- يكمُن جوهر التهديد الصاروخي الإيراني في كونه منظومة متكاملة تجمع بين الأيديولوجيا السياسية، والقاعدة الصناعية المحلية، والمرونة الاستراتيجية، وشبكة الوكلاء الإقليميين، مما يجعل الاقتصار على الحلول التقنية أو محاولات احتواء الأسلحة ذاتها مجرد معالجة مؤقتة لا تضمن استئصال الخطر المستدام مالم تُعالج البيئة المنتجة والمحركة لهذا التهديد.
- تتبنى دول الخليج استراتيجية أمنية شاملة ترفض تجزئة التهديد الإيراني، وتشدد على ضرورة ربط الملف النووي بالقدرات الصاروخية وسلوك الوكلاء الإقليميين لضمان استدامة استقرار المنطقة. ويقوم هذا الموقف على أن الخطر لا يكمن في السلاح المجرد، بل في نمط استخدامه لتهديد أمن الملاحة وإمدادات الطاقة والمنشآت الحيوية، مما يستوجب الانتقال من مجرد تعزيز الدفاعات التقليدية إلى بناء منظومة ردع جماعي وتكامل سياسي واستخباراتي يمنع توظيف هذه القدرات كأوراق ضغط إقليمي.
- تتمحور سيناريوهات التعامل الدولي والإقليمي مع التهديد الصاروخي الإيراني حول ثلاثة مسارات ممكنة: احتواء جزئي يحدُّ من القدرات الصاروخية دون القضاء على التهديد الكامن، وهو الأكثر ترجيحاً؛ ووضع مقاربة شاملة لإعادة تشكيل الردع عبر تنسيق إقليمي ودولي مرتفع؛ وسيناريو التصعيد والانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
يُعد البرنامج الصاروخي الإيراني أحد أكثر الملفات تأثيراً في معادلات الأمن الإقليمي في الخليج العربي، نظراً لتداخُل أبعاده العسكرية مع أهداف سياسية واستراتيجية تتجاوز مفهوم الردع التقليدي. فعلى مدى العقود الماضية، عملت إيران على تطوير ترسانة متنوعة من الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز والطائرات المسيّرة، مستفيدة من تراكم الخبرة التقنية، وتوسيع البنية الصناعية المحلية، وسياسات الاعتماد الذاتي التي فرضتها العقوبات والعزلة الدولية. ونتيجة لذلك، لم يعد هذا البرنامج مجرد قدرة تسليحية منفصلة، بل تحول إلى ركيزة مركزية في أدوات القوة الإيرانية. كما أن فاعلية هذا البرنامج لم ترتبط بالقدرات الإيرانية وحدها، بل استفادت أيضاً من تبايُن المقاربات الدولية والإقليمية في تعريف الخطر الصاروخي، واختلاف أولويات الاستجابة له.
وتنبع أهمية هذا الملف من أن الصواريخ الإيرانية لا تُستخدم بوصفها وسائل قتالية فقط، بل كأدوات ردع وضغط سياسي، ورفع كلفة المواجهة على الخصوم، وتحسين شروط التفاوض، وإدارة الأزمات الإقليمية من موقع القوة. كما تتضاعف فعالية هذه المنظومة عند دمجها مع أدوات أخرى تشمل الوكلاء الإقليميين، والحرب غير المتكافئة، والقدرات السيبرانية، وشبكات النفوذ العابرة للحدود.
وعلى رغم أن جانباً معتبراً من المقاربات الدولية والإقليمية انصرف إلى الجوانب التقنية للبرنامج الصاروخي الإيراني، مثل أعداد المنظومات، والمدى، والدقة، ومصادر التصنيع، فإن التجربة العملية تشير إلى أن هذه المقاربة، على أهميتها، تظل محدودة إذا عُزلت عن البيئة الفكرية والاستراتيجية التي أنتجت هذه القدرات ووجهت استخدامها. فالأدوات العسكرية يمكن تطويرها أو استبدالها أو إعادة إنتاجها، بينما يبقى العامل الحاسم في طبيعة العقل الاستراتيجي الذي يحدد متى تُستخدم هذه القدرات، وكيف تُستخدم، ولأي غاية سياسية تُوظف.
