بلينكن في أفريقيا: استراتيجية أمريكية وعودة مترددة

رحمة حسن

 

أدركت الولايات المتحدة، أن دبلوماسية فرض العقوبات قد تضر بالتقارب مع أفريقيا في ظل التنافس الروسي الصيني المتنامي هناك، وهو ما انعكس على زيارة  أنتوني بلينكن وزير الخارجية الأمريكي خلال الفترة من 14 إلى 17 مارس أولًا إلى إثيوبيا، والتي كان السلام في التيجراي والمساعدات الإنسانية على رأس أجندتها، عقب العقوبات التي فرضتها من قبل في ظل انتقادات بلينكن نفسه للتطهير العرقي في التيجراي، بجانب الزيارة الأولى لوزير خارجية أمريكي إلى النيجر والإعلان عن مساعدات بقيمة 150 مليون دولار في خطوة لسد التراجع الغربي، في ظل الاستراتيجية الأمريكية للتواجد في الصحاري الأفريقية، مع تنامي النفوذ الروسي عبر شركة فاجنر، ومشروعات الصين، بالتزامن مع انسحاب فرنسا من بوركينا فاسو ومالي، وذلك باعتبار النيجر حلقة وصل دول الساحل والصحراء ودول الغرب الأفريقي، وكذلك الدولة الأكثر استقرارًا بحسب وصف الخارجية الأمريكية.

الدوافع والأهداف

استراتيجية الدبلوماسية المتنوعة: تعد زيارة بلينكن المقررة من 14 حتى 17 مارس الجاري، هي رابع زيارة رفيعة المستوى لأفريقيا هذا العام يقوم بها كبار مسؤولي إدارة بايدن، من وزيرة الخزانة جانيت يلين، وسفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ليندا جرينفيلد، وكذلك قرينة الرئيس الأمريكي جو بايدن السيدة الأولى جيل بايدن، وبلينكن نفسه قام بزيارات عدة بدأها بالدولة المصرية في يناير 2023، باعتبار أن مصر هي مدخل أفريقيا ومفتاح حل قضايا الشرق الأوسط، وذلك عقب الدورة الثانية من أعمال القمة الأمريكية الأفريقية والتي انعقدت في نهاية العام الماضي، وذلك في ظل الاستراتيجية الأمريكية التي أعلن عنها بلينكن، خلال زيارته إلى جنوب أفريقيا وأعقبها الكونغو الديمقراطية ورواندا في أغسطس 2022، باستعادة “التواجد الخارجي والدبلوماسية المتنوعة والشراكة”، بعد حالة الفتور التي شهدتها فترة حكم ترامب من سحب القوات الأمريكية، والتصريحات المسيئة تجاه قادة القارة، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى إجراء إصلاح شامل للسياسات الأمريكية تجاه القارة وخاصةً دول أفريقيا جنوب الصحراء، من خلال الانفتاح على المجتمعات، وتعظيم المكاسب الديمقراطية والأمنية، والتعافي من جائحة كورونا وتعزيز الفرص الاقتصادية، ومواجهة التغيرات المناخية وتعزيز التكيف والانتقال العادل للطاقة، هذا بجانب “استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2022”.

