تأملات قرآنية من الآية الثالثة من سورة فاطر

بهاء النجار

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)

التأمل الأول :
الخلق والرزق ، ترابط تام ، فالرازق الحقيقي هو الخالق الحقيقي ، والعكس صحيح ، فالخالق الحقيقي هو الرازق الحقيقي ، ووفق الثقافة القرآنية ( اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) و ( اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) فإن هناك خالقين ولكنهم ثانويون ، وهناك رازقون ولكنهم ثانويون أيضاً ، وبالتالي فالخالق الثانوي – أو قل غير الحقيقي – ليس بالضرورة أن يكون رازقاً لما خلقه ، والرازق الثانوي أو غير الحقيقي لا يخلق ما يرزقه .
وهنا نعرف أحد أوجه التمايز والامتياز والسبب الذي جعل اللهَ تعالى أحسن الخالقين وخير الرازقين ، لأنه يخلق ما يرزقه ويرزق ما يخلقه ، إضافة الى تطابق الخلق والرزق عند الباري عز وجل ، إذ لا يمكن أن لا يرزق ما يخلق أو بخلق ما لا يرزقه .

التأمل الثاني :
عموم الناس لا يدركون وقد لا يؤمنون بأن الرزق نوعان أو شكلان لذا لا بد من تذكيرهم وتنبيههم ، وهذان النوعان هما : الرزق السماوي ( أو المعنوي ) والرزق الأرضي ( أو المادي ) ، وأن كلا الرزقين بيد الله تعالى خالقنا ورازقنا ، أما المؤمنون فيعرفون هذين الشكلين من الرزق ، فَهُم يؤمنون بأن الهداية والتوفيق وحب الخير وغيرها من الأرزاق المعنوية وأن المال والأولاد والمناصب غيرها من الأرزاق المادية ، ولكن كثيراً منهم لا يدرك ذلك على المستوى العملي ، لذا نجد الكثير من المؤمنين يميل ويركّز على الرزق المادي ويغفل وربما يتغافل ويتكاسل عن طلب الرزق المعنوي ، مع إن الثاني أهم من الأول لأنه فيه الخير في الدنيا والآخرة ، بينما الأول فيه خير الدنيا وفيه شرُها أيضاً ، وبالتالي لا بد من تذكيرهم بأن يعطوا الأولوية للرزق المعنوي من دون إهمال الرزق المادي .

التأمل الثالث :
كثير من الناس يحصرون النعم الإلهية بالرزق ، وبالرزق المادي تحديداً ، وهذا ناتج عن ضيق الرؤية لتلك النِعِم العظيمة ، ومع هذا يمكن حصر النعمة الإلهية بالرزق ولكن بشروط ، وهي أن لا ينحصر الرزق بالرزق المادي (أو الأرضي) وأن يشمل الرزق المعنوي (أو السماوي) ، كما أن من الضروري أن نفهم أن الرزق سواء كان مادياً أو معنوياً هو وسيلة حتى يكون نعمة وليس غاية ، خاصة الرزق المادي الذي يجب أن يكون وسيلة بحتة ، وأما الرزق المعنوي فيمكن أن يكون غاية مؤقتة ووسيلة لغاية أسمى ، لأن الغاية الحقيقية هو الخالق سبحانه وتعالى وكيفية الوصول إليه ، فإن كان هذا الرزق غاية فَقَدنا هذه النعمة ، وإن بقي وسيلة صحّ أن نعتبره نعمة إلهية .

التأمل الرابع :
يبدو أن غالبية الناس – إن لم نقل كلهم – يهتمون بالرزق بشكل عام ( مادي أم معنوي ) إهتماماً مميزاً وواضحاً ، لذلك نجد الانطلاقة من الرزق لمعرفة الخالق ونِعَمِه ، وعليه فَوِفقَ هذه الانطلاقة يمكن أن نعرف بعضاً من فلسفة الخلق إستناداً على ما نعرفه من الرزق .
فمن يتصور أن الغاية من الخلق هو الرزق المادي ( بحيث ينعكس هذا التصور على أرض الواقع وعلى سلوكه ) فهو واهمٌ وعليه إعادة حساباته وعلاقاته مع خالقه ، وكذلك الأمر بالنسبة لمن يستغني عن الرزق المادي وينغمس في الرزق المعنوي معتقداً أنه الغاية المطلقة من الخلق ، فالرزقان مطلوبان للتعرف على الخالق وعلى نِعَمِه ، مع ضرورة التذكير بها وبشكل مستمر .