ومن هذا المنطلق، تنطلق هذه الورقة من السؤال المركزي الآتي: هل يكفي احتواء الترسانة الصاروخية الإيرانية لخفض مستوى التهديد الإقليمي، أم أن جوهر الخطر يكمُن في الأيديولوجيا، والبنية الصناعية، والعقل الاستراتيجي، وشبكات الاستخدام الإقليمي التي تنتج هذه القدرات وتمنحها أثرها السياسي؟
تتمثَّل المسألة الرئيسة في أن التهديد المرتبط بالبرنامج الصاروخي الإيراني لا يستند فقط إلى ما تمتلكه طهران حالياً من مخزون عسكري، بل إلى منظومة أوسع تتكون من أربعة عناصر مترابطة: الأيديولوجيا السياسية، والبنية الصناعية المحلية، والعقل الاستراتيجي القادر على التكيّف، وشبكات الاستخدام الإقليمي التي توسّع أثر هذه القدرات عبر الوكلاء والساحات غير المباشرة.
وعليه، فإن الاقتصار على احتواء المنظومات الصاروخية ذاتها قد يحد من مستوى الخطر مرحلياً، لكنه لا يُفضي بالضرورة إلى معالجة مستدامة ما دامت البيئة المنتجة للتهديد ما تزال قائمة وقادرة على إعادة إنتاج أدواتها بأشكال جديدة.
الترسانة الصاروخية الإيرانية والبنية المحلية الحاضنة لها
لم يعد البرنامج الصاروخي الإيراني قائماً على الاستيراد الخارجي أو النقل المحدود للتكنولوجيا، بل تطور إلى منظومة شبه مكتفية ذاتياً، تستند إلى قاعدة صناعية محلية تشمل المعادن، والوقود الصلب، والهندسة الميكانيكية، والإلكترونيات، ومراكز البحث، والتطوير. وقد سمح ذلك لطهران بالحفاظ على استمرارية الإنتاج رغم العقوبات، كما أتاح لها تطوير أجيال متعددة من الصواريخ بمديات وقدرات متفاوتة.
وتكمن أهمية هذه البنية في أنها تنقل تقييم الخطر من سؤال “كم عدد الصواريخ الموجودة الآن؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “ما مدى قدرة إيران على التعويض وإعادة البناء والتطوير بعد أي استنزاف أو احتواء؟”. ولا يرتبط الخطر الإيراني بالمخزون القائم فقط، بل أيضاً بقدرة الدولة على إعادة البناء والتطوير. فالأدبيات الفنية الغربية، تتعامل مع البرنامج الإيراني بوصفه منظومة متقدمة نسبياً في مجال الصواريخ والمسيّرات والانتشار، وليست مجرد قدرة قائمة على الاستيراد الخارجي المحدود. كما تؤكد مصادر إيرانية رسمية أن طهران بلغت مستوى من الاكتفاء الذاتي في إنتاج الصواريخ والمسيّرات، وهو ما يعزز منطق التعويض والاستدامة.
كما أن ارتباط البرنامج الصاروخي بقطاعات صناعية أوسع، مثل البتروكيمياويات والمعادن والمواد المركبة، يمنحه درجة أعلى من المرونة والاستدامة، ويجعل التعامل معه أكثر تعقيداً من مجرد استهداف منصات إطلاق أو خطوط إنتاج منفصلة.
البُعد الأيديولوجي والاستراتيجي للبرنامج الصاروخي الإيراني
لا يمكن فهم البرنامج الصاروخي الإيراني خارج السياق العقائدي والاستراتيجي الذي تشكلت فيه الدولة الإيرانية بعد الثورة. فقد جرى توظيف مفاهيم مثل الاستقلال الاستراتيجي، والاعتماد على الذات، ورفض الهيمنة الخارجية، وتوسيع النفوذ الإقليمي، ضمن إطار يَعتبِر القوة غير التقليدية وسيلةً لتعويض جوانب القصور العسكري التقليدي.
من هنا، فإن الصواريخ ليست مجرد منظومات قتالية، بل أدوات ضمن تصور أوسع لدور الدولة وموقعها الإقليمي. وهذا ما يُفسِّر أن امتلاك الصواريخ في حد ذاته لا يؤدي تلقائياً إلى مستوى القلق ذاته في حالات أخرى؛ إذ إن العامل الفاصِل ليس وجود السلاح، بل طبيعة العقيدة التي توجه استخدامه، والسلوك السياسي الذي يمنحه معنى استراتيجياً يتجاوز الردع الدفاعي التقليدي.
