أولاً: تفكيك التاريخ الاستعماري: شيخ أنتا ديوب وتأصيل تأريخ إفريقيا:
يُعدّ المؤرخ السنغالي شيخ أنتا ديوب من أبرز رواد التأريخ الإفريقي في مرحلة ما بعد الاستعمار، وقد قدّم إسهامات جلية لا تزال تثير سجالاً حتى اليوم. فقد ارتاد ديوب تيار التأصيل الحضاري الإفريقي وتجذير التأريخ لحضارات القارة مع ربطها بالأساس بحضارة مصر القديمة، الأمر الذي يمكن وصفه بأنه محاولة جسورة لتفكيك سردية التاريخ الاستعماري للقارة، مع ملاحظة أن جهد ديوب قد بدأ في المرحلة الانتقالية لحركات التحرر الوطني من مقاومة الاستعمار إلى قيادة دول القارة بعد استقلالها (في خمسينيات القرن الماضي فصاعداً).
واتضحت هذه المقاربة في مؤلَّفه عن «إفريقيا السوداء ما قبل الكولونيالية»[1]، حيث قام بدمج إسهامات إفريقيا الحضارية والسياسية في مجمل «منجزات الحضارة العالمية» (بما في ذلك الحضارات الشرقية مثل الهند).
وفيما خصص الفصل الثالث من هذا المؤلف «لتكوين الدول الأوروبية الحديثة» وتناول فيه العصور الوسطى السياسية والاجتماعية ثم العصور الوسطى الفكرية؛ فإنه خصص الفصل الرابع «للتنظيم السياسي في إفريقيا السوداء»، وتناول فيه مسائل هذا التنظيم بالتركيز على غرب إفريقيا، وتلاه فصل خامس حول «التنظيم السياسي» ركز فيه على قوة الإمبراطوريات الإفريقية.
وتناول في الفصول التالية تفصيل كل ذلك اقتصادياً ودينياً واجتماعياً وتقنياً، وكشف عن جوانب فريدة في التطور الحضاري الإفريقي على نحوٍ قاد إلى تكون تيار أصيل في التأريخ الإفريقي بعد الاستعمار، ووجد استجابات إيجابية من قِبَل مؤرخين في داخل القارة وخارجها (ولاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية).
وظهرت أفكار ديوب في نقد التأريخ الاستعماري، وعمله الدؤوب على إنتاج كتابة تاريخية إفريقية أصيلة (أي تاريخ الأفارقة وليس تاريخ الاستعمار في إفريقيا)، بشكلٍ أكثر راديكالية (ولا يعنينا في المقام الحالي نقد هذه الراديكالية من عدمه) في مؤلَّفه «الأصل الإفريقي للحضارة: أسطورة أم حقيقة؟»[2]، وهو مؤلَّف وثيق الصلة بتيار المركزية الإفريقية (الذي راج في الولايات المتحدة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وعُدّ ديوب من أهم رواده بوجهٍ أو بآخر).
واستهل ديوب كتابه بعرض صورة لتمثال «أبو الهول» قبالة أهرامات الجيزة في مصر مصحوبة بتعليق كاشف «(تمثال) أبو الهول، كما وجدته البعثة العلمية الفرنسية الأولى في القرن التاسع عشر. وملامحه ليست يونانية أو سامية: بل بانتوية. ويقال إنه يُصوّر الملك خفرع Chephren حوالي 2600 ق.م، الأسرة الرابعة».
كما قدّم ديوب سرديته الأثيرة حول الأصول الزنجية للحضارة العالمية بشكلٍ عام عبر 13 فصلاً، اختتمها بعنوان لافت ودال على هذه السردية: «تاريخ الإنسانية المبكر: تطور العالم الأسود»، تتبع فيه، وفق الحقائق المتاحة لديه، المراحل الرئيسة في تطور العالم الأسود منذ ظهور الإنسان العاقل Homo sapiens في مشهد العالم، ووضع في عنوان فرعي فكرته الجلية: «أولوية العامل الزنجي في تاريخ البشرية» مستنداً للأدلة الأثرية، ولا سيما ما قام بها لويس ليكي L. Leakey في شرق إفريقيا[3].
