كلمات الرسول الأعظم (ص) روائع خالدة

الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي

 

عندما ننبش في تاريخ الفكر الإنساني، عن كلمات الحقّ، التي نلجأ إليها عبر الأحداث والمناقضات، تتألّق كلمة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في ذروة التراث الإنساني، من نتاج الفكر والذوق الأصيلين، سواء ما وصلنا عن طريقه المباشرة -أو على لسان عترته الطاهرة – وهو اليسير اليسير، أو ما توارى عنّا في عهود الرّدة والانتكاس وهو الكثير الكثير.

فالنبي، الذي كان قائد دولة، ورسول دين، ومؤسّس أمّة، يكون قوله وفعله وتقريره حجّة وسنّة، لو سُجّلت سننه كلّها لوسعت آلاف المجلدات، ولكن أبادت معظم سننه، الأحقاد التي تسلّلت إلى القادة، والمضاعفات التي تسرّبت إلى الرواة، فظهر رجل منع الرواية عن رسول الله، ورجل أحرق كتب الرواية عن رسول الله، ورجال سلّطوا السيف والسوط على الرواة عن رسول الله، ورجال كمّوا أفواه المحدثين عن رسول الله، وسواء أكانوا يفعلون ذلك دفاعاً عن رسول الله، أو عداءً لرسول الله، فإن الذي لا يمكن التشكيك فيه، هو أنّهم أفنوا من تراث رسول الله الكثير الكثير، وما أبقوا منه سوى اليسير اليسير.

غير أن هذا القدر اليسير اليسير، الذي وصل إلينا عبر الطوفان هو أضخم رصيد ورثته الإنسانيّة من مصادر الفكر والإلهام، بحيث لو تمزّقت دونه الستائر، لشعّ حتى لم تبق على الأرض قطعة من ظلام.

ومن الطبيعي أن يكون النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أغنى مصادر النور، فهو أعلى القمم البشريّة، الذي لم تطمح إلى مطاولته العبقريات في لحظات جنون الكبرياء، متى يطال إنسان تبلور حتى خشعت له غرر الملائكة، وانتجبه الله -بجدارة- سيّد أنبيائه، وأقرب عباده إليه، ثمّ منحه رسالة السماء الكاملة، التي لم يُؤثِر بها مائة وأربعة وعشرين ألفاً من الأنبياء، وخوّله قيادة البشر حتى الأبد، فإذا هو خاتم أقفلت بعده السماء. وإذا أمّته خير أمّة أخرجت للناس.

والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) إنسان تبرعم عن قلب الصحراء مع البراعم التي تتفتّق تحت أنداء الفجر، والرمال التي تتبلور على وهج الشمس، والرياح التي تثور لتسوّي الكثبان والوهاد، حيث ينتحر التكلّف، فتعيش الطبيعة أقصى انطلاقاتها، وتبلغ الفطرة أوج نضجها، فإذا بصلابة الجلاميد، تشدّ على أعصاب التهاميّ، وإذا بوميض البروق يضطرب في عينيه، وإذا بلهيب الهجير يجري في عروقه، وإذا برسالة السماء تنطلق على لسانه، وإذا بالأميّ يدوّي بصوت يكرّس كلّ ما في السماء من خير ونور، فيصوغ من شعب الجاهليّة شعب المعجزات، وإذا بالبدو الرّحّل ينتشرون في أرجاء العالم لقيادة الشعوب، فيمتدون بصوته في كلّ اتجاه، حتى يغرقوا فيه كلّ عرش وتاج، وإذا بظلّ اليتيم يحوم بأجنحته العريضة في الآفاق، فيكتنف مطلَّ الشمس، لينتعش تحته الضعفاء، ويتهافت الجبّارون.

ثمّ ما هي البلاغة في أروع انتفاضاتها؟ أليست هي العبقريّة التي تنفجر على ألسنة العباقرة، على نحو ما تتفتّح في أعمالهم؟ وإذا كان جميع العباقرة أدباء -تختلف مستوياتهم الأدبية، بمقدار ما تختلف درجات مواهبهم- فماذا يمنع الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يكون سيّد الأدباء أجمعين، كما كان سيّد الأوّلين والآخرين؟ أو ليس هو الإنسان الوحيد، الذي أصبح الأدب على لسانه معجزة نبوّة، تحدّث البلاغة البشريّة، بكلّ ما أمكن العنف والاستفزاز، فأنابت إليه صاغرة مذعنة، يسربلها خشوع الإيمان، بعد أن كان الأدب -ولا زال- لغة تملّق واستجداء؟ أوَ ليست المواهب الإنسانية النبيلة، قد تكرّست فيه أكثر ممّا تفرّق في العباقرة والمفكّرين؟

ومن ثمّ أصبح أدب النبيّ (صلى الله عليه وآله) فوق مستوى بقيّة الآداب، بمقدار ما هو فوق مستوى بقيّة الأدباء.