المقاربة الشاملة: تقوم الاستراتيجية الأمريكية على مفهوم المقاربة الشاملة الناتج من عدم نجاح الاستراتيجية العسكرية الخالصة، والتي تقوم على بناء نظم ديمقراطية وتطبيق الحوكمة ومكافحة الفساد، ودعم التجارة والاستثمار، ومعالجة أزمة المناخ، ودعم الجهود الإقليمية الأفريقية لتعزيز السلام، بجانب مكافحة الإرهاب وتحقيق الأمن عبر التواجد في مجموعات صغيرة والتدريب العسكري للقوات المحلية وهو ما ظهر في قرار بايدن بإعادة نشر 550 عسكريًا من القوات الأمريكية إلى الصومال في مايو 2022، كخطوة لاستعادة السيطرة في القرن الأفريقي، ومع انتقال المواجهات بين المسلحين بالتزامن مع إعادة انتشار تنظيمي القاعدة وداعش في الساحل الأفريقي، يشهد المثلث الحدودي بين بوركينا فاسو وبنين ومالي بالحدود مع النيجر نحو 71% من حجم الهجمات الإرهابية عام 2022، مسجلًا النسبة الأكبر، وفقًأ لتقرير حول مؤشر الإرهاب العالمي نشره المرصد المصري، ومن هنا تظهر أهمية النيجر كحليف للغرب في ظل تعاون بوركينا فاسو ومالي ومطالبة تشاد روسيا التعاون العسكري مع زيادة الهجمات الإرهابية، وذلك في ضوء ما أثبتته النيجر من كونها ميدانًا لاختبار استراتيجية المقاربة الشاملة الخاصة بنشر قوات عسكرية صغيرة حيث يوجد 800 جندي الآن في البلاد، لتدريب القوات المحلية،  وقامت الولايات المتحدة أيضا ببناء وتشغيل القاعدة الجوية 201 في وسط هذه الدولة الصحراوية، وتستخدم القاعدة لتسيير طائرات دون طيار لمهاجمة الإرهابيين ومراقبة تحركاتهم، بجانب الاستقرار النسبي الناتج من الانتقال الديمقراطي للسلطة بتسلم محمد بازوم لرئاسة البلاد عام 2021 بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، بجانب البيئة الخصبة لتحقيق الرؤية الأمريكية المعلنة في ملف حقوق الإنسان والوصول للديمقراطية.

الحق في التنمية: تطالب الدول الأفريقية القوى الكبرى بضرورة الوفاء بتعهداتهم نتيجة تحمل أعباء التغيرات المناخية، والتي تسهم في زيادة تأخر تلك الدول، فيما تستخدم الولايات المتحدة هذه المساعدات في السابق للضغط على الدول في تحقيق استراتيجيتها، وهو ما حدث في فرض العقوبات الأمريكية على إثيوبيا نتيجة الأعمال العدائية ضد الإنسانية في التيجراي، واتهام بلينكن لرئيس الوزراء الإثيوبي في السابق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وعمليات التطهير العرقي، بجانب فرض العقوبات من خلال التعاون مع المؤسسات الأفريقية مثل الإيكواس لاقتصاديات غرب أفريقيا في فرض عقوبات على بوركينا فاسو ومالي في أعقاب الانقلابات التي شهدتها البلاد. وبالتالي فتحاول الولايات المتحدة تغيير استراتيجية العقوبات بالحديث حول حق تلك الدول في التنمية، مع تأكيد الخارجية الأمريكية على ضرورة وضع تعريف محدد لها، وبالتالي تأتي الزيارة لتأكيد الجانب الإنساني للإدارة الأمريكية كصورة مغايرة للقوى المتنافسة في المنطقة في ظل معاناة الدولة الواقعة في غرب القارة بالصحاري الأفريقية من التغيرات المناخية، وحاجة ما يقرب من 4,3 ملايين شخص للمساعدات الإنسانية، ويعاني حوالي خُمس حجم السكان من النقص الغذائي، كذلك تشهد النيجر أعلى معدلات نزوحًا ولاجئين بين دول الجوار في ظل الاضطرابات الأمنية والإرهاب في شمال شرق نيجيريا.