التأمل الخامس :
إن وصف الرزق المعنوي بالرزق السماوي لا يعني أن الرزق المادي ليس سماوي ، وإنما المقصود هو سمو الرزق المعنوي إذا ما قارناه بالرزق المادي ، وإلا فإن الرزق المادي له أساس سماوي ( أو معنوي ) ، أو لنقل أن الرزق المعنوي له انعكاسات مادية ، فالصدقة والدعاء وغيرها من الأرزاق المعنوية مقدمات مهمة لكثير من الأرزاق المادية كالأموال وما شابه .
وهذا الترابط بين الرزق المعنوي والمادي ضروري في تقوية العلاقة بالخالق المنعم ، فلو سعى الإنسان الى الرزق المادي بطرق مادية بحتة وبتعويل كامل عليها سيفقد جزءاً من علاقته بالخالق الرازق ، وبالتالي لا يذكر نِعَمَ الله سبحانه فيغفل عنها .

التأمل السادس :
إن الرزق بِشَكلَيه المادي والمعنوي يُعتَبَر بلا شك نعمة من نِعَمِ الله جلّت آلاؤه ، وهذا الشكلان مترابطان ويكمّل أحدهما الآخر ، وليس كما يتصور البعض أنهما منفصلان بحيث يهتم قسمٌ بالجانب المادي ويترك المعنوي منه ، وهؤلاء هم الغالبية ،  وقسمٌ آخر بالعكس ، فيهتم بالجانب المعنوي ويترك المادي ، وهؤلاء هم المتحجرون الذين يتصورون أن هذا هو الدين ، وهو فهم خاطئ وفق الأدبيات الإسلامية .

والصحيح هو أن الرزق المادي (كالأموال والأولاد والصحة والمنصب والوجاهة وغير ذلك ) وسيلة مهمة لاستحصال الرزق المعنوي ، أما الرزق المعنوي فهو سبب مهم في استنزال الرزق المادي المناسب للذوق الإسلامي كالكسب الحلال واستخدام المنصب والوجاهة في ما يرضي الله سبحانه ، وكذلك الزوجة الصالحة والأبناء البارّين .

التأمل السابع :
الناس عموماً بحاجة الى التذكير بِنَعِم الله عز وجل ، فأما البعيدون كثيراً عن خالقهم فإن تذكيرهم بالنِعَم الإلهية فسيجعلهم هذا التذكير يتقربون نحو خالقهم المنعم ، فإن كانوا من المتأثرين بالماديات فتقرّبُهم من مصدر النِعم جلت آلاؤه سيجعلهم يشعرون ويتحسسون النِعَم المعنوية ، فإن استمر التذكير بهذه النِعَم سيزداد تقرّبُهم وسيدخلون عوالم جديدة من النِعَم المعنوية لم يكونوا يشعروا بها سابقاً .
ولهذا التذكير بالنِعَم الإلهية طرق ووسائل ينبغي أن نتعلمها ، فلا بد أن تكون ليّنة عندما يحتاج الأمر الى اللين ، وتكون شديدة في حالات الشدة ومنها التحذير من عواقب الإفك الناتج من هذا الابتعاد الذي يمكن أن يصل الى الكفر بنعمة المنعم وربما يصل الى الكفر بنعمة المنعم جل وعلا .

التأمل الثامن :
( أحسن لمن شئت تكن أميره ) قسم من حديث مروي ، وهو نتيجة واقعية يوافق عليها كل العقلاء ، فأي شخص يحسن الى الآخرين فإنه سيملك قلوبهم بمقدار إحسانه إليهم ، فكلما كان الإحسان كبيراً – فضلاً عن أن يكون كثيراً – فسيشعر المحسَن إليه بإمتنان للمحسِن وكأنه أمير له ، ولذلك نشعر بالإمتنان الخالص للأنبياء والمرسلين والأوصياء المرضيين بدرجة كبيرة لا تضاهيها درجة .
ووفق هذه القاعدة فإن زاد الإحسان والنِعَم الى مستوى لانهائي فيجب أن يكون شعورنا تجاه المحسِن والمنعم المطلق جل وعلا أكبر من شعورنا تجاه الأنبياء والأوصياء الذين إن كانوا أمراءنا فيجب أن يكون الخالق والمنعم إلهَنا ، بل وإله بلا شريك ، فإن ساويناه سبحانه بمن هو أقل إحساناً ونعمة فسنكون من الأفاكين ، وأي أفك أعظم من الشرك الذي يعتبر ظلم عظيم حتى وإن كان شركاً غير جلي .

للمزيد من التأملات القرآنية انضموا الى قناة ( تأملات قرآنية ) على التلغرام :
https://t.me/quraan_views

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M