التدخل العسكري في النيجر: المواقف الإقليمية والدولية والاحتمالات

مع نهاية فترة الإنذار الذي وجهته المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” إلى السلطات الانقلابية في النيجر من أجل عودة النظام الدستوري وإعادة الرئيس المخلوع محمد بازوم إلى السلطة، والتلويح باستخدام القوة عند الاقتضاء، أغلقت السلطة العسكرية أجواء البلاد، ورفضت استقبال الوفد الثلاثي الذي يضم مبعوثين من “الإيكواس” والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، وعيّنت رئيس وزراء جديداً بدل رئيس الوزراء الموجود حالياً في فرنسا. وتعقد “إيكواس” قمتها الاستثنائية في عاصمة نيجيريا في أبوجا في 10 أغسطس الجاري لمناقشة قرار التدخل العسكري ضد الانقلابيين.

 

تناقش الورقة احتمالات التدخل العسكري في النيجر من منظور مصالح ومواقف الدول الإقليمية والدولية.

 

موقف دول “إيكواس”

تولَّت مجموعة “إيكواس” (التي تضم 15 دولة من دول غرب أفريقيا) مسؤولية إفشال الانقلاب العسكري في النيجر الذي قاده الجنرال عبد الرحمن تشياني، قائد الحرس الرئاسي، في 26 يوليو 2023، وبادرت إلى التنديد به ورفض نتائجه وإعطاء مهلة للإذعان للشرعية الانتخابية بإعادة الرئيس بازوم إلى السلطة، مع غرض عقوبات اقتصادية على النيجر. ولهذا الغرض اجتمع قادة أركان جيوش مجموعة إيكواس في أبوجا عاصمة نيجيريا في 4 أغسطس الجاري وأقروا خطة التدخل العسكري لإفشال الانقلاب، بالاعتماد على جيوش أربع دول من المجموعة هي نيجيريا وكوت ديفوار (ساحل العاج) وبِنين والسنغال.

 

لكنّ استراتيجية التدخل العسكري واجهتها بعض العقبات الأساسية، من بينها رفض مجلس الشيوخ في نيجيريا العملية العسكرية، مع العلم أن جيش نيجيريا هو أهم المؤسسات العسكرية في المنطقة وأكثرها عدداً وعتاداً وأقواها تسليحاً (نصف مليون جندي)، ومن دونه لا يمكن التفكير في أي عمل مسلح. ويُعتقد أن الزعامات الأهلية من قومية الهوسا تقف بقوة ضد التدخل العسكري في النيجر، بما يقلل من احتمالاته نتيجة لكون الهوسا يشكلون القومية الأولى في النيجر ونيجيريا معاً.

 

وبالإضافة إلى هذا العامل الأساسي، تخشى المجموعة من التفكك الداخلي بخروج النيجر مالي وبوركينا فاسو وغينيا كوناكري من المنظمة، في حال التدخل العسكري، وهو التهديد الذي عبَّرت عنه البلدان المذكورة. وباستثناء غينيا، تنتمي تلك البلدان التي تحكمها أنظمة عسكرية للمجموعة النقدية لغرب أفريقيا وتستخدم الفرنك غرب الأفريقي عملةً وطنية، وليس من المستبعد في حال التدخل العسكري في النيجر الخروج أيضاً من هذه المنظومة النقدية الإقليمية.

 

ومع أن تشاد لا تنتمي لإيكواس، إلا أنها دولة في محيطها مهمة، وقد عبّرت عن رفضها خطة التدخل العسكري في النيجر، وطالبت باستمرار المشاورات السياسية والدبلوماسية مع القادة الانقلابيين، وقد زار رئيسها محمد إدريس ديبي العاصمةَ نيامي في 31 يوليو، والتقى الرئيس بازوم وقائد الانقلاب تشياني، في إطار وساطة لحل الأزمة في النيجر.

