كيف يُعيد الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران إنتاج الصراع؟

  • الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران قد لا يُنهي الصراع بل يعيد تنظيمه في صيغة “توتر منضبط” يخفّف التصعيد دون معالجة جذوره.
  • تستفيد الأطراف الرئيسية من هذا النموذج؛ إذ تحافظ واشنطن على الردع دون حرب، في حين تحتفظ طهران بنفوذها دون مواجهة مباشرة عالية الكلفة.
  • تعكس أزمة مضيق هرمز وتحولات سوق الطاقة انتقال القوة إلى إدارة المخاطر والتأثير في احتمالاتها.
  • لم تعد منطقة الخليج مجرد متأثرة بالصراع، بل أصبحت عنصراً مركزياً في ضبط التوازن الإقليمي الذي يُدار استقراره ضمن معادلة تجمع بين التدفق الآمن للطاقة وهامش محسوب من التوتر.

 

تزداد التحركات الدبلوماسية التي تقودها باكستان لعقد جولة ثانية من المباحثات بين الولايات المتحدة وإيران مع اقتراب نهاية هدنة الأسبوعين في 22 أبريل 2026، من أجل وقف الحرب بشكل نهائي وربما التوصل إلى اتفاق شامل. لكن على الأغلب، أن الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران لا يُنهي الصراع بل يعيد تنظيمه.

 

طهران وواشنطن.. من إنهاء الصراع إلى ضبطه

عندما تعود واشنطن وطهران إلى طاولة التفاوض في إسلام أباد، يبدو المشهد للوهلة الأولى امتداداً لمنطق دبلوماسي مألوف يهدف إلى تخفيف التوتر واحتواء التصعيد وربما فتح نافذة نحو تسوية. غير أن هذا الانطباع، رغم وجاهته، لا يلتقط جوهر اللحظة. فالمسار الجاري لا يتعلق فقط بإنهاء الصراع، بقدر ما يتصل بإعادة تنظيمه ضمن قواعد أكثر استقراراً. وعليه، لم يعد السؤال المركزي هو: هل سينجح الاتفاق؟ بل أي نوع من الصراع سيستمر بعده وبأي حدود، ولصالح من؟

 

في هذا السياق، تبرز مفارقة أساسية، فنجاح التفاوض لا يقود بالضرورة إلى حل جذري، بل قد يفضي إلى تثبيت نمط من التوتر المنضبط. ليس لأن الأطراف عاجزة عن الحسم، بل لأن كلفة الحسم أصبحت أعلى من عوائده في بيئة دولية تتراجع فيها شهية الحروب الكبرى. وبينما يفتح الفشل الباب أمام تحولات غير محسوبة، قد يرسّخ النجاح معادلة أكثر قابلية للاستمرار، تُخفّف التصعيد دون أن تُنهي أسبابه.

 

لكن ما يتشكل هنا يتجاوز فكرة “إدارة الأزمة” بالمعنى التقليدي. فنحن أمام نمط من التنظيم المستمر للتوتر، حيث لا تُزال المخاطر بالكامل، بل يُعاد ضبطها بحيث تبقى ضمن نطاق يمكن التحكم به. هذا لا يعني أن التوتر مطلوب بحد ذاته، بل إن التعامل معه أصبح جزءاً من طريقة عمل النظام الدولي في هذه المرحلة.

 

تتقاطع مصالح أطراف متعددة، دولية وإقليمية، عند هدف واحد هو تجنّب الانفجار، دون الاندفاع نحو تسوية شاملة قد تكون كلفتها السياسية والاستراتيجية مرتفعة (شترستوك)

 

ضمن هذا الإطار، تتقاطع مصالح أطراف متعددة، دولية وإقليمية، عند هدف واحد هو تجنّب الانفجار، دون الاندفاع نحو تسوية شاملة قد تكون كلفتها السياسية والاستراتيجية مرتفعة. فالولايات المتحدة قد تجد في بيئة مضبوطة من التوتر مبرراً لاستمرار حضورها الأمني وتعزيز تحالفاتها، دون الانخراط في حرب واسعة النطاق. وفي المقابل، ترى إيران في هذا النموذج مساحة للحفاظ على نفوذها الإقليمي دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة عالية الكلفة.

 

لكنّ الأهم أن هذا النمط لا يعمل في الفراغ. فثمة منظومات أوسع تتكيف معه وتستفيد من استقراره النسبي؛ بدءاً من أسواق الطاقة وصولاً إلى شبكات التأمين والنقل، مروراً ببنية الردع والتحالفات. هذه القطاعات لا تنشأ بسبب التوتر، لكنها تعمل بكفاءة أعلى حين يكون التوتر قابلاً للإدارة وليس مفتوحاً على الفوضى. بهذا المعنى، لا يُنتج الاتفاق فراغاً بعد الصراع، بل بيئة أكثر قابلية للتشغيل.