وأوّل ما يصدمك في أدب الرسول (صلى الله عليه وآله) هو العقل الجبّار، الذي يترك أفكاره تتوالد وتتسلسل، كالنهر الذي يجري ويجري دون أن يكون لجريه حساب أو انقطاع، ويعمّقها حتى لا تظلّ عليه أغوار، ثم يضبطها بحدود دقيقة لا تسمح لعواطفه الحارّة، وأحزانه البعيدة أن تطغى عليه، أو تطيش بكلمة عن غرب لسانه أو شقّ يراعه بلا استئذان، حتى ليدهش الباحث من تلك الدقّة المنطقيّة، لو علم أن النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يكن يفكّر في إعداد كلماته، ولو قبيل ارتجالها بلحظات، وإنّما كانت تنفجر من نفسه الجيّاشة – لحظة الارتجال – بلا إعداد.

ثمّ الخيال الواسع الخفّاق، الذي قد يكون أهمّ شروط البلاغة – وهو الحسّ الذي يربط جميع الموجودات، بشبكة واحدة شاملة من الأسباب والمسبّبات، حتى لا يكون شيء في الوجود، إلاّ مسبّباً عن شيء وسبباً لشيء. وهذا الذوق، هو الفارق الوحيد بين الفن والعلم، حيث إن دليل العلم هو العقل، الذي يجزّئ الأشياء ثمّ يدرس كلاًّ من أجزائها بانفراد، بينما يكون الإلهام دليل الفن، الذي يجمع المتباينات في إطار من التناسق الجمالي، ليجمع من تفاعلها صورة مطبوعة تضفي على الكون رواءً جديداً، وما كان الأدب فنّاً إلاّ بهذا الشمول.

فالأديب أسبق من الفيلسوف في التطلّع إلى خفايا الأشياء، وهو بهذا الذوق يبقى دليل الفيلسوف إلى الرابط الكوني العام. والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أقوى من عرف هذا الرابط بدقّة الفيلسوف، وعبّر عنه بأسلوب الأديب، فأكّد على أن جميع الكائنات متوالدة عن بعضها إرادة فاعلة في الكون، وممتدّة ممّا وراء الكون، فإذا الكون كلّه وحدة مترابطة فيما بينها، ومرتبطة بما وراءها، برابط وثيق يكون إنكاره أعظم جريمة في الحياة، وهو الكفر، الذي يعاقب عليه الإنسان بالإعدام. فكان النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) أستاذ الفيلسوف منذ كان، ودليل الأديب إلى الأبد، لأنّه عرف ما يعرفه الفيلسوف والأديب معاً، وعرف ما لم يعرفاه، وهو الرابط العام بين مظاهر الطبيعة وما وراء الطبيعة، وبين الدنيا والدين، فلم يعرّف ما وراء الطبيعة إلاّ بما يهيمن على الطبيعة، ولم يفسّر الدين إلاّ بما يصلح الدنيا، وعبّر عن هذا التكامل الشامل بأقوال موجزة معجزة:

(من خاف الله، أخاف الله منه كلّ شيء، ومن لم يخف الله، أخافه الله من كلّ شيء).

(من أحبّ أن يكون أعزّ الناس فليتّق الله، ومن أحبّ أن يكون أقوى الناس، فليتوكّل على الله).

