“الوفاء بالوعد”: إغلاق المحطات النووية الألمانية وسط غياب لاستراتيجية أوروبية موحدة للطاقة

د.سامح شعبان

 

“إيسار 2″، “ونيكارفيستهايم”، “وإيمسلاند”، ثلاثة أسماء كان الألمان على موعد معها يوم السبت الموافق 15 أبريل 2023، للوفاء بالوعد. تشير الأسماء السابقة إلى ثلاث محطات نووية توجد في بافاريا (جنوب شرق)، وبادن فورتمبيرج (جنوب غرب)، وساكسونيا السفلى (شمال غرب) البلاد. أمدت الثلاثة مفاعلات ألمانيا بالطاقة ضمن مجموعة أخرى من مفاعلات كانت تعمل على مدى ستة عقود مضت، أما الوعد فهو ما قطعته ألمانيا على نفسها من خطة تبنتها في السابق للاستغناء عن الطاقة النووية، والتوجه صوب الطاقة النظيفة على حد تعبير حزب وجماعات وحركات ألمانية ملونة أهدافها تجاه البيئة وقضاياها باللون الأخضر وترى في الطاقة النووية مصدرًا للخطر لا يمكن السيطرة عليه، وتصر بكل قوة على جذب أطراف الورقة النووية من كتاب الطاقة من أجل طيها.

نظمت حركة السلام الأخضر -وهي منظمة غير حكومية مناهضة للطاقة النووية- حفل وداع أمام بوابة براندنبورج في برلين لترفق تلك الورقة المطوية إلى كتاب التاريخ النووي الألماني. وبينما صفحات نووية تطوى في ألمانيا تكتب صفحات جديدة في أوروبا؛ إذ يصر بعض جيران ألمانيا الأوربيين وعلى رأسهم فرنسا على تبني نهج معاكس لها في التخلي عن الطاقة النووية، بل ينظرون إلى الطاقة النووية على أنها حل جيد لتفادي أزمات الطاقة في المستقبل، خاصة مع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا والتي أثمرت عن شتاء أوروبي لم يكن دافئًا بالقدر الكافي.

ووسط هذا وذاك، ينظر المحللون إلى القرار الألماني بالتساؤل: هل هذا الذي يحدث في ألمانيا هو استراتيجية نهائية أم وفاء بوعود انتخابية؟ إلا أن الواقع يشير إلى أن الكهرباء النووية قد تم فصلها بالفعل عن شبكة الكهرباء الألمانية بعد إرجاء لقرار الغلق العام الماضي.

بداية المعارضة النووية الألمانية وتطورها

بسبب تلك المخاطر المتعلقة بالأمان النووي وإمكانية استخدام الطاقة النووية لإنتاج سلاح مدمر، ظهرت مجموعات مناهضة للطاقة النووية في ألمانيا، نشطت هذه المجموعات في رفض الطاقة النووية كونها تنطوي على مخاطر عدة، وأثمرت هذه الحركة عن ولادة حزب الخضر الذي أصبح الآن جزءًا من الائتلاف الحاكم في ألمانيا. كان للحوادث النووية التي تعرض لها العالم دور فعال في دعم أفكار تلك الجماعات؛ نتيجة للأضرار التي مُني بها العالم جراء تعرض بعض المفاعلات النووية لتلك الحوادث، وقد مثلت كلًا من حادثتي جزيرة الثلاثة أميال التي وقعت في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1979، وكذلك حادثة تشيرنوبل التي وقعت في أوكرانيا في ظل وجود الاتحاد السوفيتي عام 1986 جزءًا كبيرًا في تعزيز المخاوف المتعلقة بالطاقة النووية.

ونتيجة لكل تلك الأسباب، قامت الحكومة الألمانية في عهد المستشار الأسبق جيرهارد شرودر باعتماد سياسات واتخاذ إجراءات للحد من استخدام الطاقة النووية داخل البلاد. وبعد وصول حكومة جديدة في عام 2009، بدا الأمر كما لو لم يكن حاسمًا فيما يخص المضي قدمًا فيما أقرته الحكومة السابقة بشأن الطاقة النووية. إلا أنه في مارس عام 2011 وبعد وقوع حادثة فوكوشيما في اليابان وتسببه في كارثة بيئية، سرعت المستشارة الألمانية السابقة “أنجيلا ميركل” من الخطوات الرامية إلى التخلص التدريجي من الطاقة النووية.

