القوس الأخلاقي للتطلع الى العالمية أو اختلاف الأخلاق الحديثة عن القديمة

بقلم : الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ – المركز الديمقراطي العربي

 

تتميز الأخلاق الحديثة عن القديمة بعالميتها.[1] إذ تفترض المجتمعات التقليدية أن هناك مجموعات مختلفة من المعايير لمختلف المراتب الاجتماعية. لذلك كانت فكرة حقوق الإنسان العالمية مثلاً، كما صاغتها وطورتها فلسفة التنوير كأساس للأنظمة القانونية الحديثة، غريبة عن الأخلاق القديمة. ربما تكون أخلاق كانط وفيتشته أنقى مظاهر للعالمية، ومقولتها الأساسية في الواجب، وليس الحق. تؤمن أخلاق الشمولية العالمية بأنه إذا كان شيء ما مسموحًا أو إلزاميًا أو محظورًا على أي شخص ما، فهذا يعني أن الحال نفسه ينطبق على جميع الأشخاص. إنها لا تفضل الحقوق على الواجبات. ليس لدينا أدنى شك في أن الشمولية العالمية هي جوهر التفكير الأخلاقي وأن جميع الأفكار الأخلاقية القيًمة يجب أن تكون متوافقة معها.

إنّ مفهوم الفضيلة، على سبيل المثال، عنصر حاسم في أيً نظرية أخلاقية تريد أن تكون متكاملة، لأننا نحتاج إلى عادات تجعل سلوكنا مستقرًا ويمكن التنبؤ به من قبل الآخرين. غير أنً فكرة الخير هي التي تسمح لنا بالاختيار من بين العادات الكثيرة المتناقضة جزئياً التي اعتبرتها الثقافات المختلفة على أنها فضيلة. وأن العقل والعدالة فقط هما اللذان يسمحان بإجابة عالمية على السؤال: ما هي الفضائل وتقاليدها؟ فمن المضلل للغاية إذا تم اقتراح أن تكون محاولة إعادة تأهيل مفهوم الفضيلة من خلال أخلاق الفضيلة الأرسطية على وجه الخصوص، لأن ذلك يعبر عن جهل بحقيقة أن المذهب الحديث الأكثر تفصيلا للفضائل يأتي من فلسفة كانط نفسها. وأن الأخلاق الأرسطية تقع ما قبل  الكونية أو الشمولية العالمية، كما يتبين من دفاعه عن العبودية وتفسيره واعتباراته لما يشكّل حربا عادلة. عندما دافع خوان جينس دي سيبولفيدا (Juan Gines de Sepulveda)  في القرن السادس عشر عن استعباد الأمريكيين الأصليين، أيد موقفه بحجج أرسطو حيث فهمه بشكل صحيح،[2] وكان زميله المسيحي، بارتولوم دي لاس كاساس( Bartolome de Las Casas)، قد عارضه باسم الإنجيل. أرى أنه سيكون من المفيد أن نكتب تاريخًا قصيرًا آخر للأخلاق يمكن أن يظهر فيه القوس الأخلاقي الذي يبرز التطلع للشمولية العالمية الذي ظهر ببطء من خلال الفلسفة الهلنستية ونضج ضمن التقاليد الفلسفة المسيحية وتطور في التقاليد الفلسفة الإسلامية أيضا. بلا شك أن أخلاق كانط فقط هي التي تمكنت من استكمال المقولات المركزية للمسحية للبروتستانتية الغريبة، والحدس الذي كان غريبا عن الإغريق. يحضر في ذهني هنا أو أفكر في العائق  الثاني عند أرسطو غير الذي ذكرناه أعلاه، وهو أن الدافع الأساسي في السلوك الأخلاقي: بحث الشخص عن سعادته.