كما أن العقل الاستراتيجي الإيراني أظهر قدرة متكررة على التكيّف مع الضغوط، عبر المزج بين الردع المباشر، والحرب غير المتكافئة، والتحرك عبر الوكلاء، وتوزيع الكلفة على عدة ساحات. وهذا ما يجعل التهديد أكثر تعقيداً من ملف تسليحي يمكن احتواؤه بوسائل فنية فقط.
وتدعم الأدبيات التحليلية الصادرة عن مراكز دراسات استراتيجية غربية هذا التصور، حيث تشير إلى أن تطور القوة الصاروخية الإيرانية لا يمكن عزله عن اعتبارات عقائدية مرتبطة بمفهوم الردع غير المتماثل، وعن قيود التحديث العسكري التقليدي في ظل العقوبات، وهو ما جعل هذه المنظومات خياراً استراتيجياً بديلاً منخفض الكلفة نسبياً وأكثر ملاءمة لبيئة الصراع الإقليمي.
تبايُن تعريف الخطر وأثره في استمرار البرنامج الصاروخي الإيراني
يرتبط أحد أسباب نجاح إيران في تطوير برنامجها الصاروخي واستمراره بغياب تصور دولي موحد لطبيعة الخطر الذي تمثله هذه القدرات. فقد تعاملت الأطراف المختلفة مع الملف الصاروخي انطلاقاً من اعتبارات أمنية وطنية ضيقة، لا من منظور أمن جماعي شامل، الأمر الذي أتاح لطهران هامشاً واسعاً للمناورة والاستفادة من تباين الأولويات الدولية والإقليمية.
ففي السياق الأوروبي، جرى النظر إلى التهديد الصاروخي الإيراني من زاوية المدى القادر على الوصول إلى العُمق الأوروبي، ما جعل التركيز ينصرف أساساً إلى الصواريخ بعيدة المدى. وفي السياق الإسرائيلي، ارتبط تعريف الخطر بالقدرات التي يمكن أن تصل مباشرة إلى الأراضي الإسرائيلية. أما دول الخليج العربي، فقد نظرت إلى مختلف فئات الصواريخ بوصفها تهديداً مباشراً بحكم القرب الجغرافي، وكثافة المنشآت الحيوية، وحساسية البنية الاقتصادية والطاقة والممرات البحرية.
وقد أدى هذا التبايُن في تعريف الخطر إلى مقاربات متباينة في السياسات والضغوط وأولويات الاحتواء، حيث انشغلت كل جهة بأمنها المباشر أكثر من انشغالها بأمن المنظومة الإقليمية ككل. إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت أن تأثير الصواريخ لا يقتصر على الدولة المستهدفة مباشرة، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وكلفة النقل والتأمين، بما يعني أن الصاروخ قصير أو متوسط المدى قد يخلّف آثاراً استراتيجية تتجاوز نطاقه الجغرافي المباشر. ومِن ثمَّ، فإن استمرار التفكير الجزئي في هذا الملف لم يعد منسجماً مع طبيعة التهديد العابر للحدود الذي بات يفرض نفسه على الجميع.
حدود المقاربة التقنية في التعامل مع الملف الصاروخي الإيراني
تعتمد المقاربة التقنية على فرضية أن تقليص الخطر الإيراني يمكن أن يتحقق عبر أدوات مثل تشديد العقوبات، وتقييد المكونات، واستهداف المنشآت، وتعزيز الدفاعات الجوية، أو تقليص عدد الصواريخ المتاحة. وعلى رغم أهمية هذه الأدوات، فإن فعاليتها تبقى نسبية إذا لم تُربط بالسلوك السياسي والاستراتيجي الذي يحكم قرار الاستخدام. فالتجربة الإقليمية تُظهر أن الأدوات العسكرية ليست ثابتة؛ إذ يمكن استبدالها بطائرات مسيّرة، أو نقلها إلى ساحات غير مباشرة، أو تشغيلها عبر وكلاء، أو تطوير نماذج أقل كلفة وأكثر صعوبة في الرصد. كما أن النجاح في اعتراض بعض الهجمات أو تعطيل بعض القدرات لا يعني بالضرورة تحييد مصادر التهديد على المدى الطويل.
