مقاتلات إف 16 الأمريكية: هل حصلت تركيا على صفقة مجانية؟

توصف موافقة تركيا على انضمام السويد مؤخرًا إلى حلف الناتو وتصديق البرلمان التركي على الانضمام بالمماطلة السياسية التي يجيدها صانع القرار التركي جيدًا، لأنها تحقق العديد من المكاسب التي لا يحققها الرفض القاطع أو الموافقة الفورية.

صحيح أن ستوكهولم لم تنضم بعد إلا أنها على الأقل استطاعت وبعد ما يزيد على 600 يوم انتزاع موافقة البرلمان التركي، وذلك قبل أن تنتقل عملية التصديق إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وتبقى العقبة الوحيدة أمام عملية انضمام السويد بالكامل هي موافقة المجر التي يبدو إقرارها على إتمام الصفقة بعيد المنال حتى الآن وذلك لأسباب جوهرية سيتم ذكرها لاحقًا.

مكاسب “أردوغان” على صعيد الولايات المتحدة

بدا بديهيًا حالة الربط المتكرر التي صاحبت أخبار موافقة تركيا على انضمام السويد لحلف شمال الأطلسي وبين موافقة صناع السياسة الأمريكيين على منح أنقرة مقاتلات “إف 16” الأمريكية والتي كانت قد حرمت منها لأسباب متعددة كان من أهمها حصول تركيا على منظومة الدفاع الجوي “إس 400” الروسية وهو ما يتيح للولايات المتحدة أن تطبق عليها قانون أعداء أمريكا وهو ما قامت واشنطن بتطبيقه بالفعل، عندما طردت تركيا من برنامج مقاتلات “إف 35”. ويضاف إلى التحفظات الأمريكية على تركيا توغلات أنقرة في المجال الجوي اليوناني.

الإشارة هنا كانت أوضح من أن يتم تجاهلها، حتى أن وزير الخارجية الأمريكي أبلغ الرئيس التركي وخلال زيارتين متتاليتين أنه إذا كان يرغب في الحصول على “إف 16” فإنه. من المهم أن يبدي موقفًا أكثر مرونة بخصوص انضمام السويد لحلف شمال الأطلسي.

ولكن على الرغم من ذلك فإن مواقف أعضاء الكونجرس المتباينة من شأنها أن تعرقل الصفقة، خصوصًا مع وجود العديد من التحفظات على الأداء التركي يعد أبرزها الهجمات المتكررة التي تشنها الحكومة التركية على الحليف الكردي في سوريا.

وإذا كان إتمام الصفقة سيفتح الباب واسعًا أمام عودة الدفء للعلاقات الأمريكية فإنه وعلى الناحية الأخرى فإن رفض الصفقة سيحدث شرخًا في العلاقات لا يمكن تداركه، وهو سيناريو مرجح خصوصًا أن إتمام عملية البيع يتطلب توقيع كبار القادة الأربعة في لجنتي العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ والشؤون الخارجية بمجلس النواب على مبيعات الأسلحة الأجنبية المقدمة إلى الكونجرس، مما يمنح كبار الديمقراطيين والجمهوريين في تلك اللجان حق النقض الفعال على خطط الرئيس الأمريكي لبيع مقاتلات أمريكية الصنع إلى تركيا.

مكاسب أردوغان على صعيد كندا

تمتد مكاسب الموافقة على انضمام السويد للناتو إلى العلاقات العسكرية بين تركيا وكندا، خصوصًا مع رصد حالة التزامن بين قيام أوتاوا برفع حظر الأسلحة المفروض على تركيا وبين موافقة تركيا على انضمام السويد.

وكنت كندا قد وافقت على إعادة فتح المحادثات بشأن هذه المسألة التي تم تجميدها منذ أن اعترضت تركيا في البداية على طلبات عضوية حلف شمال الأطلسي التي قدمتها كل من السويد وفنلندا طالما تعهدت تركيا بالتصديق على طلب السويد.

ويضاف إلى ذلك أن موافقة الولايات المتحدة على صفقة “إف 16” بعثت برسائل اطمئنان لأوتاوا خصوصًا أن أحد أهم مخاوف كندا هو مسألة المستخدم الأخير لأسلحتها والذي يهدد بنقل التقنية لجهات معادية كما أنه قد يستخدم من قبل الجماعات الإرهابية ضمن مفاهيم الاستخدام المسؤول للصادرات العسكرية، وبموجب الاتفاقية ستزود أنقرة أوتاوا بمعلومات عن المستخدمين النهائيين للمعدات الكندية الصنع، خاصة إذا أعيد تصديرها إلى أعضاء من خارج الناتو وبالتحديد أذربيجان وهو ما رصدته كندا في 2020.

ولا تزال أمام تركيا فرصة في خضم هذا الانفتاح على الغرب في التقرب من ألمانيا والحصول على طائرات   “يورو فايتر تايفون”.

عقبة المجر

من حيث مبادئ الحلف لا تنضم دولة جديدة إليه إلا بإجماع الأعضاء مما يجعل مسألة انضمام السويد خطوة مؤجلة بعد موافقة بودابست التي يبدو حتى الآن أنها تتعمد عرقلة الأمر؛ نظرًا لأمور معلقة ترتبط بأوضاع الديمقراطية في المجر حيث منحت منظمة فريدوم هاوس غير الحكومية ومقرها واشنطن المجر درجة 3.96 من أصل 7 نقاط ديمقراطية، مما يعني أنها لم تعد دولة ديمقراطية. ووفقًا للمنظمة غير الحكومية، فقد عزز حزب رئيس الوزراء فيكتور أوربان سيطرته على المؤسسات المستقلة في المجر خلال العقود التي قضاها في السلطة بفضل التغييرات القانونية والدستورية المثيرة للجدل.