مواجهة النفوذ الروسي الصيني: عادة ما تأتي زيارة بلينكن عقب زيارات متعددة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، وهو ما حدث خلال هذه الزيارة في أعقاب الإعلان عن استراتيجية فرنسية في ظل الانسحاب من دول الساحل والصحراء، وكذلك إطلاق الحكومة البريطانية “استراتيجيات طويلة الأجل لتطوير العلاقات مع أفريقيا” في محاولة لتغيير صورتها النمطية هذا بجانب الزيارات الدبلوماسية إلى إثيوبيا وكينيا لإحلال السلام، في ظل سياسة الحكومة لتوسيع شراكاتها مع  دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فلن تترك الولايات المتحدة الساحة أمام النفوذ الروسي الصيني، وعمدت على استعادة الوجود الغربي من خلال التوجه إلى النيجر “الدولة الأكثر استقرارًا وتعاونًا” مع الغرب، مقابل بوركينا فاسو ومالي وتشاد وغينيا حيث القاعدة الصينية العسكرية على المحيط الأطلسي المواجه للقارة الأمريكية. خاصة في ظل ضعف التواجد الغربي في القرن الأفريقي مع توغل روسيا في السودان وإثيوبيا والصين في إثيوبيا اقتصاديًا، مع ضعف الدور الأمريكي الناتج من فرض العقوبات وتعليق حق إثيوبيا في الصادرات المعفاة من الرسوم الجمركية بموجب اتفاقية تجارية أجوا الرئيسة، على الرغم من مشاركة آبي أحمد في ديسمبر في القمة الأمريكية الأفريقية، بجانب العقوبات الدبلوماسية منذ أزمة التيجراي ورفض الوساطة الأمريكية في قضية سد النهضة، والانسحاب الفرنسي من الساحل والصحراء.

فتأتي زيارة بلينكن لتوضيح مخاطر الشراكة مع الصين وروسيا مقابل النفوذ الأمريكي، في ظل فشل جماعة فاجنر وحدها في تحجيم السلوك الإرهابي في الساحل الأفريقي، والصورة الذهنية المرسومة عن الصين في السياسة الغربية باتباع “دبلوماسية الديون” عبر إقراض الدول الأفريقية، والتي أعقبها تعاون عسكري مع العديد من الدول في القرن والساحل الأفريقي مع تلاشي ملف حقوق الإنسان وتصوير نفسها بعدم التدخل في شؤون الدول عكس الغرب والولايات المتحدة المتمسكة بملف حقوق الإنسان، فتقوم كذلك الولايات المتحدة بتوسيع التعاون الدفاعي مع الدول الأفريقية عبر الشركات الخاصة العسكرية “قطاع الدفاع الخاص الأمريكي للقوات المسلحة” في مجالات التكنولوجيا والطاقة وذلك لمنافسة شركة “فاجنر” الروسية التي توغلت في القارة.

أجندة الزيارة.. “السلام وتعزيز حقوق الإنسان”

إثيوبيا: تُعد حرب التيجراي هي بداية حلقة اضطراب العلاقات الدبلوماسية الأمريكية الإثيوبية، ولكن كان يوم 2 نوفمبر بمثابة خط البداية لاستعادة العلاقات المبدئية مع توقيع اتفاق سلام بين جبهة تحرير التيجراي والحكومة الإثيوبية بوساطة جنوب إفريقيا والاتحاد الأفريقي وبمشاركة أمريكية، وتعزز الزيارة من التأكد من عملية السلام في الإقليم عبر لقاء بلينكن ومسؤولي التيجراي والمجتمعات المدنية والإنسانية، للتأكد من وصول المساعدات الإنسانية للإقليم والأمن الغذائي ومراعاة حقوق الإنسان، في ظل صعوبة الوصول على الأرض مما يجعل تقييمه يبدو مستحيلًا، مع ضمان المساءلة فيما يتعلق بحرب التيجراي، لكن بلينكن عبر عن تفاؤل حذر بشأن إرساء السلام وإعادة الخدمات الأساسية في المنطقة التي تعاني من نقص حاد، وذلك في ظل تردي الأوضاع الإنسانية وصعوبة التأكد من عملية السلام، في ظل المطالبات بإجراء التحقيقات في الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في الإقليم، وقدرت الولايات المتحدة عدد القتلى بـ500 ألف بينما قال الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانجو، الذي تفاوض لصالح الاتحاد الأفريقي، أن العدد يصل إلى 600 ألف شخص، وتهديد حكومة آبي أحمد أن إجراء تحقيق تدعمه الأمم المتحدة في الانتهاكات من شأنه أن يقوض عملية السلام؛ وبالتالي يمثل اللقاء “محاولة لإعادة صياغة الروابط الأمريكية الإثيوبية بشروط متجددة”.

