تعاون الجنوب-الجنوب في عصر الذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات

 مقدمة:

منذ عقود، شكل التعاون بين بلدان الجنوب أحد أهم الأدوات التي حاولت من خلالها الدول النامية كسر منطق التبعية للمراكز الغربية الكبرى، عبر تبادل الخبرات والموارد فيما بينها بمعزل عن وساطة الشمال الصناعي. واليوم، يعاد إحياء هذا المفهوم بقوة في سياق مختلف تماماً، هو سياق الذكاء الاصطناعي، حيث تجد دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية نفسها أمام سباق تكنولوجي عالمي تتحكم في مساره مجموعة من الشركات والدول التي تملك البيانات الضخمة والبنية التحتية الحاسوبية والحوكمة المتقدمة. حيث إن جزءاً كبيراً من تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم لا يزال خاضعاً لسيطرة الشركات الغربية الكبرى، وهو ما يهدد بترسيخ أشكال جديدة من التبعية ويحد من قدرة الاقتصادات الناشئة على تصميم أنظمة تراعي لغاتها وواقعها الاجتماعي وأولوياتها الخاصة.

في مواجهة هذا الواقع، برزت خلال العام الجاري مبادرات ملموسة تكشف عن محاولة جادة لبناء مسارات تعاون أفقية بين دول الجنوب، بعيداً عن الاعتماد الكبير على الدعم الغربي. فمن قمة تأثير الذكاء الاصطناعي التي استضافتها نيودلهي في فبراير 2026، إلى إطلاق منصة “جسور تعاون الجنوب” في مراكش في مايو من العام نفسه، مروراً بتوسع الحضور الصيني في القارة الأفريقية عبر نماذج مفتوحة المصدر ومراكز حوسبة فائقة، يبدو أن هناك زخماً حقيقياً يتشكل. غير أن هذا الزخم لا يخلو من تناقضات وتحديات بنيوية عميقة، تتعلق بفجوة البنية التحتية، وحدود القدرة المؤسسية، وخطر الوقوع في تبعية جديدة، وإن بدت هذه المرة أقل وضوحا من التبعية التقليدية للشمال. يحاول هذا المقال أن يقرأ هذا المشهد المعقد منطلقاً من ثلاث زوايا رئيسة: أولها، طبيعة الفرص التي يتيحها هذا التعاون الناشئ؛ وثانيها، الفاعلون الأساسيون الذين يقودون هذا المسار وتوجهاتهم المتباينة؛ وثالثها، التحديات التي قد تحول دون تحول هذا الزخم إلى شراكة حقيقية مستدامة.

أولا: لماذا الآن؟ الدوافع وراء إحياء تعاون الجنوب-الجنوب

لا يمكن فهم هذا التحرك المتسارع نحو التعاون الجنوبي في مجال الذكاء الاصطناعي بمعزل عن إدراك متنام لدى صناع القرار في دول الجنوب بأن الفجوة التقنية القائمة ليست مجرد فجوة تقنية عابرة، بل فجوة قد تتحول إلى تفاوت بنيوي دائم إن لم تتم معالجتها بسرعة. إذ لا يزال نحو 40% في المئة فقط من الأفارقة قادرين على الوصول إلى الإنترنت، مقارنة بنسب تتجاوز 80% في أوروبا وأمريكا الشمالية، وهي فجوة رقمية أساسية تسبق أصلا أي حديث عن الذكاء الاصطناعي نفسه[1]. وفي ظل هذا الواقع، أصبح واضحا أن انتظار الدول النامية دورها في الاستفادة من فتات الابتكار الذي تنتجه المختبرات الكبرى في وادي السيليكون أو بكين لم يعد خياراً واقعياً، بل بات لزاماً عليها البحث عن مسارات موازية تمكنها من امتلاك أدوات هذه التقنية بنفسها، أو على الأقل المشاركة في صياغة قواعدها.