وعمّق ديوب أفكاره على مستوى آخر بطرحه نظرية «القيم الأمومية» Matriarchal values كأساس لما وصفه بالوحدة الثقافية الإفريقية، في مؤلَّفه «الوحدة الثقافية لإفريقيا السوداء» (1963م)[4]، الذي كرسه لتفصيل أسس هذه النظرية وشواهدها عبر فترات تاريخية ممتدة.
وقدّم إفي أماديوم Ifi Amadiume توضيحاً موجزاً لنظرية ديوب في تقديم نفس المؤلَّف، وقدّم تعميقاً لها في مؤلَّف أصدره في العام 1985م على حالة الإيبو في نيجيريا، بأن ما فعله ديوب واستخدمه للدفاع عن «الوحدة الثقافية الإفريقية» هو تاريخ نظام الأمومة الإفريقي.
ومن ثَمّ فإنه انتقل من تحليل أحوال الأمومة إلى الأبنية الأيديولوجية الفوقية (في الحكم على سبيل المثال). وأن ديوب بعمله ذلك يسترد تاريخنا الأفرومركزي، ويُقدّم سرداً شاملاً وتحليلاً بنيوياً للأسطورة من أجل كشف الأفكار الكامنة خلف أحداث بعينها. وكانت المحصلة مخططاً لتاريخ اجتماعي إفريقي شامل[5].

وقد حاول ديوب دمج النظام الأبوي والأمومي داخل «حضارة مصر الفرعونية» (بغض النظر هنا عن سلامة هذه الفرضية، على الأقل في مستوى الحكم والإدارة بالصورة التي سعى ديوب لترويجها) في نقاشه الموسع حول المسألة إفريقيّاً، بدءاً من إثيوبيا (التي لفت إلى أنها ليست دولة «إثيوبيا الحديثة» الحالية، بل إن عاصمتها كانت في مروي داخل السودان حالياً قرب التقاء النيل الأبيض بالنيل الأزرق، وأن تسمية إثيوبيا في الكتاب المقدس والكتابات الكلاسيكية تشير إلى النوبة وبلاد سنار، فيما كانت «إثيوبيا» على أطراف هذه الدولة).
وسرد قصة «ملكة سبأ» عبر منظور «توراتي» رغم إقراره بعدم حسم مسألة وجودها في إثيوبيا أو اليمن، مختتماً بأنه «يبدو من الشواهد التاريخية القليلة التي نملكها أن ملكة سبأ كانت مرتبطةً أكثر بإثيوبيا من سبأ شبه الجزيرة العربية»، وهي خلاصة محل جدل كبير، وربما تشير إلى طبيعة توفيقية وانتقائية لمقاربات ديوب لصالح دعم وجهة نظره في عدد من المسائل.
كما أن تصديره التناول بإثيوبيا ثم مصر، رغم اعترافه (على سبيل المثال) أن نموذج الملكة حتشبسوت سبق ظهور ملكة سبأ بما لا يقل عن ألف عام، يعزز هذه الفكرة (غلبة اعتبارات اللون لدى ديوب بشكلٍ راديكالي للغاية)، مع ملاحظة أن تناوله لمسألة تولّي حتشبسوت الحكم لم يقم على تناول تاريخي دقيق.
واكتفى بتناثر فرضيات مع خلاصات وربما تتداخل معها، من قبيل أنه ليس مفاجئاً– بناءً على فرضياته- عدم وجود انتقال من النظام الأمومي للنظام الأبوي في مصر، وأن الشخصية الزراعية والأمومية لمجتمع الفراعنة المصري تتضح تماماً في أسطورة إيزيس وأوزيريس[6].
بأي حال، فإن إسهام ديوب يظل مهمّاً في تعميق تيار تأصيل كتابة تاريخ إفريقيا وشعوبها وموقعها في تاريخ العالم.
ثانياً: إعادة كتابة التاريخ الوطني: حالة إثيوبيا:
تُعدّ إثيوبيا من أبرز دول القارة الإفريقية عنايةً بالتاريخ وكتابته وتوظيفه في الحياة السياسية الآنية، وزاد من ذلك ما شهدته إثيوبيا من حقب زمنية متمايزة حضارياً وسياسياً، إضافةً إلى استمرارية تأثرها بمحيطها العربي-الإسلامي والإفريقي وعالم البحر الأحمر (بغض النظر عن إشكالية تكوّن إثيوبيا الحديثة بحدودها عبر عمليات استعمارية «إفريقية» غير مسبوقة نطاقاً وعنفاً في تاريخ تكوّن الدولة الإفريقية الحديثة[7]).