يتوافق دفاعنا عن شمولية وعالمية الأخلاق مع الاعتراف بالمشاكل الخاصة بالنظرية الأخلاقية الحديثة. تفضل الشمولية العالمية بالضرورة وجود علاقات متماثلة (لأن العلاقات غير المتماثلة لا يمكن أن تصمد للجانبين)، وقد أدى ذلك إلى تشكيل مجتمع يتميز في المعاملة بالمثل. إنّ المعاملة بالمثل بالتأكيد شيء عرفته المجتمعات البشرية كافة، لكن النقطة الحاسمة هي أن المجتمعات السابقة سلمت، إلى جانب هذا النوع من العلاقات، بالعلاقات الرأسية وغير المتماثلة: نحو الآلهة، والكهنة، والملوك، والشيوخ، إلخ. إنّ التآكل البطيء لقدرة الحفاظ على علاقة رأسية هو الذي يحدد  الحساسية الأخلاقي للحداثة. ليست الشمولية العالمية للأخلاق هي التي تستبعد العلاقات الرأسية ؛ لأن هذه العالمية تتوافق تمامًا مع القاعدة التي على كل شخص أن يحاول إتقانها  بنفسه، وهي ينبغي عليه من أجل القيام بذلك أن يحاول تقليد الأشخاص المتفوقين أخلاقياً طالما لم يتم تحديد التفوق الأخلاقي من خلال التماس الصفات الخارجية مثل الرتبة والحالة والجنس والعمر، إلى غير ذلك، ولايزال يرثي منتقدو الحداثة تآكل لتلك القدرة على الحفاظ على الحق في القرون الأخيرة. وقد ظهر ذلك على كلا الجانبين – المتفوق وكذلك الأدنى. ولأنه ليس من السهل الحفاظ على السلطة: قام القساوسة أو الملوك التقليديون بحرمان أنفسهم من بعض الملذات المبتذلة وتنمية شعور معقد في شكل هيئات وترتيبات حتى لا يفقدوا هيمنتهم وسلطتهم. وغالبًا ما ينجح الطرف الأدنى في العمل الفذ المتمثل في تجنب العبودية ويعجب بإخلاص بالأشخاص الذين عايشوا ثقافتهم على انهم متفوقون في الوقت نفسه. إنّ المؤسسات الأكثر استنارة بروح المساواة الجديدة هي: أولاً، رابطة زواج تعاقدية بين متساوين يمكن حلّها عندما يجد أحد الشركاء أن المساواة في العلاقة منتهكة؛ ثانياً، سوق معمم؛ ثالثا، الديمقراطية، رابعا، جيش من المتطوعين مدفوع الأجر؛ وخامسا، جماعة دينية تستأجر وتطرد رجال دينها.

يمكن أن تؤدي الجاذبية النظرية بهذه المؤسسات وانتشارها إلى شيء لا يستلزم الشمولية العالمية، ولكنه يتوافق معها والمقصود هو، الفكرة الميتا-أخلاقية التي تقول يجب على المرء أن يختار العلاقات المتناظرة لأنها تخدم مصلحته الذاتية ( الأنانية). وقد كانت الذات (الأنانية ) العقلانية هي النظرية الميتا-أخلاقية عند العديد من علماء الأخلاق البارزين في  المرحلة المبكرة من الحداثة، مثل هوبز وسبينوزا ولوك. (بالنسبة إلى هذا الأخير، ينطبق قولنا على مقالة “بحث في المعرفة  البشرية” فقط، وليس على رسالتين في الحكم، اللتين بالكاد يتوافق مذهبهما مع القانون الطبيعي كما في المقالة II). ومع ذلك، من المهم أن نرى أن هذا لا يمثل في حد ذاته انفصالًا عن أخلاق ما قبل الحداثة (لأنه، كما رأينا، كانت  Eudemonis[3] (السعادة ) هي التي تقود الميتا-أخلاق عند القدماء). ليس الاختلاف في نقطة البداية الأنانية، بل في مضمون إرضاء الذات. لقد فهم القدماء السعادة بطريقة أكثر شمولاً ممّا هي عليه في الأخلاق الحديثة. فقد توجت بالتأمل وشملت الصداقة الخاصة والسياسية على حد سواء. وهكذا كانت منفتحًة على كًلِ من  البعد المتعالي والمجتمعي. إنّ فقدان هاتين الميزتين هو ما يجعل الميتا-أخلاق الحديثة للذاتية العقلانية أقل جاذبية بكثير من السعي القديم للكمال الذاتي، كما كانت الذاتية  التي تجعل دولة الرفاهية الحديثة تهدف إلى إرضاء هذه المصالح الذاتية العقلانية أكثر بساطة من دولة المدينة الإغريقية القديمة بعجائبها الجمالية. ويبدو هذا صحيحًا على الأقل طالما نسينا أن جمالها كان ممكنًا فقط بفضل العبودية.