وقد جاء المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي المنعقد في شنغهاي في يوليو 2026 ليجسد هذا التوجه بوضوح، حين شدد الرئيس الصيني في كلمته الافتتاحية على أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون حكراً على دولة واحدة، داعياً إلى تأسيس منظمة تعاون دولية جديدة في هذا المجال[2]. وفي السياق نفسه، أعلنت بكين عن خطة لتقديم خمسة آلاف مشروع بحثي في مجال الذكاء الاصطناعي خلال خمس سنوات لصالح الدول النامية، إلى جانب برامج تدريب ومراكز تعاون تقنية، وهو عرض يحمل أبعاداً استراتيجية تتعلق بمنافسة النفوذ الأمريكي، لكنه في الوقت نفسه يستجيب لحاجة فعلية لدى دول الجنوب إلى شريك تقني بديل لا يفرض عليها شروطا سياسية واقتصادية كما هو الحال مع الشراكات الغربية.

كما لعبت شركة “ديب سيك” الصينية دوراً رمزياً مهماً في تغيير هذا المشهد، إذ أظهرت في أواخر عام 2024 أن بالإمكان بناء نماذج ذكاء اصطناعي منافسة بكلفة أقل بكثير مما كانت تتطلبه النماذج الأمريكية الكبرى، وهو ما فتح الباب أمام مطورين في كينيا وأوغندا ونيجيريا وغانا وباكستان لتبني نماذج صينية مفتوحة المصدر يمكن تعديلها وتخصيصها دون الحاجة إلى دفع رسوم أو الحصول على موافقات مسبقة، بخلاف النماذج الأمريكية الرائدة التي تنتجها شركات مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك[3]. ولذا فإن الاعتبارات العملية التي يذكرها هؤلاء المطورون تتلخص في التكلفة المنخفضة، والتحكم في البيانات المحلية، وإمكانية التخصيص، والأداء الجيد بما يكفي للعمل ضمن بنية تحتية محدودة الموارد، وهي عوامل تفسر بشكل كبير لماذا أصبح الخيار الصيني جذاباً عملياً، بمعزل عن أي حسابات جيوسياسية مباشرة[4].

ثانياً: خريطة الفاعلين: من المنصات الإقليمية إلى القمم الدولية

يتوزع مشهد التعاون الجنوبي الحالي على عدة مستويات متداخلة، أولها المستوى القاري الأفريقي الذي شهد إطلاق مجلس أفريقيا للذكاء الاصطناعي، وهو هيئة استراتيجية أطلقتها مبادرة أفريقيا الذكية، وتضم تحالفا من 40 دولة أفريقية، بهدف توحيد الرؤى حول التحديات والفرص المشتركة وضمان الوصول العادل إلى هذه التكنولوجيا وحماية سيادة البيانات القارية[5]. ويأتي هذا المجلس استكمالاً لسلسلة من الأطر التنظيمية السابقة، من بيان ويندهوك الذي أعتمد في يونيو 2022، إلى بيان نيروبي الذي أعتمد في يونيو 2024، وصولاً إلى محاولات مواءمة هذه الأطر مع أجندة 2063 التنموية للاتحاد الأفريقي. غير أن الفجوة بين الطموح المعلن في هذه الوثائق والقدرة الفعلية على التنفيذ تظل واسعة؛ كما كشفتها حادثة وقعت في إحدى الدول الأفريقية وهي جنوب إفريقيا في أبريل 2026، حين اضطرت حكومتها إلى سحب أول مسودة رسمية لسياستها الوطنية للذكاء الاصطناعي بعد اكتشاف أن الوثيقة تضمنت مراجع أكاديمية وهمية يبدو أنها أنتجت بأدوات ذكاء اصطناعي دون مراجعة بشرية كافية، في واقعة أثارت جدلاً واسعاً وسلطت الضوء على الفجوة بين الطموح الرقمي والقدرة المؤسسية على إدارة هذه التقنية بفعالية[6].