ورغم تركيز عملية التأريخ الإفريقي، في تحليل المؤرخ الإثيوبي باهرو زيودي[8] Bahru Zewde الذي سندرس جانباً من إسهامه هنا، على فكرة رئيسة وهي تناول تاريخ الأفارقة وليس الأوروبيين في القارة (كما كان الحال في الفترة الاستعمارية)، أو التوجه الأيديولوجي الغالب على المؤرخين الأفارقة بدايةً (أي قبل الشروع في الكتابة)، فإن التحدي الرئيس الذي واجه عملية التأريخ في إثيوبيا تَمثل في «تحدي ما بعد الحداثة» post-modernism challenge الذي أثار سؤالاً جاداً حول أُسس التأريخ الحديث ورؤيته بأنه تخصص علمي، وهو سؤال تقني إذا جاز التعبير، يتعلق بالكتابة ومنهجياتها.
ويمكن أن تكون هذه الفكرة، مع عدم إطلاقها بطبيعة الحال على مجمل الكتابة التاريخية في إثيوبيا في فترة ما بعد الاستعمار في إفريقيا (بدايةً من منتصف القرن الماضي)، ناجمةً عن طبيعة تاريخ إثيوبيا، ونظم الحكم بها، وعلاقاتها وتفاعلاتها التاريخية الممتدة، وغلبة التناقضات الداخلية على قضايا الاستعمار والهيمنة الأوروبية التي أثرت دون وعي على تطور كتابة التاريخ الإفريقي في الفترة المذكورة.
وما يهمنا هنا أن كتابة التاريخ الإثيوبي ركزت بشكلٍ أكبر على قضايا داخلية، ولا سيما ما يمكن وصفه بإعادة كتابة التاريخ الوطني في قلب التغيرات الحادة التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام الإمبراطور هيلا سيلاسي في عام 1974م.

وقد طرح زيودي هذه الفكرة بشكلٍ مسهب في أعماله؛ ومنها مؤلَّفه عن الحركة الطلابية الإثيوبية (1960-1974م)[9]، الذي وضعه بجدارة في مقدمة قائمة المؤرخين الإثيوبيين المتخصصين في مرحلة ما بعد عام 1960م (مقابل رواد كتابة التاريخ الإثيوبي في المرحلة السابقة على الحداثة مباشرةً أو فترة مطلع القرن الفائت) وجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة المؤرخ تسادك ماكوريا Tsadeq Makurya[10].
وقدّم زيودي في مؤلَّفه ذاك تأريخاً مهمّاً للحركة الطلابية الإثيوبية في سياقين مهمين للغاية، أولهما السياق العالمي وثورة شباب العالم في عام 1968م، وفي سياق إفريقيا جنوب الصحراء باعتبار إثيوبيا جزءاً ينتمي سياسياً وحضارياً إليه (أو بالأحرى أن إثيوبيا هي دولة الإقليم المثلى)؛ وأسهم هذا المؤلَّف في تفكيك ثورة أكتوبر 1974م، وإبراز دور الشباب الإثيوبي الذي قامت الثورة على أكتافه في واقع الأمر، ثم انقلاب القيادة العسكرية للثورة على مطالب هؤلاء الشباب بشكلٍ تدريجي.
وتكمن أهمية الكتاب، كما أوضح زيودي نفسه في تقديمه الوجيز، إلى اهتمامه منذ كان طالباً في جامعة هيلا سيلاسي الأول في العام 1968م (في الفرقة الثالثة) بحركة الشباب العالمية حينذاك، ومن ثَمّ فإن منطلقات مؤلَّفه، والذي اعتمد تقسيماً «دراسياً» مثالياً من حيث تقارب الفصول حجماً وتقديم خلاصات توضيحية في خاتمة كلٍّ منها، كانت تقديم رؤيته لهذا النشاط الطلابي بوصفه واحداً من «المراقبين» له كشهود عيان ومشارك بشكلٍ محدود في فعالياته وزخمه.
