ليست الاتفاقات الكبرى في السياسة الدولية مجرد تفاهمات تقنية حول ملفات محددة، بل هي انعكاس لتحولات أعمق في بنية النظام الدولي، وتوازنات القوة، وإدراك الأطراف لمفهوم المصلحة الممكنة في لحظة تاريخية معينة. ومن هنا، فإن قراءة الاتفاق الأمريكي – الإيراني المحتمل لا يجب أن تُختزل في بعده النووي أو الصاروخي والاعتبارات الأمنية المباشرة، بل ينبغي فهمه بوصفه إعادة تعريف لشكل الصراع، وحدود القوة، وآليات إدارة النفوذ في الشرق الأوسط. السؤال الأهم ليس: هل هناك اتفاق؟ بل: لماذا أصبح الاتفاق ممكنًا الآن رغم سنوات التصعيد والعقوبات والحروب المباشرة وغير المباشرة؟
من منظور معرفي، فإن فهم هذا الاتفاق يتطلب تجاوز القراءة التقليدية التي ترى السياسة الدولية كصراع ثابت بين الخير والشر أو بين أعداء دائمين. فالعلاقات الدولية الحديثة لا تُدار بمنطق القطيعة المطلقة، بل بمنطق إدارة التناقضات. والدول الكبرى لا تخوض الحروب دائمًا بهدف الحسم، بل كثيرًا ما تستخدم التهديد والحرب والعقوبات كأدوات لإعادة إنتاج شروط التفاوض بما يحقق أهدافها.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى مرحلة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران خلال السنوات الماضية إلى اليوم، بوصفها جزءًا من عملية إعادة هندسة التوازن، لا مقدمة حتمية لحرب شاملة تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني. فواشنطن، رغم خطابها الحاد والذي طالما يعلن عنه الرئيس ترمب، كانت تدرك أن تغيير النظام الإيراني بالقوة يحمل تكلفة استراتيجية هائلة قد تفجر المنطقة بأكملها، بينما كانت إيران أيضاً تدرك بدورها أن استمرار سياسة المواجهة المفتوحة يهدد استقرارها وربما وجودها. لذلك، يبدو أن الطرفين وصلا إلى لحظة إدراك متبادل بأن الاستنزاف المتبادل لم يعد يحقق مكاسب إضافية، وأن التسوية المؤقتة أكثر عقلانية من المواجهة المفتوحة.
ووفقاً للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، فإن الاتفاق المحتمل ليس تعبيرًا عن ثقة متبادلة أو تحول أيديولوجي، بل نتيجة مباشرة لحسابات القوة والمصلحة. فالولايات المتحدة تريد منع إيران من التحول إلى قوة نووية عسكرية دون الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة، بينما تريد إيران تثبيت نظامها، وتخفيف العقوبات، وانتزاع اعتراف ضمني بدورها الإقليمي. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا التوازن القلق رهناً بقدرة إدارة واشنطن على احتواء الضغوط التشريعية والمعارضة الداخلية، ومقدار المرونة التي يمكن أن يبديها صانع القرار في طهران أمام توازنات التيارات المحافظة داخلياً.
هنا لا يوجد منتصر مطلق، بل نوع من التوازن القلق الذي يمنح كل طرف بعض ما يريد دون أن يحقق أهدافه الكاملة. فالولايات المتحدة قد تحصل على تهدئة نسبية وضبط للبرنامج النووي الإيراني، لكنها عمليًا تتراجع عن خطاب الضغط الأقصى وتبتعد عن فكرة تغيير النظام. أما إيران, فقد تنجح في العودة التدريجية إلى الاقتصاد العالمي، لكنها ستواجه قيودًا كبيرة على مشروعها النووي وتحركاتها الإقليمية. لكن السؤال الأكثر حساسية هو: هل كانت الحرب والتصعيد مجرد أدوات للوصول إلى الاتفاق؟ جزئيًا نعم.
في كثير من الأحيان، لا تكون الحروب المحدودة والعقوبات القصوى نقيضًا للتفاوض، بل وسيلة لإنتاجه. فالقوة في العلاقات الدولية ليست دائمًا أداة للتدمير، بل أداة لتحسين شروط التفاوض. ومن هنا يمكن فهم كيف تحولت سنوات التصعيد، والاغتيالات، والعقوبات، والحروب بالوكالة، إلى جزء من عملية تفاوض طويلة وغير معلنة. ولعل جولات التفاوض الراهنة في إسلام آباد بوساطة باكستانية، وما تحمله من مقترحات مرحلية تركز على تبريد الملفات الأكثر اشتعالاً كأمن الملاحة والتخفيف الجزئي للعقوبات، هي التجسيد العملي والميداني لهذه الهندسة؛ حيث تحولت القنوات الدبلوماسية لوسيط إقليمي مقبول إلى ممر إجباري لتأطير هذه التفاهمات.
غير أن ذلك لا يعني أن الصراع انتهى. بل ربما نحن أمام انتقال من مرحلة الصدام المفتوح إلى مرحلة إدارة الصراع. فالاتفاق، و إن تم، لن ينهي التنافس الأمريكي الإيراني، بل سيعيد تنظيمه ضمن قواعد أقل انفجارًا وأكثر براغماتية. أما على مستوى المنطقة، فإن دول الخليج ستكون من أكثر الأطراف تأثرًا بالاتفاق.
