدمة محتملة في قطاع الطاقة. وأحد أهم الأسباب في ذلك هيمنة الدولة على شركات الطاقة والمصنعين الصينيين، الذي يمنح هذه الشركات ضمانة ضد تقلُّبات الأسعار. وقد تزيد أزمة الطاقة من عمق أزمة الاقتصاد الصيني الذي لا يزال يعاني من التباطؤ. لكن هذا التباطؤ خلق أزمة فائض انتاج قد يُسهِم الاضطراب في أسواق الطاقة في التخفيف منها.
إلى جانب ذلك، فإن الطريق البحري الذي يمثل العمود الفقري لحركة التجارة غير النفطية أيضاً بين الصين ومنطقة الخليج، يعد أحد أهم مكونات مبادرة الحزام والطريق. وسيؤثر التصعيد الراهن في مسار المبادرة في المنطقة، لكنَّه سيكون تأثيراً قصير المدى على الأرجح ومرتبطاً بانتهاء الأعمال القتالية والحصار في مضيق هرمز. وأحد أهم الظواهر الداعمة لعدم تأثُّر المبادرة في دول الخليج هو عدم استهداف المواطنين والاستثمارات الصينية بشكل ممنهج من قبل إيران. فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن يعود الجزء الأكبر من حوالي 10 آلاف مواطن صيني تم إجلاؤهم مع بدء الحرب (منهم 3 آلاف من إيران) إلى دول الخليج بعد انتهائها. وعلى المدى المتوسط، يُتوقَّع حدوث تحول في استراتيجية الشركات والبنوك الصينية الاستثمارية باتجاه إدارة المخاطر بدلاً من التوسع في السوق الإقليمي. وسيظهر هذا التحول بشكل كبير في السوق الإيراني، الذي قد يشهد أيضاً إلغاء لخطط الاستثمار الصينية الجديدة تحسُّباً لتجدد الحرب.
لكن من غير المُرجَّح أن تخرج التداعيات على المبادرة خارج إطار خفض المخاطر الاقتصادية والتجارية، أو أن تتحول إلى كلفة سياسية على الحكومة الصينية بالنظر إلى طبيعة مشاريع المبادرة وأهدافها الاقتصادية والربحية وغير المرتبطة مباشرة بأهداف السياسة الخارجية الصينية. وقد جاء ارتفاع المخاطر في منطقة الخليج بالتزامن مع مسار تنويع الاستثمارات حسب المناطق في إطار المبادرة. فعلى سبيل المثال، بينما احتل الشرق الأوسط قمة واجهات الاستثمار وعقود البناء الصينية في 2024، شهدت أفريقيا زيادة في مشاركة استثمارات المبادرة تُقارِب ثلاثة أضعاف في عام 2025، بينما تضاعفت استثمارات آسيا الوسطى أربع مرات تقريباً.
وتجعل هذه المعطيات من الصعب على إدارة الرئيس دونالد ترمب ممارسة نفوذ سياسي يسمح لها بالضغط على بيجين لتغيير سلوك إيران في المفاوضات المتوقع أن تستأنف في إسلام أباد. وفي المقابل، يشكل نظام الطاقة الصيني المتنوع خصوصاً، إضافة إلى المخزونات التجارية والإستراتيجية، أوراقاً سياسية تُمكِّن بيجين من المناورة أمام أي ضغوط، خصوصاً إذا كان المتوقع منها استخدام نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي لدفع إيران لتبني خيارات صعبة. فمثلاً، وعلى رغم تكرار البيانات الرسمية الصينية وصف مضيق هرمز بالممر المائي الدولي، وتبنّيها موقفاً مناهضاً لغلقه عبر الدعوة إلى ضمان حرية وأمن الملاحة بمستويات من قبل الحرب، استخدمت الصين مع روسيا، في 7 أبريل، حق النقض لإسقاط مشروع قرار في مجلس الأمن تقدَّمت به البحرين وتضمَّن بنداً يتيح التدخل لإعادة فتح المضيق وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، على رغم أنه يتوافق مع مصالح بيجين وخطابها الرسمي. أي أن الصين لا ترغب في ممارسة ضغوط على إيران تُضعِف موقفها التفاوضي (عبر سحب ورقة هرمز من طهران)، إضافة إلى معارضتها منح تحالف بقيادة الولايات المتحدة شرعية دولية لاستخدام القوة العسكرية، لكن في الوقت نفسه ترغب في رؤية التزام إيراني بالحل السلمي عبر المفاوضات.
ويُرجَّح استمرار الصين في التنسيق مع الولايات المتحدة وإيران وشركائها الخليجيين والعرب والوسيط الباكستاني في إطار تشجيع إيران على العودة للتفاوض وتقديم تنازلات متوازنة تفضي إلى توصل الجانبين لاتفاق يُنهي الحرب ويضمن عودة الملاحة لطبيعتها في موعد يسبق زيارة ترمب المرتقبة لبيجين في مايو.
الخلاصة
تُشير الأدلة حول تركيبة خليط الطاقة الصيني، والتداعيات على مبادرة الحزام والطريق، إلى أن إغلاق إيران لمضيق هرمز، والحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، سيخلقان ضغطاً مباشراً وقصير المدى على احتياجات المصافي وقطاع التصنيع الصينيين، لكنهما لا يشكلان تهديداً كبيراً على أمن الطاقة الصيني في المديين المتوسط والطويل. ووضعٌ كهذا من غير المتوقع أن يُنتِج في الوقت الحالي نفوذاً دبلوماسياً أمريكياً يُحفِّز الصين على ممارسة ضغوط آنية قوية على إيران خارج إطار دعم طهران وتشجيعها على العودة للمفاوضات والتوصل لاتفاق شامل.