أما على المستوى الآسيوي-الأفريقي المشترك، فقد شكلت قمة تأثير الذكاء الاصطناعي التي استضافتها نيودلهي في فبراير 2026 محطة مهمة، إذ سعت صراحة إلى إيصال صوت دول الجنوب العالمي وضمان توزيع أكثر عدالة للتقدم التكنولوجي، من خلال بحث سبل تمكين هذه الدول من الوصول إلى البنية التحتية والبيانات اللازمة لتطوير نماذجها الخاصة، بعيدا عن الاكتفاء باستيراد الحلول الجاهزة. وقد شاركت في هذه القمة وفود من عشرات الدول، من بينها مصر التي بحثت من خلالها فرص نقل التكنولوجيا وجذب الاستثمارات في لقاءات ثنائية مع الهند ودول أخرى. وفي موازاة ذلك، برزت شراكة ثنائية لافتة بين جنوب أفريقيا والهند، تجسدت في مباحثات رفيعة المستوى بين نائب الرئيس الجنوب أفريقي ووزير الخارجية الهندي في نيودلهي، أكدا خلالها التزامهما بتحويل هذه الشراكة الاستراتيجية إلى مكاسب اقتصادية وتنموية ملموسة، في نموذج يعكس تنامي أهمية التعاون بين دول الجنوب العالمي وسط منافسة دولية متزايدة على الاستثمارات والتقنيات الحديثة[7].

ولا يقتصر هذا التعاون على الأطر الحكومية الرسمية، بل يمتد إلى مبادرات مجتمعية تنطلق من قواعد أوسع، كما تجسد ذلك إطلاق منصة “جسور تعاون الجنوب” في مراكش خلال مايو 2026، على هامش الدورة العاشرة للمؤتمر الدولي لحقوق الإنسان والقوانين الانتخابية. وتجمع هذه المنصة الوليدة دولاً من المغرب وأمريكا اللاتينية تحت مظلة واحدة، في محاولة لبناء إجماع حول مبادئ أخلاقية مشتركة وآليات فعالة للمساءلة والشفافية في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، انطلاقاً من إدراك أن القوة المهيمنة على تطوير هذه التقنية لا تزال متركزة في عدد قليل من الدول، بينما يجد الجنوب العالمي نفسه أمام ضرورة حتمية لصياغة موقف موحد بدلاً من التفاوض بشكل منفرد ومشتت وغير منظم[8].

ثالثا: حدود التعاون: بين الطموح والإمكانيات الفعلية

على الرغم من هذا الزخم، تظل هناك ثلاثة تحديات جوهرية تحد من قدرة هذا التعاون على التحول إلى شراكة استراتيجية عميقة وفاعلة. يتمثل التحدي الأول في فجوة الحوكمة والتنفيذ، إذ أن التحدي الأكبر أمام أفريقيا يكمن في الانتقال من المرحلة الأولى الممتدة بين عامي 2025 و2026، والمخصصة لإنشاء الهياكل وصياغة الاستراتيجيات الوطنية، إلى مرحلة التنفيذ الفعلي المقررة لعام 2028، فإن ما لم تُسد الفجوة بين الطموح المعلن والقدرة الإدارية والمالية الحقيقية، فقد تجد القارة نفسها في موقع التابع المتلقي للقواعد بدلاً من أن تكون شريكاً حقيقياً في صياغتها. وهذا بدوره لا يقتصر على أفريقيا وحدها، بل ينطبق بدرجات متفاوتة على معظم دول الجنوب التي تفتقر إلى الموارد البشرية والمالية الكافية لترجمة الوثائق الاستراتيجية إلى برامج تنفيذية قابلة للقياس[9].