كذلك ناقش بلينكن ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ومسؤولين من تيجراي “تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية لدفع السلام وتعزيز العدالة الانتقالية في شمال إثيوبيا”، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقي محمد لمناقشة الأولويات العالمية والإقليمية المشتركة ومتابعة الالتزامات الصادرة عن قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا فيما يتعلق بالأمن الغذائي والمناخ والانتقال العادل للطاقة، والشتات الأفريقي، والصحة العالمية، وبالتالي ما زالت العلاقات معلقة بين البلدين في ملفي حقوق الإنسان وإصلاح العلاقات مع إثيوبيا، التي تأمل بها أديس أبابا لاستعادة التمويلات واستئناف مساعدة الإقراض الدولي والمساعدة في أزمة الديون المتزايدة، مع تحقيق الأجندة الأمريكية، فأعلن بلينكن عن مساعدات إنسانية جديدة بقيمة 331 مليون دولار لإثيوبيا التي تواجه مشاكل الجفاف ليرفع إجمالي المساعدات الإنسانية الأمريكية لإثيوبيا إلى أكثر من 780 مليون دولار في السنة المالية الأمريكية 2023، لكن دون تقديم الدعم لانضمام إثيوبيا مجددًا إلى اتفاق أجوا التجاري، في ظل حالة عدم اليقين من تحقيق السلام في التيجراي بانسحاب قوات أريتريا والأمهرة، على الرغم من تأكيدات جماعات حقوق الإنسان عن تراجع بعد انتهاكات حقوق الإنسان في الإقليم إلا أن بلينكن أكد أن هذا لا يعني أنها قد توقفت، ودعا كافة الأطراف لوقفها، فيما غرد آبي أحمد على تويتر  أنه “تم الاتفاق على تعزيز العلاقات الثنائية التاريخية بين بلدينا مع التزام بالشراكة”.

وكان هناك حديث حول الانخراط الأمريكي الدبلوماسي حول “حلحلة قضية سد النهضة” في ظل وجود المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي مايك هامر، وذلك في ظل تأكيدات بلينكن خلال زيارته بداية العام للدولة المصرية حول ضرورة التوصل لاتفاق يضمن مصلحة الجميع، هذا بجانب الحديث مع فقي حول الوجود الدولي لأفريقيا ضمن المؤسسات الدولية الكبرى كمجموعة العشرين ومجلس الأمن.

النيجر: كان ملف المساعدات الإنسانية حاضرًا على أجندة زيارة النيجر، فأعلن بلينكن عند لقائه بالرئيس محمد بازوم ووزير الخارجية حسومي مسعودو في نيامي، عن مساعدة إنسانية جديدة بـ150 مليون دولار لمنطقة الساحل ومن ضمنها النيجر، مما يرفع القيمة الإجمالية للدعم الأمريكي المقدم إلى 233 مليون دولار خلال عام 2023، وفي ظل رؤية الولايات المتحدة للنيجر بأنها دافعت عن مبادئ الديمقراطية فيما فقدتها الدول المجاورة، والنيجر هي قاعدة عسكرية لقوات الغرب ولتحقيق الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، كذلك استهل بلينكن زيارته بلقاء مقاتلين سابقين نبذوا الجهاد للتعرف على مساهماتهم في السلام في النيجر، وهم من مستفيدي برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الاندماج والمصالح  (DDRR)الذي تموّله الولايات المتحدة بقيمة 20 مليون دولار، وذلك في ظل كون النيجر الحليف الأكبر للغرب في ظل التنامي الروسي عبر جماعة فاجنر ومشروعات التمويلية من الصين، وهو ما ظهر في انتقاد عمل مجموعة فاجنر المسلحة من قبل الرئيس محمد بازوم خلال أعمال القمة الأمريكية الأفريقية في العاصمة الأمريكية واشنطن، وبالتالي جاءت الزيارة لدعمه كذلك.