ولا تتوقف إثارة “أوربان” للجدل عند هذا الحد؛ إذ تبنت المجر مواقف مغايرة لمواقف حلف الناتو من الحرب الروسية الأوكرانية، وتبنت مواقف متحفظة من المساعدات الأوروبية لكييف ولذلك لا تشعر ستوكهولم بالارتياح لوعود “أوربان” ولديها ورقة يمكن أن تلوح بها  وهي ورقة شركة Jas Gripen السويدية  التي  تحصل منها المجر على طائرات مقاتلة لا تقل كفاءتها عن الطائرات الأمريكية.

ومن وجهة نظر الدول الأعضاء في الناتو فإن المجر لا تتوانى عن الإضرار بسمعة الأطلسي أو توسعاته؛ وذلك بعد أن اتخذت موقفًا داعمًا لروسيا في الحرب الأوكرانية واستطاعت عرقلة المساعدات لكييف في أروقة الاتحاد الأوروبي.

صفقة معلقة

من حيث البناء على المقدمات السابقة، تمكن الإشارة إلى أن انضمام السويد للناتو قد يكون صفقة معلقة ليس فقط بسبب تحفظات المجر ولكن حتى بسبب تحفظات الداخل التركي والذي يمكن أن يعطل الصفقة.

فمن ناحية يرفع المعارضون للصفقة شعارات أن خطر حزب العمال الكردستاني لا يزال قائمًا وكذلك مخاطر منظمة” جولن” التي تنشط في السويد، وقياسًا على ذلك فإن هذا التيار يرى الموافقة على انضمام السويد للناتو بمثابة مقامرة بمصالح الدولة العليا.

وعلى النقيض يرى المؤيدون أن الصفقة لا تقامر بمصالح الدولة العليا وإنما على العكس يمكنها تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب، وهو ما تم لمسه بعد حلحلة الموافقة على صفقة “إف 16” الأمريكية وكذلك عودة العلاقات العسكرية بين تركيا وكندا.

وبين هذا وذاك فمن المهم التذكير بأن انضمام السويد للناتو لم يتعد بعد موافقة البرلمان التركي وليس من الواضح حتى الآن هل تنتقل الموافقة للرئيس التركي مباشرة أم أنه قد يماطل مرة أخرى ويؤجل الموافقة حتى إتمام الخارجية الأمريكية لإجراءات إخطارها للكونجرس بتسليم مقاتلات “إف 16” لتركيا.

وفي حال إذا انتظر “أردوغان” الإخطار الرسمي من الخارجية الأمريكية تكون مدة الـ 15 يومًا قد انتهت مما يعيد الكرة مرة أخرى لملعب البرلمان التركي للموافقة على الصفقة من جديد في عودة لنقطة البدء.

استنتاج: 

  • تتضمن الموافقة على انضمام السويد للناتو مخاطر داخلية قد تؤثر سلبًا على شعبية الرئيس التركي في وقت قريب من الانتخابات المحلية، خصوصًا بعد أن أسفرت الهجمات الأخيرة التي شنها حزب العمال الكردستاني في شمال العراق عن مقتل 21 جنديًا تركيًا. ولكن “أردوغان” قد يكون قادرًا على قلب الطاولة لصالحه في حال تم إتمام صفقة إف 16 الأمريكية والذي من شأنه أن يرفع من شعبيته وبالتالي شعبية حزبه “العدالة والتنمية”.
  • الموافقة على بيع إف 16 لأنقرة لا يعني الارتياح الكامل لها من قبل الولايات المتحدة التي تنظر لتركيا باعتبارها دولة “معاملاتية” تعلي مصالح الوطنية التركية وأمنها القومي على أي شيء آخر بما يتجاوز قيم الأطلسي. والدليل أن تركيا تستهدف يوميًا الأكراد ولا تعر للقلق الأمريكي الكثير من الاهتمام، فضلًا عن أنها تحافظ على علاقاتها مع روسيا.
  • سوف تستمر مسألة الأكراد في تأريق تركيا ليس فقط في علاقاتها مع الولايات المتحدة والسويد ولكن حتى مع الدول الأوروبية التي تستضيف عددًا كبيرًا من الأكراد بعد الإجراءات المناهضة التي اتخذتها ضدهم تركيا وسوريا والعراق منذ عام 2021.
  • ومن الناحية الأخرى، فإن تركيا ومن خلال تجربتها في الانضمام هي نفسها للناتو أو في انضمامها للاتحاد الأوروبي تدرك بوضوح أن المساومة والمماطلة هي الطريق الأمثل للتعامل مع الغرب.
  • يمكن القول إذا إن كلا الصفقتين معلقتان حتى الآن سواء انضمام السويد للناتو بسبب العائق المجري أو حصول أنقرة على طائرات “إف 16” بسبب تحفظات بعض الأجنحة في الكونجرس. ولكن على أي حال، فإن ورقة السويد انتهت صلاحيتها ولم يعد بإمكان الأتراك إعادة توظيفها.

 

المصدر : https://marsad.ecss.com.eg/80727/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M