تم تحديد موعد لغلق الثلاث محطات النووية الأخيرة في ألمانيا ليكون في ديسمبر 2022، إلا أن الحرب الروسية الأوكرانية ومشكلة الغاز الروسي قد أدت إلى التروي قليلًا وإعادة التفكير، لكن في النهاية تمت الموافقة على الإغلاق النهائي للمفاعلات المتبقية ليكون في 15 أبريل لعام 2023.

وتجدر الإشارة إلى أن أول مفاعل لتوليد الكهرباء بألمانيا قد أُقيم أوائل الستينات بمدينة كال الواقعة في بافاريا، وأن المحطات الثلاث الأخيرة التي تم إغلاقها كانت تؤمن احتياجات ألمانيا من الطاقة بنسبة تقارب 6%، فتشير بيانات الرابطة النووية العالمية إلا أن هذه المفاعلات من نوع الماء المضغوط وإجمالي القدرة النووية لها يبلغ (4055) ميجاوات.

الأسباب وراء تخلي ألمانيا عن الطاقة النووية

كما تمت الإشارة سابقًا، فإن أحد أهم الأسباب التي دفعت ألمانيا إلى انتهاج مسار للتخلي عن الطاقة النووية ضمن مزيج الطاقة لديها يعود إلى المخاوف التي تبرزها طوال الوقت الجماعات ذات الصوت المرتفع والمسموع المناهضة للطاقة النووية بشأن الأمان النووي والمخاطر الناجمة عن التلوث الإشعاعي جراء حدوث تسريبات أو حوادث نووية. كذلك فإن هناك أسبابًا أخرى تتعلق بالحفاظ على البيئة؛ فتلك الجماعات والحركات تنظر إلى الطاقة النووية على أنها خارج سلة الطاقات النظيفة، منوهين كذلك إلى التلوث الكربوني الناجم عن عمليات تعدين اليورانيوم وما يحمله من مخاطر صحية على عمال المناجم.

بالإضافة إلى ذلك، فإنها تعزز من الاعتماد على روسيا التي تزود المحطات النووية بوقود اليورانيوم، لذا فإن الحكومة الألمانية تستهدف توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح بنسبة 80% بنهاية العقد الجاري، بجانب أنها تشجع على الابتكار لتوفير تكنولوجيات متقدمة تدعم الاستخدام الأمثل لمصادر الطاقة المتجددة. وفي هذا السياق، يرى المؤيدون للتخلي عن الطاقة النووية أن طي صفحتها سيفتح الباب أمام الصناعة لمزيد من الاستثمار في الطاقة المتجددة النظيفة.

تضارب الآراء بين المؤيدين والمعارضين

يشير المعارضون لنهج التخلي عن الطاقة النووية في ألمانيا إلى أن عملية الاستبدال ستعوض من خلال الغاز والفحم، ويعد الفحم مصدرًا غير نظيف للطاقة وهو أمر يتعارض مع الحفاظ على البيئة بينما تتعهد الحكومة بأنها ستقوم بإغلاق آخر محطة لتوليد الكهرباء تعمل بالفحم في موعد أقصاه عام 2038 وأنها لجأت إلى الفحم للمساعدة في أمن الطاقة.

يشير المؤيدون للطاقة النووية إلى أن دولًا أوروبية مثل فرنسا تسهم فيها الكهرباء النووية بنسبة تقارب 70% من مزيج الطاقة لديها يتم توليدها من عدد (56) مفاعلًا، بجانب أنها تدعم بناء مفاعلات جديدة. إلا أن المناهضين للطاقة النووية يشيرون إلى أن الكهرباء النووية في فرنسا قد تم خفضها العام الماضي نتيجة حدوث أعطال ومشكلات فنية، بجانب أنها ليست بالقوة التي يصورها البعض في قدرتها على مواجهة تغير المناخ؛ إذ إن انخفاض منسوب المياه في الأنهار بسبب موجات الجفاف قد أبرز نقاط ضعف للطاقة النووية وفي قدرتها على التصدي للتغير المناخي.