 

وقد تواجه مجموعة إيكواس أزمة مصداقية بل معضلة وجود حقيقي في حال العجز عن مواجهة الانقلاب الأخير في النيجر، الذي قد يفضي في حال نجاحه إلى تمدد الانقلابات العسكرية إلى بلدان الإقليم بكامله، وهي في عمومها تعاني من أزمات سياسية حادة تشكّل أرضيةً ملائمة للحكم العسكري. وسيتحدد موقف “إيكواس” بخصوص استخدام القوة ضد الانقلابيين في النيجر، في القمة الاستثنائية التي تعقدها المجموعة في أبوجا في 10 أغسطس.

 

موقف دول شمال أفريقيا

ترتبط النيجر بحدود مشتركة مع الجزائر وليبيا، وترتبط مع موريتانيا بعلاقات خاصة ضمن تنظيم دول الساحل، ولذلك فهي وثيقة الصلة من حيث الأبعاد الجيوسياسية بمنطقة المغرب العربي.

 

وإذا كانت موريتانيا اكتفت بإدانة الانقلاب دون أن تتخذ موقفاً صريحاً من خطة التدخل العسكري في النيجر، فإن الجزائر عبّرت بقوة عن رفضها مثل هذا التدخل، ففي لقاء الرئيس عبد المجيد تبون مع الصحافة الجزائرية عبَّر بوضوح عن رفض بلاده أي تدخل عسكري في النيجر، مُطالِباً بحل المشكلة القائمة سلمياً بالتفاوض والحوار المباشر، في حين ذهبت وزارة الخارجية الجزائرية إلى أن مثل هذا التدخل سيعقِّد الوضع السياسي الداخلي في النيجر وسينعكس سلباً على أوضاع المنطقة برمتها.

 

وإذا كانت المغرب لم يُصدر إلى حد الآن موقفاً رسمياً من الموضوع النيجري، إلا أنه يبدو أقرب إلى دول إيكواس الكبرى، وبصفة خاصة كوت ديفوار والسنغال، لكنْ ليس من المتوقع أن تقدّم الرباط أي دعم عسكري لخطّة التدخل في النيجر.

 

موقف الدول الغربية

رفضت فرنسا بشدة الانقلاب العسكري وطالبت بإفشاله مع التلويح بدعم خطة التدخل العسكري، وربما المشاركة فيها بطريقة غير مباشرة من خلال القاعدة العسكرية الفرنسية في النيجر التي تضم نحو 1500 جندي فرنسي. ورفضت فرنسا قرار السلطات الانقلابية وقف برامج التعاون العسكري الفرنسي مع النيجر بحجة عدم شرعية الحكومة العسكرية، وبادرت إلى إجلاء رعاياها من النيجر.

 

ومع أن الاتحاد الأوروبي تبنى صراحة الموقف الفرنسي، إلا أن ألمانيا وإيطاليا عبّرتا عن تحفظهما على العمل العسكري وطالبتا بالاستمرار في الجهود الدبلوماسية السلمية لحل الأزمة القائمة في النيجر. وقد يكون سبب هذا التحفظ الخوفَ من تدفق المهاجرين غير النظاميين من النيجر والدول المجاورة لها عبر الصحراء إلى ليبيا، ومنها إلى البلدان الأوروبية.

 

أما الولايات المتحدة فمع أنها أدانت الانقلاب ورفضت التعامل مع نتائجه، إلا أنها حافظت على وجودها العسكري (القاعدة الجوية في أغاديز) ولم تُجل رعاياها المقيمين في البلد. كما أن وكيلة وزير الخارجية الأمريكي فيكتوريا نولاند التقت في نيامي في 7 أغسطس القائد الجديد لأركان الجيش موسى سالو بارمو، وطرحت مبادرة بلادها لاستعادة الشرعية من خلال التفاوض الدبلوماسي المباشر. ومع أن المسؤولة الأمريكية صرّحت أن السلطات الانقلابية لم تتجاوب مع المبادرة التي طرحتها، إلا أنها أعلنت استمرار الإدارة الأمريكية في البحث عن حل سياسي سلمي للأزمة النيجرية. وواضح أن الولايات المتحدة تسعى أساساً إلى قطع الطريق أمام تدخُّل روسيا في النيجر على غرار ما حدث في مالي.