وينفرد أدب النبيّ (صلى الله عليه وآله) – عن كلّ ما انحدر إلينا عبر الأجيال، من نتاج الفكر والذوق – بميزة تجعل له مصافّاً مستقلاً، فوق كل المستويات الأدبيّة – لو استثنينا القرآن وحده – وهي السلاسة العفوية البالغة، في رصف المعاني والألفاظ معاً، بحيث تجري رخاء على مهل، كما يجري الرقراق الفرات في السواقي المستلقية على بساط الرمل، أو كما تجري العطور في رفيف الأنسام. وتستوي أجواؤه -رغم تناوله مختلف المواضيع- كما تستوي صفحات البحار، في الآصال الغيد. حتى إنّك تنساب معه إلى أبعد الآماد وفي شتى المجالات – بلا وعي أو رأي منك – كما ينساب الدم في عروقك إلى أبعد أعضائك، دون أن تشعر بشيء فتوافق أو لا توافق. فيحملك على جناحه العريض، ويجوس بك أينما شاء من المضانك الشائكة، والمزالق الوعرة، دون أن يصيبك عنت المسرى ورهق الانطلاق، ومن غير أن يتعثّر خيالك أو ذوقك بلفظة أو معنى متحجّر، كما تجوب بك أطياف الأسحار في المهاوي والمهالك، دون أن تصدم عصبك أو ذوقك. ويتسرب إلى أعماقك بلا إشعار حتى تمتلك عليك خواطرك ومشاعرك بلا استئذان، كما تتسرّب الروح في الجسد، فتوقظه من رقدة الموت، دون أن يشعر الجسد بدبيبه الحالم.

ورغم أنّه أدب صدر في زمن سحيق متصل بالجاهليّة، أدب حديث كأحدث ما يكون الأدب طراوة وفتنة رؤىً.

وإن من العجيب أن ينتج أدب قبل أربعة عشر قرناً، ثمّ لا يحمل شيئاً من آثار القدم، ولا يهرمه الدهر حتى كأنّه نتاج ساعته. وكأن زوابع العصور لم تزده إلا فتنة وروعة، كالدّر الذي كلّما تكرّر عليه الجديدان، ازداد جدّة ورواء. فهو الطارف التليد، الذي يجمع الذوق القديم والجديد، في إطار لولاه لكنّا نشكّ في وجود مثل هذا الإطار، فهو أقدم مدرسة وأحدث مدرسة.

وأعجب من ذلك: أن يعيش أدب الرسول (صلى الله عليه وآله) قمّة البلاغة، في مختلف العصور، التي تطوّرت فيها مقاييس البلاغة إلى حدّ التناقض، فتحسبه في كلّ يوم وليد يومه، حتى كأنه البدر، الذي لا يغيره اختلاف الفصول.

وبهذه الميزة، كان أدب النبيّ (صلى الله عليه وآله) نواة مدرسة أدبيّة، شاء جميع الأدباء أن يتخرّجوا عليها، وإن لم يستطيعوا التخلّص من رواسب أنفسهم، فانعكست أشعّتها على كلّ أديب بمقدار صفاء جوهره، واقتبس منها كلٌّ بمقدار قدرته على الاقتباس. فكأنّه مصدر المقاييس، الذي يضع لكلّ شيء مقياسه ولا يخضع لمقياس. كالشمس التي تجري لمستقرٍ لها، فتكتسب منها الأقمار أنوارها، بقدر طاقتها على الاكتساب، وتستوحي منها مقاييسها الأرض والفضاء، دون أن ترضخ هي لمقياس في الأرض أو الفضاء. وحتى دون أن تنعطف إلى ما ورائها، لترى ما يدور حولها وما يقدّر لها من مقاييس وحسبان، وإنّما تدأب في مجراها الطويل، ونحو هدفها العظيم، بقوّة واندفاع، وهي تعرف الأمام ولا تعرف الوراء.

ولعلّ من أبرز مظاهر البلاغة في أدب النبيّ (صلى الله عليه وآله) موافقة كلامه لمقتضى الحال، فإنشاؤه تامّ الانسجام بين ألفاظه ومعانيه وأغراضه، بحيث يشتدّ في مقارعة المجرمين والمراوغين حتى تشفق منه على الصواعق والبراكين، ويلين في مواساة الضعفاء والمنكوبين، حتى تشفق عليه من هينمات النسيم والعبير.

وقد بلغ الرسول (صلى الله عليه وآله) في التجرّد لمعالجة الموضوع الذي يعرضه أن ترفّع عن التكلفات البلاغيّة إلى حدّ التقشّف، حتى يجري مع هدفه بعفوية عازفة عن كلّ التزويقات الأدبية، فإذا كان هنالك سجع موزون، فهو كما يكون من الطير في غنائه والبحر في هديره، والأسد في زئيره، يأتي من صنع الطبع الزاخر، الذي لا يعرف التكلّف والرياء، فيكون سجعاً يردّ النغم على النغم، ويذيب الوقع في الوقع، على قرارات لا أوزن منها على السمع، ولا أحب على الذوق. ومثال ذلك هذا القول الشهيّ الرقيق:

(الشمس والقمر، يبليان كلّ جديد، ويقربان كلّ بعيد، ويأتيان بكلّ وعد ووعيد، فأعدّوا الجهاز، لبعد المجاز).