وتدعم التقديرات البحثية الغربية المستندة إلى خبرات عملياتية حديثة هذا الاستنتاج، إذ تشير إلى أن الحملات العسكرية المكثفة التي استهدفت البنى الصاروخية والنووية، رغم قدرتها على تقليص وتيرة الهجمات وإضعاف بعض القدرات، لم تُفضِ إلى إنهاء التهديد أو منع إعادة تشكّله. فقد أظهرت هذه التجارب أن القدرة على التكيّف، والانتقال إلى بدائل تشغيلية مثل الطائرات المسيّرة، وتفعيل شبكات الوكلاء، تُمكّن من الحفاظ على مستوى من الفاعلية أو استعادته في أطر زمنية لاحقة، بما يحدّ من الأثر الحاسم للأدوات التقنية البحتة.
وعليه، فإن حدود المقاربة التقنية لا تكمن في ضعفها المطلق، بل في كونها تعالج الوسيلة أكثر مما تعالج المنطق الذي ينتج الوسيلة. فهي ضرورية، لكنها غير كافية إذا لم تُدمج ضمن مقاربة أشمل تربط بين القدرات العسكرية، والعقيدة السياسية، والبنية المؤسسية المنتجة لها، بما يضمن التعامل مع التهديد في مستواه البنيوي وليس فقط في مظاهره العملياتية.
المقاربة الخليجية للملف الصاروخي الإيراني
لم تنظر دول الخليج العربي إلى البرنامج النووي الإيراني بمعزل عن الصواريخ والسلوك الإقليمي، بل رأت منذ وقت مبكر أن أي مقاربة تركز على ملف واحد وتتجاهل بقية عناصر القوة الإيرانية ستبقى قاصرة عن تحقيق استقرار مُستدام. ولذلك، برزت المطالب الخليجية المتكررة بضرورة أن تشمل أي تفاهمات مستقبلية الملف الصاروخي، ودور الوكلاء الإقليميين، وأمن الملاحة، وضمان عدم استهداف المنشآت الحيوية.
ويعكس هذا الموقف إدراكاً خليجياً بأن التهديد لا يصدر عن القدرات العسكرية المجردة، بل عن نمط استخدام هذه القدرات في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، تعتمد على استقرار الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، وحماية البنية التحتية الحيوية. ومِن ثمَّ، فإن المقاربة الخليجية الأكثر فاعلية لا تقتصر على تعزيز الدفاعات العسكرية، بل تستند أيضاً إلى بناء ردع جماعي، وتكامل استخباراتي، وتنسيق سياسي، وتوسيع هامش الشراكات الدولية، بما يُقلل فرص توظيف إيران لقدراتها الصاروخية كورقة ضغط إقليمي.
وفي السياق ذاته، تؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن الملف الإيراني لا يمكن التعامل معه بصورة مجزأة، إذ شدَّد المجلس على ضرورة أن تشمل أي مفاوضات أو تفاهمات مستقبلية جميع مكونات التهديد، بما في ذلك الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز والطائرات المسيّرة، إلى جانب أمن الملاحة والمنشآت النفطية والبنى التحتية الحيوية. وقد جدد المجلس الوزاري هذا الموقف في بيانه الصادر في مارس 2025، كما عكست بيانات سابقة في خلال عام 2024 ذات التوجه القائم على شمولية مقاربة التهديد الإقليمي.
وعلى المستوى الدولي، ظل النشاط الصاروخي الإيراني حاضراً ضمن الإطار المرتبط بقرار مجلس الأمن 2231، إذ ينص الملحق (ب) منه على دعوة إيران إلى عدم الاضطلاع بأنشطة تتعلق بصواريخ باليستية مصممة لتكون قادرة على حمل أسلحة نووية. وهذا يعني أن الملف الصاروخي لم يكن أصلاً منفصلاً بالكامل عن النقاش الدولي حول إيران، حتى وإن لم يُعالج بصورة شاملة من منظور أمني إقليمي.