فبعض دول الخليج قد ترى فيه فرصة لتخفيف التوترات الأمنية وفتح المجال أمام استقرار اقتصادي أوسع، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المنطقة. لكن في المقابل، هناك مخاوف خليجية تقليدية من أن يؤدي أي اتفاق إلى تعزيز النفوذ الإيراني الإقليمي ومنح طهران موارد اقتصادية إضافية دون معالجة شاملة لملفات النفوذ والصواريخ والجماعات الحليفة. ولهذا، فإن السؤال حول ما إذا كانت دول الخليج مطلعة على تفاصيل الاتفاق مهم جدًا. غالبًا، لن تكون كل التفاصيل مطروحة بالكامل، لكن من غير المرجح أن تُقدم واشنطن على اتفاق استراتيجي كبير دون مشاورات مع حلفائها الخليجيين، خصوصًا في ظل التحولات الأخيرة التي دفعت بعض العواصم الخليجية نفسها نحو سياسات تهدئة مع إيران بدل المواجهة المباشرة. أما إسرائيل، فهي الطرف الأكثر قلقًا من أي اتفاق أمريكي – إيراني. فالمنظور الإسرائيلي ينطلق من أن أي تخفيف للعقوبات أو اعتراف ضمني بإيران كقوة إقليمية سيمنحها مساحة أوسع للحركة والنفوذ. ولذلك، تنظر إسرائيل إلى الاتفاق غالبًا باعتباره تأجيلًا للخطر لا حلًا له.
ومن هنا يمكن فهم التوتر الدائم بين واشنطن وإسرائيل حول الملف الإيراني. فالولايات المتحدة قد ترى أن الاحتواء والتفاوض أكثر عقلانية من الحرب، بينما تميل إسرائيل إلى مقاربة أكثر تشددًا تعتبر أن أي اتفاق لا ينهي بالكامل القدرات الإيرانية يمثل خطرًا مستقبليًا.
ومن زاوية النظرية الليبرالية، يمكن قراءة الاتفاق باعتباره انتصارًا لفكرة الاعتماد المتبادل والمؤسسات الدولية، حيث تصبح المصالح الاقتصادية الحيوية، وتأمين شرايين الطاقة العالمية والممرات المائية الحاكمة كمضيق هرمز، عوامل ضغط موضوعية تدفع الأطراف الكبرى والإقليمية نحو التسويات البراغماتية بدل المواجهة الصفرية التي لا يطيق النظام الدولي كلفة استمرارها. أما من منظور البنائية، فإن الاتفاق يعكس أيضًا تحولًا تدريجيًا في إدراك الأطراف لهويات بعضها البعض؛ إذ لم تعد إيران تُقدَّم فقط كـ “عدو يجب إسقاطه”، بل كفاعل يمكن احتواؤه والتفاوض معه ضمن النظام الدولي.
وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: هل يعني الاتفاق عودة إيران إلى المجتمع الدولي؟ إلى حد كبير نعم، ولكن بصورة مشروطة وحذرة. فالعودة لن تكون اندماجًا كاملًا وسلسًا، بل إعادة إدماج تدريجية مرتبطة بسلوك إيران الإقليمي والنووي، وبمدى التزام الأطراف المختلفة ببنود الاتفاق. لكن الأهم معرفياً هو أن هذا الاتفاق المحتمل يكشف حدود القوة العسكرية نفسها. فبعد سنوات من العقوبات والتهديدات والاغتيالات والتصعيد، لم تستطع الولايات المتحدة إسقاط النظام الإيراني، كما لم تستطع إيران فرض معادلة إقليمية كاملة لصالحها. فالتحول نحو اتفاق محتمل لا ينفصل عن انتقال النظام الدولي من الأحادية الصلبة إلى تعددية أكثر سيولة، حيث باتت واشنطن أكثر ميلًا لإدارة الأزمات بدل خوض حروب شاملة جديدة.
وهنا تظهر الحقيقة المركزية في السياسة الدولية المعاصرة: القوة لم تعد قادرة وحدها على إنتاج الحسم, بل أصبحت وظيفة القوة الأساسية هي تحسين شروط التفاوض وإعادة تشكيل التوازنات. لذلك، فإن الاتفاق (إذا تحقق) لن يكون إعلانًا لنهاية الصراع، بل اعترافًا متبادلًا باستحالة الحسم الكامل، وبأن إدارة التوازن أقل كلفة من الانفجار الشامل. إنه اتفاق قد يرضي الطرفين جزئيًا، ويقلق الطرفين جزئيًا، ويمنح المنطقة فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لن يُنهي حالة السيولة الاستراتيجية التي يعيشها الشرق الأوسط. فالمنطقة لم تعد تتحرك نحو سلام نهائي، بل نحو أنماط جديدة من التعايش القلق، حيث تبقى التفاهمات مؤقتة، والتحالفات مرنة، والصراعات قابلة دائمًا للعودة بأشكال مختلفة.