وتأمّل في هذا الكلام المسجّع، وفكّر في مقدار ما يشفّ عنه، من سلامة الذوق، وقوة الطبع:

(… فاطلبوا العلم من مظانّه، واقتبسوه من أهله، فإن تعلّمه لله حسنة، وطلبه عبادة… وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى، لأنّه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل الجنّة، والمؤنس في الوحشة، والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدّث في الخلوة، والدليل على السرّاء والضرّاء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاّء، يرفع الله به أقواماً، فيجعلهم في الخير قادة تقتبس آثارهم، ويُهتدى بفعالهم، ويُنتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تبارك عليهم…).

فلو حاولت إزاحة كلمة عن مكانها، أو استبدال لفظ مسجوع بآخر غير مسجوع، لبدا لك كيف أن السجع في هذه الرائعة، ضرورة فنيّة يقتضيها الطبع، الذي يمزج اللفظ بالمعنى، حتى لكأنّهما من معدن واحد، فيبعث النثر شعراً له أوزانه وأنغامه، وليس له تكلّفة واصطناعه.

وقد تميّزت نظرات الرسول (صلى الله عليه وآله) الاجتماعية، بملاحظة نادرة غذّت خياله المبدع، فإذا بها تتعاون مع تجاربه الكثيرة، لتظهير المجتمع، في لوحات لها من الحياة أكثر ممّا للأحياء، فتعبّر عن واقعيّة صادقة، لها آفاق ترى، وأبعاد لا ترى إلاّ بالتأمّل الكثير.

فاستمع إليه، كيف يصوّر العاقل، ليعطي صورة ودرساً:

(… إذا أراد أن يتكلّم تدبّر، فإن كان خيراً تكلّم فغنم، وإن كان شرّاً سكت فسلم…).

وكيف يفسّر الظواهر الاجتماعية ببعضها، ليمنح فكرة وخبرة:

(لا فقر أشدّ من الجهل، ولا مال أفضل من العقل).

وكيف ينبئ عن الغيب المجهول، لينذر ويحذّر، حتى تبحث العقول المذعورة عن ملجأ، فيأتي توجيهه إلى القرآن، كما يومئ النجم للتائهين:

(إذا التبست عليكم الأمور، كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن).

ويتسع أدب الرسول (صلى الله عليه وآله) للحقوق العامّة، التي أكّد عليها في كلّ وصيّة صدرت منه إلى أحد، وكلّ عهد عقده لوالٍ، ويظهر النبيّ (صلى الله عليه وآله) في كلّ تأكيداته على الحقوق العامة، جادّاً يتدفّق بصورة حارة، تشفّ عمّا وراءها من إيمان عميق، بضرورة إقامة مجتمع عادل تهيمن عليه إرادة السماء، وكرهٍ عنيد للمجتمع المتأرجح، بين حقّ مسلوب وضعيف مطلوب، وما يقدح بينهما من إعصار يلفّ الغاصب والمغصوب على السواء.

وبدت صرامته في الحقوق، حتى في وصاياه إلى ولاته العدول، ففي وصيته إلى (معاذ):

(… أنزل الناس منازلهم، خيرهم وشرهم، وأنفذ فيهم أمر الله، لا تحاش في أمره ولا ماله أحداً، فإنها ليست بولايتك ولا مالك…).

ورغم أن النبي (صلى الله عليه وآله) رسول دين، يتوقع أن يكرّس أدبه لزحزحة الناس عن الدنيا ودفعهم إلى الآخرة، لم يجمد أدبه على التوجه إلى الآخرة، وإنما وزّع أدبه على حاجات الإنسان كلها، سواء أكانت حاجاته دنيوية أو أخروية، فكان أدباً جمّاً يضيء الدرب أمام الإنسان أنّى سار.

وحيث كان الرسول (صلى الله عليه وآله) أفضل من عرف خصوبة الإنسان، وتخلفه عن المستوى اللائق به، كشف عن عجزه عن مغالبة التخلّف الذي مُني به، فإذا هو سوء فهمه لارتباط الدين بالدنيا وظنه بأن الأمل والعمل يحولان دون الفوز بالآخرة، فحاول نسف هذه الأسطورة، ومنح الإنسان طاقات جديدة لا حدود لها، فحشد المبادئ الإنسانية الكبرى في كلمات، جمعت خلاصة الأفكار البنّاءة في سطور، من أجل بناء مجتمع حي سعيد، يوم وضع كلمته فوق كلمة الجميع فقال:

(إن قامت الساعة، وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها، فله بذلك أجر).