سيناريوهات الاستجابة الدولية والإقليمية للتهديد الصاروخي الإيراني
السيناريو الأول: احتواء جزئي للتهديد الصاروخي، واستمرار التهديد الكامِن؛ يفترض هذا السيناريو استمرار المقاربة القائمة على التركيز في الأدوات التقنية، مثل العقوبات، وتعزيز الدفاعات الجوية، واستهداف بعض القدرات أو البنى المرتبطة بالبرنامج الصاروخي، من دون انتقال موازٍ إلى معالجة البيئة الاستراتيجية الأوسع المنتجة للتهديد. وفي ظل هذا المسار، يُرجح أن تتمكن هذه الأدوات من تقليص جزء من القدرات الإيرانية أو الحد من هامش استخدامها المباشر، إلا أنها لن تنهي القدرة على التكيّف وإعادة التموضع. فإيران تمتلك خبرة متراكمة في امتصاص الضغوط، وإعادة توزيع الموارد، والانتقال إلى بدائل تشغيلية أقل كلفة وأكثر مرونة، مثل الطائرات المسيّرة، والضغط البحري، وتفعيل شبكات الوكلاء، والقدرات السيبرانية. وعليه، فإن النتيجة المُرجَّحة لهذا السيناريو تتمثل في احتواء مرحلي لبعض مظاهر التهديد، مقابل بقاء الخطر الكامن واستمراره بأشكال مختلفة يصعب تحييدها بالكامل.
السيناريو الثاني: إعادة تشكيل الردع الإقليمي بمقاربة شاملة؛ ويقوم هذا السيناريو على انتقال دول الخليج وشركائها إلى مقاربة أكثر شمولاً، تربط بين البرنامج الصاروخي الإيراني، والسلوك الإقليمي، والبنية الصناعية المنتجة للقدرات، وشبكات الاستخدام غير المباشر، بالتوازي مع تطوير الدفاعات الجوية والصاروخية، وتعزيز التكامل الاستخباراتي، وتنسيق المواقف السياسية والدبلوماسية. وفي حال توافر إرادة سياسية كافية واستمرارية في التنسيق، يمكن لهذا المسار أن يرفع كلفة التصعيد الإيراني، ويحد من فرص استثمار الصواريخ كورقة ضغط إقليمي، ويدفع نحو بيئة ردع أكثر توازناً واستقراراً. غير أن تحقق هذا السيناريو يظل متوسط الاحتمال، نظراً لاعتماده على مستويات مرتفعة من التنسيق الإقليمي والدولي، وعلى قدرة الأطراف المختلفة على الحفاظ على مقاربة موحدة تجاه ملف معقد ومتعدد الأبعاد، كما هو حال ملف الصواريخ الإيرانية.
السيناريو الثالث: التصعيد، والانزلاق إلى مواجهة أوسع؛ يفترض هذا السيناريو تراجُع أدوات الضبط السياسي، وتزايُد منسوب التوتر بين إيران وخصومها، بما يقود إلى استخدام أكثر مباشرة أو كثافة للأدوات الصاروخية، أو إلى تصعيد عبر الوكلاء والساحات غير المباشرة، في ظل غياب قنوات فعالة لاحتواء الأزمة. وقد يترافق ذلك مع استهداف الممرات البحرية، أو البنية التحتية الحيوية، أو تصاعُد المواجهات المتبادلة التي ترفع احتمالات سوء التقدير والانزلاق إلى مواجهة أوسع. وعلى رغم أن هذا السيناريو أقل ترجيحاً من غيره في المدى المنظور، فإن كلفته تبقى الأعلى على أمن الخليج، واستقرار أسواق الطاقة، وحركة التجارة الدولية، ما يجعله سيناريو منخفض الاحتمال لكنَّه مرتفع الخطورة ويستدعي الاستعداد المسبق له.
الخلاصة
قد يُعترض الصاروخ أو يُدمَّر، لكن إن لم تتغير البيئة التي تنتجه وتمنحه وظيفته السياسية، سيعود التهديد بأدواتٍ أو صورٍ أخرى. ومِن ثمَّ، فإن النجاح في التعامل مع الملف الصاروخي الإيراني لا يتحقق باحتواء هذا التهديد وحده، بل بمعالجة المنظومة الاستراتيجية التي تمنحه الاستمرارية والفاعلية.