لكن الإسهام الأبرز لزيودي في كتابة تاريخ بلاده الوطني، ومقاربة مسألة التأريخ كجزء لا يتجزأ من هذه الكتابة، ورد في مؤلَّفه ذائع الصيت عن «رواد التغيير في إثيوبيا: المثقفون الإصلاحيون في مطلع القرن العشرين»[11]؛ والذي قدّم فيه إطاراً فكرياً واسعاً لعهد تحديث إثيوبيا، مستهلاً الكتاب بتعريفات سياقية في الحالة الإثيوبية عن مفهوم التحديث، وتلاقي الشرق بالغرب، وارتباط ذلك بتحديث التعليم، والجيل الأول لهذه «الحداثة» من خريجي مدرسة منليك الثاني[12].
وللمفارقة هنا؛ فإن إسهام زيودي ورفاقه من جيل الستينيات وما تلاه كان دالاً على الانتقال من المرحلة التي يتناولها العمل الذي نعرضه هنا إلى مرحلة إعادة كتابة تاريخ إثيوبيا بشكلٍ منهجي، وعدم الاكتفاء بانتهاج مدرسة الحوليات واستكمال مسيرة التأريخ التقليدي، وانشغلت كتابات هذه المرحلة بالأساس بسير ثلاثة أباطرة إثيوبيين كبار، وهم تيودروس ويوهانز ومنليك.
بينما توجه زيودي ورفاقه إلى تناول تاريخ الشعب الإثيوبي في المقام الأول[13]، في إطار بذل الجهد لإعادة كتابة تاريخ إثيوبيا، لكن دون أن يعني ذلك أنه جهد راديكالي في تياره العام، بل أقرب للصوابية المنهجية التاريخية في الأساس.
ثالثاً: التأريخ الشفهي وتطوير الكتابة التاريخية الإفريقية: حالة غرب إفريقيا:
تُمثل الروايات الشفهية، سواءٌ أكانت التقليدية الموروثة من فترات سابقة أم الشهادات الشفهية التي يتم جمعها في سياق عملية كتابة تاريخية آنية، رافداً ومنهجاً بحثياً مهمّاً لكتابة التاريخ الإفريقي. ويمكن تعريف هذا المنهج ببساطة على أنه: ممارسة أو منهج في البحث عبر القيام بتسجيل كلام أفراد به نوع من الأهمية، ثم تحليل ذكرياتهم عن الماضي، مع الحاجة إلى أخذ جوانب هذا التاريخ النظرية في الاعتبار[14]، حتى تتم صياغة كتابة تاريخية متماسكة ودقيقة.
وقد ظهرت فكرة الاعتماد على الروايات الشفهية منذ بدء تدوين التاريخ في الحضارات المختلفة، ومن بينها الحضارة اليونانية، وكانت بطبيعة الحال فكرة فردية لسرد الروايات التي تناقلها جيل تلو آخر في اليونان القديمة، حتى تجلت في كتابة المؤرخ هيرودوت (في الربع الثالث من القرن الخامس قبل الميلاد)[15].
أما إفريقياً فإن الروايات الشفهية تكتسب أهميةً متزايدة في عملية كتابة تاريخ إفريقي للقارة، بالنظر إلى طبيعة المجتمعات الإفريقية ورؤيتها للروايات التي انتقلت عبر أجيال عديدة كجزء رئيس من تراثها وخبرتها التاريخية.
وقد قدّم المؤرخ والإثنولوجي البلجيكي جان فانسينا Jan Vansina (الذي شارك في مؤتمر دار السلام للمؤرخين الأفارقة 1965م) كتاباً مرجعياً حول هذه المسألة (صدر بالفرنسية في العام 1961م، وصدرت ترجمته باللغة الإنجليزية في العام 1965م)، ربط فيه بتأصيلٍ نادر الارتباط بين التراث الشفهي والمنهجية التاريخية؛ ورأى أن قلةً من المؤرخين (الأفارقة وغير الأفارقة حينذاك) قد عُنِيَتْ بالمشكلات المنهجية التي يثيرها التراث الشفهي.
بينما حمل بعضهم على فئات محددة من المادة التقليدية أو التراثية باعتبارها أساطير تاريخية أو سِيَراً لقديسين؛ لكن– في المقابل- يمكن النظر إلى المحاولات التي بُذلت لدراسة التراث الشفهي ككل على أنها غير مكتملة أو مُرضية، ويرجع ذلك إلى صعوبة التحقق من سلامة تلك الروايات الشفهية التي يعود نسبة بعضها إلى العصور القديمة، أو صعوبة مضاهاتها بنصوص أو آثار دالة.