ويأتي سبب اختيار النيجر لكونها تقع على المثلث الحدودي بين بوركينا فاسو ومالي الذي يعد الأكثر خطورة، بجانب اعتبارها الدولة الأكثر استقبالًا للاجئين والنازحين فيوجد نحو 10 ملايين طفل في بوركينا فاسو ومالي والنيجر وفقًأ لتقديرات الأمم المتحدة معرضين للخطر، وهم بحاجة للمساعدة الإنسانية بسبب انتشار المعارك بين الجماعات المسلحة وقوات الأمن عبر الحدود، نتيجة الاضطرابات في دول الجوار بجانب شمالي شرق نيجيريا والتي تعاني من وجود أكبر تنظيمين إرهابيين، حيث تعج ولاية بورنو شمال شرقي نيجيريا بالمد الإرهابي بسيطرة جماعة بوكو حرام وتنظيم “داعش في غرب أفريقيا” على مساحات شاسعة منها، واللتان بدأتا نزاعًا بسبب خلافات عقائدية تحولت إلى حرب من أجل الهيمنة على حوض بحيرة تشاد ومحيطه.

مردود الزيارة

البناء على مخرجات القمة الأفريقية الأمريكية: يتضح لنا من دوافع وبرنامج الزيارة أنها جاءت تكملة لأجندة الأمم المتحدة والبناء على مخرجات القمة الأخيرة في واشنطن، وقبيل انطلاق قمة سوتشي المقرر لها أكتوبر المقبل، وهو ما ظهر في استمرار استراتيجية المساعدات في القضايا ذات الأهمية للأجندة الأمريكية، بجانب التأكيد على دعم الولايات المتحدة للتمثيل الأفريقي الدائم في الهيئات متعددة الأطراف كمجموعة العشرين والمقعد الدائم في مجلس الأمن، ومناقشة قضايا الأمن الغذائي والمناخ والانتقال العادل للطاقة، والشتات الأفريقي، والصحة العالمية والحوكمة.

حلحلة قضيةَ سد النهضة: منذ الزيارة الأمريكية للمنطقة والتي بدأت من مصر ومناقشة ملف السد، وزخم اللقاءات الدولية التي قادتها القيادة السياسية المصرية مع دول العالم للتأكيد على أحقية مصر التاريخية في مياه النيل والعمل على التوصل لاتفاق قانوني وملزم، ولعل أخرها اللقاء المصري الكيني المشترك على مستوى وزارة الخارجية، وفي ظل الدور الذي لعبته واشنطن تحت قيادة ترامب للوصول إلى حل دبلوماسي عادل لأزمة السد الإثيوبي، والخطوات الدبلوماسية المصرية، شهدت أجندة مباحثات بلينكن مناقشة قضية السد مع حكومة إثيوبيا أثناء وجوده في أديس أبابا، ووصف الخبراء وجود السفير مايك هامر، المبعوث الأمريكي الخاص لمنطقة القرن الأفريقي، بأنه جزء من الجهود الأمريكية لمتابعة قضية سد النهضة، من خلال التأكيد على أهمية التوصل لاتفاق في ظل التصريحات المتبادلة بين وزير الخارجية المصري حول المساع الدبلوماسية والحق المصري في اتخاذ كافة السبل للتوصل لاتفاق يضمن حق دولتي المصب مصر والسودان، والتصريحات الإثيوبية الأخيرة في تعليقها حول الملء الرابع للسد، مما قد ينذر بحلحلة دبلوماسية بوساطة أمريكية ودعم أفريقي على خطر الممارسات الإثيوبية الأحادية على النيل، في ظل اتخاذ الصين من دبلوماسية الوساطة شكلًا في القضايا الآسيوية، وتأتي هذه الخطوة كذلك عقب اعتماد قرار جامعة الدول العربية، بشأن “سد النهضة بالإجماع، يدعو أديس أبابا لإبداء المرونة في القضية، فضلًا عن طرح الأزمة كبند دائم على جدول أعمال مجلس الجامعة”.