فكانت كلمة تكفي لإضاءة الحياة، وتعميق مفاهيم الإنسانية في الإنسان، حتى هذا المستوى، الذي قد يبدو فوق الجشع والحرص، ولكن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) هو الذي يجدر به أن يقول هذا القول العظيم، لينقذ أجيالاً وأمماً من التقشف الصوفي، الذي ما أنزل الله به من سلطان. وإن أدب النبي (صلى الله عليه وآله) هو الذي يقدر أن يحلّ فيسمو، حتى يصور فسيلة في يد إنسان يريد أن يغرسها فتقوم عليه الساعة، ثم يأمره بغرسها، وهو لا ينسى أن الفسيلة لا تثمر إلاّ بعد سنين من غرسها. ولا يكتفي بمجرد أمره بذلك حتى يجعل له أجراً من ثواب الله.

ويبقى أدب الرسول (صلى الله عليه وآله) واسعاً يشمل أرحاب الحياة، دون أن ينسى جانباً أو يهمل جانباً، غير أن أسلوبه يرتفع إلى قمة الجمال والوعي، عندما يتحدث عن الهدف الأعلى لرسالته، وهو التعريف بالله، فإنه الموضوع الذي تخصص فيه النبي (صلى الله عليه وآله) فعرف منه ما لم يعرفه أيّ مخلوق سواه، وعرضه بطريقة فريدة، لو لم يسبقه القرآن، لما كان له نموذج في كل ما صدر عن جميع الأنبياء والصدّيقين، لأنّه يتناول أعمق المسائل الفلسفيّة، التي تستعصي على أعظم المفكرين، فيخضعها لأسهل العبارات، التي يهضمها أبسط السذّج الرعاع، حتى لتدهش لجبروت الفكر، كيف يجعل المستحيل سهلاً سائغاً لا تكدّره صعوبة. فلنستمع إلى هذه الجمل الخالدة، التي لن نسمع نظيرها إلاّ منه أو من تلامذته الأئمة الأطهار (عليهم السلام):

(الحمد لله، الذي كان في أوّليّته وحدانيّاً، وفي أزليّته متعظّماً بالإلهيّة، متكبراً بكبريائه وجبروته، ابتدأ ما ابتدع، وأنشأ ما خلق، على غير مثال كان سبق لشيء ممّا خلق… المحتجب بنوره دون خلقه، في الأفق الطامح، والعزّ الشامخ، والملك الباذخ، فوق كلّ شيء علا، ومن كلّ شيء دنا، فتجلّى لخلقه من غير أن يكون يرى، وهو بالمنظر الأعلى…).

والخطابة موهبة وزّعها الله على خلقه كما يشاء، فتربّع على القمّة منها كثيرون، منهم ساسة، ومنهم أدباء، ومنهم مفكرون، غير أن أحداً لم يبلغ ما بلغه النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقد نشأ في المحيط البدوي الساذج، الذي تسلم فيه الفطرة من شوائب الكلفة والزور، حتى لا يسمها سوى طابع الصراحة والصدق، وعايش أقواماً عاشوا وماتوا للأدب، وتركوا في ذاكرة الدهر روائع لا يمكن أن تسفيها الليالي والأيّام، وميّزه الله بالطبع الزاخر، والذوق الرفيع، والبلاغة الآسرة، ومنحه علماً واسعاً لا يقاس، وحجّة دامغة لا تقارع، وقدرة نادرة على الارتجال، أضف إلى ذلك صدق قلبه ولسانه، وطهارة ضميره، وعمق إيمانه، ونبل هدفه، ثمّ تجاربه الكثيرة التي هي ضرورة للخطيب الناجح، كلّ هذه منضمّة إلى عبقريته الشخصيّة، التي أوجزت كلّ ما في سلالته من جرأة وقوّة، فتجمّعت فيه أسباب التفوّق الطبيعيّة، وأمدّه ما وراء الطبيعة بما لا أعلى ولا أكمل، حتى إن الوحي كان يعصمه عن أن ينطق بالهوى، فكان النطق السهل، والبيان الرفيع، من عناصر شخصيته، التي ميزّته عن سواه.