ليس الذاتية (الأنا) العقلانية للحداثة المبكرة ما أستمر شكلياً أو اصطلاحيا من العالم القديم فقط؛ فقد أتت الأخلاق الحديثة بأكبر تحدٍ لكلٍّ من السعادة ( Eudemonism ) والذاتية العقلانية. بالطبع يحضر كانط في تفكيرينا هنا. ربما يمكن وصف خصوصية عقلانيته الأخلاقية على النحو التالي: لقد قدم الشكل الأكثر إثارة للإعجاب عن التبعية العمودية من أجل تسويغ العلاقات المتناظرة أو المتماثلة. ما أعنيه هو أن مضمون أخلاق كانط  كما في مقولة الواجب، هو أفضل صوغ خالص أو مجرد للحدس عند علماء الأخلاق المحدثين الذين يفضلون العلاقات المتناظرة. أيً أن مضمون أخلاق كانط، مقولة  الواجب هي طريقة لتقييم دوافع الفعل. إنّها مبدأ موضوعي وضروري وغير مشروط يجب أن نتبعه دائمًا على الرغم من أي رغبات أو ميول طبيعية قد تكون لدينا معاكسة أو مخالفة لذلك. وهذا يعني أنني يجب أن نقبلها بشكل مستقل عن  مصلحتنا. وأن نخضع  لها بسلطة مطلقة تتجاوز بكثير الخضوع للملوك القدماء، الكهنة، أو حتى الآلهة. لأنهم جميعًا، حتى لو كانوا أفضل مني، يقبلون بعض التنازلات عن طريق التملق والرشوة والصلاة، إلخ. إن الطبيعة غير الشخصية للقانون الأخلاقي هي التي تقضي على كل هذه الخيارات أو البدائل، بينما تتجنب الإذلال الذي ستترتب عليه السلطة المطلقة لشخص آخر في الوقت نفسه. بقدر ما تكون الملكة والقدرة العليًا للرغبة، وفقًا لكانط، غير قابلة للاختزال الى الجزء السفلي منها، فهي ليست شيئًا غريبًا عني بل هي جوهري الخاص. إنّ القدرة على التعرف على مقولة الواجب والخضوع لها هي الشيء الوحيد الذي يحمل قيمة جوهرية في العالم، والذي يقتصر بالتالي على حسن النية للأشخاص (الذين لا يحتاجون إلى البشر).

[1] حول التنفيذ واالتطبيق البطيء للمثل العالمية في المجتمعات الأوروبية ، انظر:

Jonathan Israel, Radical Enlightenment (Oxford and New York: Oxford University Press, 2001).

[2] لا يعني هذا أن سيبولفيدا لم تخفف بطريقة أو بأخرى أرسطو من خلا مزجه  مع عناصر رواقية ومسيحية. إن سيبولفيدا  هوتايضا خضع  لنوع من الطبيعة الثانية ، والتي يمكن تعديلها من حيث المبدأ من خلال العملية الاستعمارية – فكرة غريبة عن أرسطو. ولكن في المستقبل القريب انذاك ، كان ذلك ما يعطي استعباد الأمريكيين الأصليين  المبرر.

[3] نظام أخلاقي يقوم فيه  أساس القيمة الأخلاقية على احتمالية الأعمال التي تنتج السعادة.

 

رابط المصدر:

https://democraticac.de/?p=69322

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M