توازن القوى والمقاربة الشاملة: تحاول الولايات المتحدة استعادة توازن القوى الغربية عبر استراتيجية عسكرية أمريكية تقوم على تقليل الأعداد العسكرية مقابل التدريب، وهو ما تنتهجه الدول الغربية كذلك كما جاء في الاستراتيجية الفرنسية، فيما أعلنت ألمانيا زيادة القوات في دول الساحل الأفريقي وزيادة القوات الأوروبية، وكذلك أعلنت الحكومة الإيطالية من أجل حماية مصالحها في دول الشمال الأفريقي ومكافحة الهجرة غير الشرعية، وبالتالي النظر للقارة الأفريقية على أنها شريك للحفاظ على الأمن القومي الغربي، وتتضمن الاستراتيجية الأمريكية المساعدات الإنسانية التي لم تربطها بقضايا حقوق الإنسان بشكل كامل، في ظل اتهامات الصين وروسيا للسياسة الغربية بأنها تتدخل في شؤون الدول الداخلية، بجانب خلو الاستراتيجيات الغربية والروسية والصينية من ملف المساعدات، وهو ما تملؤه الولايات المتحدة لإيجاد موطئ قدم لها في مناطق التخلخل الغربي وتزايد النفوذ الروسي الصيني المتمثل في النيجر وإثيوبيا.

اختبار عودة طبيعة العلاقات الإثيوبية الأمريكية:  على الرغم من تصريحات آبي أحمد بأن اللقاء قد ناقش عودة العلاقات التاريخية بين البلدين، إلا أن الولايات المتحدة ما زالت تنظر إلى إثيوبيا بنوعٍ من الريبة في ظل انتهاكات حقوق الإنسان في التيجراي، والسلام الهش بالإقليم الواقع شمال البلاد، وهو ما ظهر في عدم استعادة العلاقات بشكل كامل، من خلال عدم التطرق أو إعادة النظر في تعليق اتفاق قانون النمو والفرص الأفريقية أجوا وعودة الاتفاقات التجارية والإعفاءات الجمركية مع اقتراب انتهاء سريان قانون أجوا 2025، والذي صدر منذ عام 2000، وحالة عدم اليقين في استعادة السلام بشكل كامل في التيجراي ودعوات بضرورة مساءلة مرتكبي جرائم الحرب ضد أقلية التيجراي، وهي النقطة الخلافية الأولى بين البلدين نتيجة احتمالية تورط آبي أحمد في تلك الجرائم، فيما تهدف إثيوبيا إلى خلق ملف متنوع لزيادة الدعم والإعفاءات من الديون من الحليف الصيني والمنافس الأول للولايات المتحدة.

وهو ما يضعنا أمام حقيقة محاولات مترددة من الولايات المتحدة، لاستعادة التوازن في ظل حالة عدم اليقين في الحليف الإثيوبي، مع عدم التمسك بالعقوبات السابقة، واستعادة سياسة المساعدات دون العودة الكلية، مع الإعلان عن سلسلة مساعدات في النيجر لضمان التواجد الدولي في ظل التنافس الدولي بشكل يخدم السياسة الأمريكية المعلنة مع عدم اتخاذ إجراءات متشددة ضد من يخالف تلك الإجراءات، واستبدالها بمفهوم الشراكة.

 

.

رابط المصدر:

https://marsad.ecss.com.eg/76246/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M