ويتمثل التحدي الثاني في مفارقة “التبعية الجديدة”، وهي معضلة تستحق تأملا خاصا: فبينما يقدم التعاون مع الصين أو الهند بديلاً عن الهيمنة الأمريكية الغربية على هذا القطاع، فإن الاعتماد المفرط على أي طرف خارجي واحد، مهما كان جنوبياً في تصنيفه الجغرافي، يحمل مخاطر مشابهة من حيث النتيجة النهائية. فحين تعتمد دول أفريقية على مراكز حوسبة فائقة تبنيها الصين، أو على نماذج لغوية صينية مفتوحة المصدر يمكن التحكم في تحديثاتها وتوجهاتها من بكين، فإن السؤال حول من يملك فعلياً مفاتيح هذه التقنية يظل قائماً، وإن تغير مكان صاحب القرار من واشنطن إلى بكين. وقد نبه مسؤول أممي كبير، باللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة في تصريحات له خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي بشنغهاي، إلى أن الشراكة مع الصين تخلق فرصاً حقيقية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في أفريقيا، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن تعمل القارة على مواءمة هذه الشراكات مع أطرها القارية الخاصة بدلا من الانصياع الكامل لأجندة الشريك الخارجي، مهما بدت هذه الأجندة سخية في ظاهرها[10].

أما التحدي الثالث فيتعلق بالتفاوت الداخلي بين دول الجنوب نفسها، إذ لا يمكن الحديث عن جنوب متجانس في قدراته التقنية. فبينما تمتلك دول كالهند والصين وكوريا الجنوبية قدرات صناعية وبحثية متقدمة تؤهلها لتكون فاعلاً مصدراً للتكنولوجيا لا مجرد مستورد لها، تظل غالبية الدول الأفريقية ومعظم دول أمريكا اللاتينية في موقع المستفيد المتلقي، وهو ما يخلق بنية هرمية داخل معسكر الجنوب ذاته، قد تعيد إنتاج علاقات تبعية أصغر حجما لكنها لا تختلف في جوهرها عن العلاقة التقليدية بين الشمال والجنوب. وتكشف بيانات إحدى الدراسات المتخصصة أن الدول التي تهيمن فعليا على مشهد الذكاء الاصطناعي في المناطق الأساسية من القارة الأفريقية لا تتجاوز أربع دول هي جنوب أفريقيا وكينيا ومصر ونيجيريا، بينما تظل بقية دول القارة بعيدة بشكل كبير عن هذا المشهد، وهو ما يضع تساؤلات عديدة حول مدى مصداقية الخطاب القاري الموحد الذي تروج له المؤتمرات والقمم الرسمية[11].

خاتمة

وتأسيساً على ما مر، يعكس مشهد التعاون الجنوبي في مجال الذكاء الاصطناعي صورة مركبة، لا تحتمل التبسيط في اتجاه التفاؤل المفرط ولا في اتجاه التشاؤم القاطع. فمن جهة، هناك بلا شك زخم حقيقي وملموس، تجسده مؤتمرات ومنصات وشراكات ثنائية متعددة، وتعكس إدراكاً متزايداً لدى دول الجنوب بأن انتظار حصة من فتات الابتكار الغربي لم يعد خياراً مقبولاً. ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال أن هذا التعاون لا يزال في مراحله الأولى، وأن المسافة بين الوثائق الاستراتيجية والقدرة الفعلية على التنفيذ لا تزال شاسعة، وأن مخاطر الوقوع في أشكال جديدة من التبعية، سواء تجاه الصين أو تجاه شريك جنوبي أقوى، تظل قائمة وواجبة الرصد.

ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه التجربة الناشئة هو أن التعاون الجنوبي في هذا المجال لن يثبت قيمته الحقيقية من خلال عدد القمم المنعقدة أو المذكرات الموقعة، بل من خلال قدرة دول الجنوب الفعلية على بناء قدرات بحثية وحاسوبية ذاتية؛ ولو متواضعة في بداياتها، تمكنها من التفاوض من موقع الشريك لا موقع المتلقي، مع أي طرف تختار التعامل معه، سواء كان من الشمال أو من داخل معسكر الجنوب ذاته. فبدون هذه القدرات الذاتية، يبقى الحديث عن تعاون الجنوب-الجنوب مجرد إعادة تسمية جغرافية لعلاقة تبعية لم تتغير في جوهرها؛ مهما تغيرت مسمياتها وفواعلها.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M