وهذه مؤهلات نادرة، إن تفرّق بعضها في الخطباء الذين كانوا – بحقّ – عالميّين، فإنّها لم تجتمع في أحد غيره.

فإذا تفرع المنبر، كان مطمئنّ القلب، واثقاً من عدالة قوله وهدفه، وكانت قوّة فراسته تكشف له أهواء النفوس، وأعماق القلوب، حتى إذا انطلق لسانه بما يجيش به صدره، حرّك في مستمعيه نوازع الفضيلة، التي تتفرغ لتحقيق إرادته.

وإذا شئنا أن نعرف مدى ارتفاع النبيّ (صلى الله عليه وآله) عمّا سواه من كبار الأدباء، في مختلف الأمم والعصور، وضعنا إلى جانب أدبه نماذج من آدابهم، لا لنستنتج شيئاً من قياس الرسول بهم، فالرسول الذي هو عقل الكون وضمير الوجود، لا يقاس بغيره مهما بلغ، وإنّما لننضد أمامه قمم الوجود، حتى نراها كيف تتصاغر دونه، ولا تبدو سوى آثار حملت نفسها إليه عبر الدهور، لتعتزّ بقيّة عمرها، بأنّها وقفت خاشعة أمامه لحظات.

فلنستمع إلى هذا النفر القليل، الذين لم يقف إلى جانبهم غيرهم حتى يكثروا.

فهذا سليمان بن داود (عليه السلام) الملك الرسول (صلى الله عليه وآله) يتحدث عن تفاهة الحياة، وتداور الأحياء:

(جيل يمضي، وجيل يأتي، والأرض قائمة مدى الدهر، والشمس تشرق، والشمس تغرب، ثمّ تسرع إلى موضعها الذي طلعت منه. تذهب الريح إلى الجنوب، وتدور إلى الشمال، تدور وتطوف في مسيرها، ثمّ إلى مداورها تعود الريح. جميع الأنهار تجري إلى البحر، والبحر ليس بملآن، ثمّ إلى الموضع الذي جرت منه الأنهار، إلى هناك تعود لتجري أيضاً).

وهذا المسيح: عيسى ابن مريم (عليه السلام) يندّد بالتخلّف البشريّ في حوارييه:

(يا عبيد السوء! يهولكم طول النخلة، وتذكرون شوكها، ومؤونة مراقيها، وتنسون طيب ثمرها ومرافقتها، كذلك تذكرون مؤونة عمل الآخرة، فيطول عليكم أمده، وتنسون ما تفضون إليه من نعيمها ونورها وثمرها.

يا عبيد السوء! نقوّا القمح وطيّبوه، وأدقّوا طحنه، تجدوا طعمه، ويهنئكم أكله، كذلك فأخلصوا الإيمان وأكملوه، تجدوا حلاوته، وينفعكم غِبّه، بحقٍّ أقول لكم: لو وجدتم سراجاً يتوقّد بالقطران، في ليلة مظلمة، لاستضأتم به، ولم يمنعكم منه ريح نتنة، كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممّن وجدتموها معه، ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها.

يا عبيد الدنيا! بحقٍّ أقول لكم: لا تدركون شرف الآخرة، إلا بترك ما تحبّون، فلا تنظروا بالتوبة غداً، فأن دون غدٍ يوماً وليلة، وقضاء الله فيها يغدو ويروح. بحقٍّ أقول لكم: إن من ليس عليه دين من الناس، أروح وأقلّ همّاً ممّن عليه الدّين، وإن أحسن القضاء، وكذلك من لم يعمل الخطيئة، أروح وأقلّ همّاً ممّن عمل الخطيئة، وإن أخلص التوبة وأناب، وإن صغار الذنوب ومحقّراتها من مكايد إبليس، يحقّرها لكم، ويصغرها في أعينكم، فتجتمع وتكثر فتحيط بكم. بحقٍّ أقول لكم: إن الناس في الحكمة رجلان: فرجل أتقنها بقوله، وصدّقها بفعله، ورجل أتقنها بقوله، وضيّعها بسوء فعله، فشتّان بينهما، فطوبى للعلماء بالفعل، وويل للعلماء بالقول.

يا عبيد السوء! اتخذوا مساجد ربّكم سجوناً لأجسادكم وجباهكم، واجعلوا قلوبكم بيوتاً للتقوى، ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات. إن أجزعكم عند البلاء لأشدّكم حبّاً للدنيا، وإن أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا.