 

من هنا، لا تدخل طهران المفاوضات بهدف تفكيك أدوات نفوذها بل لإعادة ترتيبها. فقد تُظهر مرونة في الملفات التي تشكّل تهديداً مباشراً للنظام الدولي، وفي مقدمتها الملف النووي، لكنها ستميل إلى الحفاظ على عناصر النفوذ الأخرى التي تعمل من خلالها يومياً. والنتيجة ليست إنهاء مصادر الخطر بل إعادة توزيعها من خلال تقليل ما يهدد النظام بشكل مباشر، والإبقاء على ما يمنح القدرة على التأثير ضمن حدوده.

 

يتجلى هذا المنطق بوضوح في مضيق هرمز، الذي لم يعد مجرد ممر مائي دولي حيوي، بل مساحة تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والأمن. وعليه، لم يعد السؤال هو ما إذا كان يمكن إغلاقه أم لا، بل كيف يمكن التأثير في طريقة عمله دون الوصول إلى الإغلاق الكامل. فحتى في ظل بقاء المضيق مفتوحاً، يمكن لارتفاع كلفة التأمين، أو ازدياد المخاطر المحتملة، أو تعقيد حركة الملاحة، أن تترك كلها أثراً ملموساً على الأسواق العالمية. بهذا المعنى، يتحول المضيق إلى أداة ضغط مرنة، لا تحتاج إلى استخدام حاد حتى تكون فعّالة؛ إذ يكفي إدخال عنصر عدم اليقين أو رفع مستوى التهديد لإعادة تشكيل سلوك الفاعلين الاقتصاديين. وهنا تتغير طبيعة القوة نفسها، من التحكم في الحدث إلى التأثير في احتمالاته.

 

يُعيد الخليج تموضعه داخل بنية التوازن الإقليمي، ليس بوصفه طرفاً هامشياً بل كعنصر مركزي في كيفية إدارة هذا التوازن (شترستوك)

 

تموضع الخليج ضمن معادلة الصراع المنضبط 

لا يقتصر التحول الأعمق في هذه المعادلة الجديدة للصراع على العلاقة بين واشنطن وطهران، بل يمتد إلى موقع منطقة الخليج نفسها داخل هذه المعادلة. فالقراءة التقليدية التي ترى الخليج مجرد متأثر بالتطورات تبدو اليوم قاصرة. فما يحدث فعلياً هو إعادة تموضع الخليج داخل بنية التوازن الإقليمي، ليس كطرف هامشي بل كعنصر مركزي في كيفية إدارة هذا التوازن.

 

يظل استقرار منطقة الخليج شرطاً أساسياً لاستمرار تدفق الطاقة، لكنه لم يعد يُفهم كغاية نهائية بحد ذاته. بل أصبح جزءاً من معادلة أوسع تُدار فيها مستويات الاستقرار وعدم الاستقرار معاً. فالمطلوب ليس استقراراً مطلقاً، بل استقرار كافٍ لضمان التدفق، مقروناً بهامش من التوتر يبرر الردع ويُبقي المخاطر قابلة للتقدير. بهذا المعنى، لا يُعاد تعريف منطقة الخليج بوصفها متلقياً سلبياً لاتفاق ناقص، بل كمساحة يُقاس من خلالها مستوى التوتر المقبول داخل النظام الإقليمي، وهذا لا يُلغي دور دولها، بل يجعله أكثر تعقيداً. فالدول الخليجية، وبخاصة الأكثر قدرة، نجحت في تعزيز أدواتها الدفاعية وتوسيع شراكاتها، ما يمنحها قدرة أكبر على التكيف والتأثير، لكنها في الوقت نفسه تتحرك ضمن بيئة دولية لا تُحدد قواعدها بالكامل.

 

هنا تتضح حدود القوة وحدود الخيارات في آن واحد. ويمكن تحسين الشروط داخل هذه المعادلة، لكن من الصعب الخروج منها كلياً، لأن ما يُدار ليس صراعاً ثنائياً فقط، بل شبكة أوسع من المصالح المتقاطعة التي تتلاقى عند نقطة واحدة هي إبقاء التوتر ضمن مستوى يمكن التحكم به.