 

موقف روسيا

مع أن روسيا لم تدعم رسمياً انقلاب النيجر، إلا أنها عبرّت من خلال وزارة خارجيتها عن رفض أي تدخل عسكري، مُطالِبةً بتنظيم حوار وطني جامع من أجل استعادة السلم والقانون والنظام. وظهرت منذ الأيام الأولى للانقلاب موجةَ تعاطف واسع مع روسيا ورفع أعلامها في مقابل الحليف التقليدي فرنسا.

 

وفي حين تفيد بعض المعلومات عقد اتصالات بين السلطات الانقلابية وجماعة فاغنر الروسية من أجل تخويلها دوراً أساسياً في حماية النظام العسكري الجديد، دافع قائد الشركة الأمنية الروسية يفغيني بريغوجين عن انقلاب النيجر واعتبر أنه يندرج في إطار النزعة التحررية الأفريقية الجديدة من الاستعمار الغربي.

 

ومع أن روسيا قد ترغب في اختراق النيجر والتمدد في منطقة الساحل عبرها، كما أن السلطات الانقلابية قد تضطر الى الاعتماد عليها لمواجهة التهديد الخارجي، إلا أن الضغوط الأمريكية قد تؤدي إلى كبح هذا المسار والإبقاء على المصالح الغربية في النيجر.

 

آفاق التدخل العسكري في النيجر

يبدو أن السيناريو الأرجح هو تخفيض سقف التدخل العسكري لقوات “إيكواس” الذي قد يأخذ شكل الحضور المحدود عبر المعابر الحدودية، مع تشديد العقوبات الاقتصادية والمالية التي سيكون أثرها قوياً في بلاد تعتمد على العون الخارجي بنسبة 55 بالمئة من ميزانيتها السنوية، كما تعتمد كلياً في استيرادها الخارجي على موانئ الدول المجاورة، وبصفة خاصة نيجيريا وبنين وكوت ديفوار. ومن هنا يبدو من الراجح التوصل إلى حل سياسي وسط يسمح بعودة الشرعية مع إقصاء الرئيس بازوم عن السلطة، ومنح قيادة الجيش دوراً توافقياً في تسيير المرحلة الانتقالية ضمن الضوابط الدستورية. ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تضغط في هذا الاتجاه، الذي تتبناه أيضاً إيطاليا وألمانيا، وإنْ كانت فرنسا تعارضه بشدة.

 

ومع أن سيناريو التدخُّل العسكري المباشر من قبل “إيكواس” وبدعم فرنسي لإطاحة الانقلاب العسكري يبدو ضعيفاً، إلا أنه في حال حدوثه فإنه سيؤدي على الأرجح إلى تفكك مجموعة “إيكواس” إلى كتلتين: الأولى تضم نيجيريا وكوت ديفوار وبنين والسنغال، وتضم الأخرى غينيا كوناكري ومالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتتوزع بقية البلدان على الكتلتين.

 

خلاصة

تَصدَّر موضوع التدخل العسكري في النيجر الأجندة الجيوسياسية الدولية في الأسبوع الماضي. وفي حين أجّلت مجموعة “إيكواس” تنفيذ خطة الضربة العسكرية لاستعادة النظام الديمقراطي إلى اجتماعها المقرر عقده في 8 أغسطس الجاري، ظهرت مواقف إقليمية ودولية متزايدة تدعو إلى تغليب الحل السياسي السلمي التوافقي.

 

وبينما تحوَّل موضوع النيجر إلى عمق صراع النفوذ الروسي-الأمريكي في أفريقيا، لا يُتوقع أن تنضم النيجر بقوة إلى المحور الروسي في الساحل رغم مشاعر الامتعاض من فرنسا. ويبدو أن السيناريو الأرجح هو التوصل إلى حل وسط يُفضي إلى خروج الرئيس بازوم من المشهد، مع الإبقاء على دور انتقالي للمؤسسة العسكرية وفق الضوابط الدستورية الشرعية.

 

.

رابط المصدر:

https://www.epc.ae/ar/details/brief/altadakhul-aleaskariu-fi-alnayjar-almawaqif-al-iiqlimiat-walduwliat-walaihtimalat

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M