وقدّم فانسينا طرحاً تأسيسياً في السياق الإفريقي هنا عبر نقد إسهام كلٍّ من «إ. بيرنهايم» E. Bernheim و«أ. فيدر» A. Feder، و«و. باور» W. Bauer حول التراث الشفهي بشكلٍ عام وما يرتبط به من قيمتها كمادة مصدرية تاريخية؛ فبيرنهايم يميّز بين الروايات الشفهية على أنها تشمل: الروايات narratives، والأساطير، والطُرَف anecdotes، والأمثال، والقصائد أو القصص الشعرية التاريخية.
كما يميز بين الرواية التي تُروى مباشرةً من صانع الحدث أو مقرّب منه وبيان شاهد عيان، وجميع المصادر الأخرى التي تُمثل مادةً ثانوية «التي تجب معاملتها كأساطير»، ويستثني الرواية التاريخية historical narrative، ومن ثَمّ فإنه من وجهة نظر المنهجية التاريخية يمكن أن تعادل الروايات الثانوية بالرواية المنقولة عن شاهد عيان. وقدّم فيدر تمييزاً إضافياً لما ذكره بيرنهايم، وركز على التفرقة بين الروايات مجهولة المصدر والروايات التي يُعرف قائلها.
أما باور فإنه قسّم الروايات الشفهية إلى مجموعتين: تشمل الأولى جميع المصادر التي يمكن إرجاعها أو نسبتها إلى فردٍ ما؛ أما المجموعة الثانية فإنها تُمثل المصادر غير المنسوب كتابتها أو روايتها لشخص ما (مثل الشائعات والأقاويل والأساطير والطُّرف والأمثال والأغاني الشعبية)[16].

وقدّم المؤرخ النيجيري البارز جاكوب فيستوس أدينيي أجايي Jacob Festus Adeniyi Ajayi (1929-2014م)[17] إسهاماً مهمّاً في مدرسة توظف الروايات الشفهية في كتابة تاريخ إفريقيا في مرحلة ما بعد الاستعمار تطبيقاً على دراساته التاريخية عن تاريخ غرب إفريقيا وإثنية اليوروبا؛ كما راكم أجاي إسهاماته تلك في تحريره المهم للمجلد السادس من «تاريخ إفريقيا العام»[18].
وتناول في الفصل الافتتاحي للمجلد[19]، والذي جاء تحت عنوان «إفريقيا عند بدء القرن التاسع عشر: قضايا وآفاق»، وجود وفرة بالأساس (في عملية التأريخ لإفريقيا) في المادة الشفهية التي يمكن الاعتماد عليها مضافاً لها مصادر تاريخية مكتوبة جديدة نتجت عن توسع الأنشطة الأوروبية في إفريقيا في القرن التاسع عشر.
على سبيل المثال، سرد الرحالة والتجار ورجال الحكومات وغيرهم ممن توغلوا في المناطق الداخلية من إفريقيا، قبل أن يشير إلى ملاحظةٍ بالغة الأهمية، وهي أن الروايات الشفهية قد تكثفت بحدة في ذلك الوقت واختزلت بشكلٍ واضح مجمل تاريخ إفريقيا ما قبل الاستعمار لصالح سردية القرن التاسع عشر، أو ما وصفه أجايي بعمقٍ واضح تكريس «أسطورة» إفريقيا الجامدة، ورأى- كما يتضح لنا من استقراء فكرته هنا- ضرورة توظيف الروايات الشفهية في كتابة «قرن ما قبل الاستعمار» precolonial century[20] من أجل تقديم تأريخ إفريقي.
وبغض النظر عن دلالة تحرير أجايي للمجلد السادس من «تاريخ إفريقيا العام»، وبصمات رؤيته تلك في ثنايا العمل المهم، فقد قدّم مقاربات رائدة في هذا التوظيف في أغلب أعماله، ونتناول هنا في عجالةٍ اثنين من أهم مؤلفاته، وهما: «الإرساليات المسيحية في نيجيريا 1841-1891م»[21].
وطرح في مقدمته أطروحة أنه من الضروري، كما دعا مؤرخون نيجيريون وفي غرب إفريقيا في نهاية أربعينيات القرن الفائت، أن يكون التاريخ الإفريقي «تاريخاً للأفارقة»، وليس للأوروبيين الموجودين في القارة؛ وأن تُستخدم الوثائق المحلية والروايات التاريخية الموروثة من أجل إكمال العمل في الأرشيفات الأوروبية، وباختصارٍ فإنه «يجب قبول الروايات الشفهية كمادة صالحة لإعادة البناء التاريخي»، وهو الأمر الذي استخدمه أجايي في هذا العمل المهم.