يا عبيد السوء! لا تكونوا شبيهاً بالحداء الخاطفة، ولا بالثعالب الخادعة، ولا بالذئاب الغادرة، ولا بالأُسد العاتية، كما تفعل بالفراس، كذلك تفعلون بالناس، فريقاً تخطفون، وفريقاً تجدعون، وفريقاً تغدرون بهم. بحقٍّ أقول لكم: لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحاً وباطنه فاسداً، كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم، وقد فسدت قلوبكم، وما يغني عنكم: أن تنقّوا جلودكم، وقلوبكم دنسة؟ لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيّب، ويمسك النخالة، كذلك أنتم، تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغلّ في صدوركم.

يا عبيد الدنيا! إنّما مثلكم مثل السراج، يضيء للناس ويحرق نفسه. يا بني إسرائيل! زاحموا العلماء في مجالسهم، ولو جثواً على الركب، فإن الله يحيي القلوب الميّتة بالحكمة، كما يحيي الأرض الميّتة بوابل المطر)[1].

وهذا (سقراط) حكيم أثينا، يقارع (انتيفون) السفسطائي:

(اسمع يا انتيفون! إنّا نعدّ حكيماً، كلّ امرئ يكتسب صداقة الذين يحبّون الجمال والخير. ونسمّي سفسطائيّين، أولئك الذين يتّجرون بالعلم فيبيعونه. فأما من رأى إنساناً فعلّمه ما يعرف من خير، فإنّما يفعل ما ينبغي أن يفعله الخيّرون الطيّبون. فأمّا أنا يا انتيفون! فأحبّ أن أجد أصدقاء صالحين، وأن أعلّمهم ما أعلم من خير، وأبيّن لهم ما انطوت عليه حكمة السابقين من قيم، فإن أصبنا خيراً، وجدنا كسباً كبيراً، بما يجني بعضنا من بعض من نفع)[2].

وهذا (قسّ بن ساعدة الإيادي) – حكيم العرب في الجاهليّة – ركب ناقته الحمراء، ووقف في سوق عكاظ يبشّر بظهور نبيّ جديد:

(أيّها النّاس! اجتمعوا، واسمعوا، وعوا، كلّ من عاش مات، وكلّ من مات فات، وكلّ ما هو آتٍ آت. إن في السماء لخيراً، وإن في الأرض لعبراً، مهادٌ موضوع، وسقفٌ مرفوع، وبحار تموج، وتجارة لن تبور. ليل داجٍ، وسماء ذات أبراج. أقسم قسّ حقّاً: لئن كان في الأمر رضىً، ليكوننّ بعده سخط، وإن لله، عزّت قدرته، ديناً هو أحبّ إليه من دينكم الذي أنتم عليه. ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا هناك فناموا؟؟)[3].

وهذا (فيكتور هيغو) – عظيم الفنّانين بعد الثورة الفرنسيّة – في (حوار بين الكواكب) يرينا فيه الشاعر الإنسان وقد ضاع، وكاد يختفي لضآلته على الأرض، ثمّ يرينا (زحل) وهو يخاطب الأرض الفخورة بما لها من شكل وجسامة:

(ما هذا الصوت التافه الضعيف يهمس؟

(أيّتها الأرض! ما الغاية من دورانك في أفقك الضيق المحدود؟

(وهل أنت سوى حبّة من الرمل، مصحوبة بذرّة من رماد؟

(أمّا أنا، ففي السماء الزرقاء الشاسعة، أرسم إطاراً هائلاً،

(فترى المسافة الكونيّة، وهي فزعة مرعوبة، جمالي مشوّهاً؛

(وهالتي، التي تحيل شحوبة الليالي إلى حمرة قانية،

(ككرات من الذهب تعلو وتهبط متقاطعة في يد الحاوي،

(تبعد، وتجمع، وتمسك سبعة من الأقمار الضخمة الهائلة!

(وها هي ذي الشمس، تجيب:

(سكوتاً، هناك في زاوية من السماوات، أيتها الكواكب، أنتم رعاياي.

(هدوءاً! أنا الراعي، وأنتم الرعيّة.

(وها هي ذي نجوم الدبّ الأصغر تضئ مثل:

(سبع أعين حيّة، لها بدل الحبّات شموس.

(وها هو ذا طريق المجرّة، يصوّر:

(غابة ناضرة جميلة مليئة بنجوم السماء.