التباين الأوروبي واختلاف الرؤى بخصوص الطاقة

وسط تباين واضح في موقع الطاقة النووية ومكانتها في مجابهة تغير المناخ يقف أكبر قطبين أوروبيين، فرنسا وألمانيا، في مواجهة تعكس عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على رسم سياسة واحدة للطاقة داخل دول الاتحاد. تصر فرنسا ومعها عشر دول أخرى على الاعتراف بالطاقة النووية على أنها من الطاقات التي سيتم دعمها للتخلص من الكربون، وذلك على عكس ألمانيا ودول أخرى تتخذ موقفًا مناهضًا للطاقة النووية.

ينظر ماكرون ورفاقه إلى الطاقة النووية على أنها طاقة نظيفة ومستدامة، بينما يرى شولتس وأصدقاؤه أنها ليست كذلك وأنها غير آمنة. هذا التباين يؤدي إلى توتر داخل الاتحاد الأوروبي، ويعرقل من عملية التوافق على سياسات موحدة بشأن الطاقة داخل دول الاتحاد. وقد ألقت هذه الخلافات بظلالها على قمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي التي انطلقت في بروكسل في وقت سابق من العام الحالي 2023 وسط تراجع واضح من جانب برلين بشأن حظر محركات الاحتراق الداخلي بحلول عام 2035 مبررة موقفها بتقديم مقترح يدعم استخدام الوقود الاصطناعي.

وتجدر الإشارة إلى أن الوقود الاصطناعي هو وقود يتم تطويره من خلال عملية كيميائية تجمع بين الهيدروجين الأخضر وثاني أكسيد الكربون ويحمل أسماء أخرى مثل البنزين الاصطناعي أو الوقود الكهربائي. وعلى الرغم من أن هذا الوقود محايد كربونيًا فإنه توجه له الانتقادات كونه باهظ التكلفة، بالإضافة إلى اعتماده على استهلاك كهرباء نظيفة يتم الحصول عليها من المصادر المتجددة لإنتاج الهيدروجين الذي يدخل ضمن مكوناته.

ووفقًا لتقرير أعدته سي إن إن، فإن ألمانيا ليست وحدها التي تسير في طريق التخلي عن الطاقة النووية؛ إذ إن الكثير من الدول الأخرى تسير في مسارات مشابهة، فأصدرت الدنمارك قرارًا في الثمانينيات بعدم بناء محطات للطاقة النووية، وصوتت سويسرا في عام 2017 على التخلي التدريجي عن الطاقة النووية، وأغلقت إيطاليا مفاعلاتها الأخيرة في عام 1990، ولم يتم استخدام محطة نووية واحدة في النمسا على الإطلاق. على الجانب الآخر، فإن التقرير قد أشار إلى أن دولًا أخرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية تنتهج سلوكًا نوويًا مغايرًا لما انتهجته ألمانيا.

مجمل القول، تبني الدول سياستها فيما يخص الطاقة على أدواتها المتوفرة ومواردها المتاحة، وبما يحقق أمنها من منظورها الوطني لذا فإن انتهاج الدول لاستراتيجيات ترمي إلى التخلي التدريجي عن الطاقة النووية من عدمه لن يمثل إلا رؤية ووجهة نظر للدولة نفسها وليس بالضرورة أن يكون قرار التخلي قرارًا صائبًا للجميع. إلا أن مفهوم تنوع مزيج الطاقة سينتصر في النهاية لمن كانت سلة طاقته ممتلئة ومتنوعة في ظل عالم يموج بالمتغيرات ومناخ متقلب ومهدد للكوكب، وهنا نحلق بعيدًا عن المفاضلة بين أمن الطاقة أو أمن الكوكب، نحلق نحو منطقة سيكون الانتصار المبهر حليف من يستطيع دمج المتغيرين في معادلة واحدة للوصول إلى حلول متنوعة بعيدة عن تهويل المخاطر أو تهوين المكاسب، تلك المنطقة تسمح بالعدول عن الرأي أو المضي قدمًا شرط امتلاك الحل الأنسب والمبررات المقنعة.

 

.

رابط المصدر:

https://marsad.ecss.com.eg/76777/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M