أما المؤلَّف الثاني فقد كان أكثر شمولاً، إذ جاء بعنوان «تاريخ غرب إفريقيا» (الذي حرره بالاشتراك مع المؤرخ مايكل كرودر M. Crowder)[22]، وأشار أجايي بشكلٍ مباشر في مقدمة العمل إلى توظيف قدرٍ كبير «من المصادر المكتوبة والروايات الشفهية» في تاريخ غرب إفريقيا لصياغة كتابة «جديدة» تُعلي من أهمية الروايات الشفهية في كتابة التاريخ.
كما أوضحت المقدمة تخصّص عدد من المساهمين في الكتاب المحرر في الروايات الشفهية بالتحديد بوصفها مصدراً لكتابة تاريخ الشعوب والجماعات الإفريقية، مثل «إ. ج. ألاجوا» E. J. Alagoa، و«إ. أ. أكينجوغبين» A. I. Akinjogbin.
وقدّم ألاجوا، بدوره، عدداً وافراً من الدراسات في هذا المسار (استخدام الروايات الشفهية في الكتابة التاريخية)؛ ومنها دراسته (1966م) عن الرواية الشفهية بين الإيجو في دلتا النيجر[23]؛ والتي انطلق فيها من رؤيته لنفسه كمؤرخ شفهي oral historian، ثم قدّم دراسة مفصلة (وتقنية يمكن أن توفر مثالاً نافعاً للغاية للكتابة في هذا المجال حتى وقتنا الحالي) حول استخدام مضامين الأدب الشفهي في التاريخ: نماذج من أمثال دلتا النيجر (الشعبية)[24].
وعمّق دراساته تلك بأخرى (1975م) حول دمج الروايات الشفهية في كتابة التاريخ وربطه بمقاربة قائمة على توظيف التخصصات البينية في كتابة تاريخ إفريقيا[25]، وهو تيار مهم في الكتابة التاريخية الإفريقية تزداد الحاجة الملحة إليه راهناً.
كما قدّم ألاجوا، حسب رصد المؤرخ الكبير في دراسة مهمة عن كتابة تاريخ غرب إفريقيا، سلسلةً من الدراسات التي دمجت الروايات الشفهية بالمصادر التقليدية لكتابة التاريخ على نحوٍ دقيق، على نحو مثّل اختراقاً مهمّاً للمؤرخين في نيجيريا، بعد أن كان هذا المجال حكراً على الأنثروبولوجيين الأوروبيين الذين عُنوا بإعادة بناء ماضي غرب إفريقيا[26].
خاتمة:
نخلص من ذلك إلى أن تيارات كتابة تاريخ إفريقيا، التي ظهرت مع نهاية الاستعمار ومطلع ستينيات القرن الماضي، قد أسهمت بشكل راديكالي في تغيير عملية التأريخ على أكثر من مستوى، منهجياً وأيديولوجياً ونطاقاً (بمعنى اتساع دوائر هذه الكتابة).
ونجحت هذه التيارات– إلى حدٍّ كبير- في تغيير الصورة النمطية عن تاريخ إفريقيا، ولاسيما مسألة أن القارة كانت بكراً (حضارةً وتاريخاً) وفي حالة انتظار للاستعمار الأوروبي حتى تدور في فلك الحضارة الإنسانية.
كما كشف تناول الورقة عن صعوبة وجود سردية إفريقية موحدة في تناول تاريخ القارة، لكن ذلك لا ينفي وجود تقارب منهجي ملموس في تفهُّم مختلف هذه التيارات لقضايا القارة وشعوبها.
غير أن الفجوة تظل قائمةً في لحاق التأريخ الإفريقي (داخل القارة) بمجمل التطور في منهجيات وآفاق الكتابة التاريخية السائدة عالمياً، وذلك لاعتباراتٍ يصعب تجاوزها راهناً، مثل بطء التراكم المعرفي في إفريقيا، واستدامة سؤال إعادة إنتاج المعرفة نفسها الذي يظل، رغم وجاهته والحاجة الملحة إليه، دالاً على هذه الفجوة وعوائق تجاوزها.