(وها هي ذي نجوم مجرّة أخرى، تصوّر عوالم لا تقلّ عن تلك العوالم، متناثرة في الأثير، ذلك الذي لا رمال فيه ولا حصباء في جوانبه، تذهب أمواجه، ولكن لا تعود أبداً إلى شواطئه)[4].

وأمّا النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) فاقرأ ما شئت من روائعه في هذا الكتاب، تجده فوق أن يقارن بكلمات هؤلاء الأدباء أو غيرهم، جميعاً أو أشتاتاً.

فلو كرّسنا نتاج الإنسانيّة كلّها، ووضعناه في كفّة، ووضعنا نتاج الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في كفّة، لرجح الثاني، كمّاً وكيفاً، إذ ليس في الأدب الإنساني كلّه هذا المقدار الذي خلّفه النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) من روائع الفكر السليم، والمنطق المستقيم، في مثل هذا الأسلوب الفريد، وليس في الأدب الإنساني كلّه، ما يتجلّل طابع الصدق والإخلاص، بمثل ما يتجلّله أدب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ذو خاصة نادرة، هي أن أدبه بلغ من قوّة التعبير حدّاً، لا يتمالك القارئ أن يلقي نظرة على سطوره، دون أن يرى قلبه ينتفض على الورق، ويرمقه خلف كلّ كلمة، كفّاً تلوّح وعيناً ترقب، فكأنّ كلماته مرايا تعكسه بلحمه ودمه، وبكلّ تحفّزاته وتحفّظاته، وبشدّة تحرّقه لإنقاذ المعذّبين، ولهفة تطلّعه إلى إرشاد الضالّين.

وهذه الخاصة، جعلت لأدبه قوّة معجزة في الهيمنة على النفوس، حتى لا يقدر أعتى الناس إلاّ أن يخشع له ويلين، لأنّه أدب نبع من صميم ضمير كان منطلقاً لأخلص النوايا الإنسانية النبيلة، وتدفق من قلب رجل، أخلص للإنسان أكثر من أيّ إنسان، ووقف نفسه لخدمة الإنسان كما لم يقف إنسان لخدمة نفسه، فلم يكن موضع اعتراف المؤمنين به فحسب، وإنّما أصبح موضع ثقة أعدائه الذين صعقتهم عظمته، ولكنهم لم يقووا على حبّه فأبغضوه، حتى لم يبق في العالم إنسان واعٍ يشكّ في أنّه أحكم الناس، أو أجدر الناس بزعامة الناس.

ومهما نبغ الأدباء فأحسنوا، وحلّقوا فتعالوا، واندمجوا في أديب واحد، فأنّى له أن يطمح إلى ذلك القلب المفعم بالإيمان، وتلك النفس الجيّاشة بالخير، وهذه الحكمة البالغة، التي لا تزلّ ولا تزيغ، حتى يطمئنّ الناس إلى صدقه وصوابه، فيعترفوا بكلّ ما يكتب أو يقول، بلا نقاش ولا تفكير. فالفارق بين من يقول فيحذر منه الناس، وبين من يقول فيسلّم له الناس، هو أن الأوّل لا يصلح هادياً ولا قائداً، والثاني لا يصلح إلاّ هادياً وقائداً.

وبعد:

فإن كلمات الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) روائع خالدة، تناولها من الإنسان هدفاً، ومن الكون شكلاً، ومن زمانه أسلوباً، ثمّ لوّنها خياله الخصب، فانبعثت فيها امتدادات ونبضات، جعلتها قطعة صميمة من تراب الإنسانيّة، فيها درس للفكر، وتوجيه للأخلاق، ودستور للمجتمع، يسمو على دساتير الأنبياء والمفكرين.

* مقدمة كتاب كلمة الرسول الأعظم (ص) للشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي

……………………………….
[1] – البحار، الجزء الأول، الطبعة القديمة صفحة 48 – 49.
[2] – باختصار، من كتاب (سقراط) للدكتور بهنسي، صفحة 17.
[3] – ناسخ التواريخ، الطبعة الجديدة، المجلد الأول، الجزء الثالث، صفحة 15.
[4] – نظرية الأنواع الأدبية، تأليف (فنسان) الفرنسي، وترجمة الدكتور حسن عون، صفحة 286 – 288.

 

.

رابط المصدر:

https://annabaa.org/arabic/ahlalbayt/28691

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M