 

في هذا السياق، يصبح من الأدق فهم التوتر في الشرق الأوسط ليس بوصفه نتيجةً لغياب الحلول فحسب، بل أيضاً كجزء من طريقة التعامل معها. فالنظام الدولي، في صيغته الحالية، لا يتجه دائماً نحو إنهاء الأزمات بقدر ما يسعى إلى إدارتها تدريجياً، وبخاصة عندما تكون كلفة التسويات الشاملة مرتفعة أو نتائجها غير مضمونة. هذا لا يعني أن السلام الشامل غير ممكن، لكنه يسلط الضوء على تعقيد الوصول إليه. فالتسويات الكبرى لا تتطلب اتفاقاً بين الأطراف المباشرة فقط، بل إعادة ترتيب أوسع في التوازنات الإقليمية والدولية، وهي عملية تتجاوز حدود أي تفاوض ثنائي. ومن هنا، يتغير السؤال الأساسي، فلم يعد السؤال: كيف يمكن إنهاء الصراع؟ بل: ما الذي يتطلبه إنهاؤه فعلاً، وما الكلفة المترتبة عن ذلك؟

 

ما يتشكل اليوم على ساحة الصراع بين إيران والولايات المتحدة لا يشبه لحظة تسوية بقدر ما يشبه إعادة هندسة طويلة الأمد للصراع (شترستوك)

 

إن إنهاء الصراع بالكامل لن يكون مجرد لحظة استقرار، بل لحظة إعادة توزيع أوسع للقوة والنفوذ. وهو ما يجعل الوصول إليه أكثر تعقيداً، ليس فقط لأنه صعب، بل لأنه يُغيّر توازنات اعتادت الأطراف العمل ضمنها. لهذا، فإن ما قد يحققه أي اتفاق في المدى القريب ليس إنهاء التوتر بل تحويله إلى صيغة أكثر انتظاماً، أي أقل عرضة للانفجار، من دون معالجة جذوره. وبينما يُنظر إلى ذلك كنجاح دبلوماسي مهم، فإن دلالته الأعمق تكمن في مكان آخر؛ ليس في إنهاء الصراع بل في إعادة تعريفه. فأخطر ما قد يحققه أي اتفاق ليس أن يُنهي الحرب بل أن يجعلها تستمر بصيغة مختلفة وأكثر قابلية للاستدامة.

 

الخلاصة 

ما يتشكل اليوم على ساحة الصراع بين إيران والولايات المتحدة لا يشبه لحظة تسوية بقدر ما يشبه إعادة هندسة طويلة الأمد للصراع، فالنجاح المحتمل للاتفاق لن يُنهي التوتر بل سيعيد تعريفه؛ من صراع مفتوح على احتمالات الانفجار إلى صراع مضبوط بإيقاع محسوب لا يهدد النظام كلياً، لكنه لا يسمح بتجاوزه.

 

في هذا النموذج، لا تختفي أسباب الأزمة بل يُعاد توزيعها، وتبقى أدوات النفوذ الأخرى قائمة تعمل ضمن حدود غير مكتوبة. ولا ينتج عن ذلك سلام بل استقرار وظيفي؛ استقرار يكفي لاستمرار التدفقات الحيوية (الطاقة، والتجارة، والتحالفات)، دون أن يفرض كلفة التحولات الكبرى التي يتطلبها إبرام سلام شامل. والأخطر أن هذا النمط لا يُدار بين واشنطن وطهران فقط، بل يتغذى من شبكة أوسع من المصالح. فكلما أصبح التوتر قابلاً للإدارة، ازداد اندماجه في طريقة عمل النظام؛ فالردع يُبرَّر، والتحالفات تُجدَّد، والأسواق تتكيّف. وهنا يتحول الصراع من أزمة يجب حلّها إلى بيئة يجب تنظيمها.

 

ضمن هذا السياق، يُعاد تعريف موقع منطقة الخليج؛ فلم تعد منطقة تجب حمايتها، بل أصبحت مساحة تُقاس من خلالها مستوى التوتر المقبول. فاستقرار المنطقة لم يعد هدفاً مطلقاً، بل جزءاً من معادلة دقيقة تضمن استقرار كافياً لضمان تلك التدفقات، وتوتراً محدوداً يُبقي الحاجة إلى الردع قائمة. هذا التحول لا يلغي دور دول المنطقة، لكنه يضعها أمام معادلة أكثر تعقيداً تتمثل في محاولة تعظيم القدرة على التأثير داخل نظام لا تتحكم في قواعده بالكامل. لهذا، لم يعد التساؤل الحقيقي هو ما إذا كان الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، في حال جرى التوصل إليه في إسلام أباد، سينجح أم لا. إذ تكمن الخشية في أن المنطقة قد تتجه نحو نموذج لا تُحسم فيه الأزمات بل تُدار باستمرار، حيث يصبح التوتر جزءاً من الاستقرار، لا نقيضه. وبذلك، فإن أخطر ما قد يحققه الاتفاق ليس إنهاء الحرب وإنما تحويلها إلى نظام مستدام؛ أي صراع لا ينفجر ولا ينتهي في الوقت نفسه.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M