مَنْ يكتُب قواعد الأمن الإقليمي في غياب الخليج عن طاولة المفاوضات الأمريكية-الإيرانية؟

  • يُثير غياب دول الخليج عن طاولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية تساؤلات جوهرية حول التمثيل داخل هذه العملية، وما إذا كان في مقدور أي اتفاق إنتاج ترتيبات تعكس فعلياً حقائق الأمن الإقليمي وتعقيدات التوازنات في المنطقة. 
  • يُهدِّد منطق التفاوض الحالي – الذي يركز على إدارة المخاطر والملف النووي – بتهميش المخاوف الأمنية الأساسية لدول الخليج العربية، بما في ذلك التهديدات الصاروخية وشبكات الوكلاء والأمن البحري.
  • من المرجح أن يؤدي أي اتفاق محتمل إلى نوعٍ من “التهدئة المنظمة” في الإقليم بدلاً من التوصل إلى حل دائم، مما يقلل من حدة الصراع واسع النطاق مع السماح باستمرار التوترات منخفضة الحدة القابلة للتطور.
  • من دون مشاركة خليجية مباشرة في المفاوضات، قد لا تتوافق الترتيبات الناشئة مع الاحتياجات الإقليمية، مما ينقل عبء إدارة المخاطر الأمنية إلى دول الخليج مع إبقائها خارج عملية صنع القرار.

 

لا يقتصر التحدي في المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران على طبيعة القضايا المطروحة، إذ يمتد إلى مسألة أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة التمثيل داخل هذه العملية. فغياب دول الخليج، وهي من أكثر الأطراف تأثراً بتداعيات الاعتداءات الإيرانية وكذلك بنتائج أي تفاهم،لا يمثل مجرد نقص إجرائي، بل يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذه المفاوضات على إنتاج ترتيبات تعكس فعلياً تعقيدات التوازنات الإقليمية.

 

في اللحظة الراهنة، تتحرك الولايات المتحدة ضمن مقاربة واضحة تهدف إلى احتواء التصعيد وتفادي الانزلاق إلى مواجهة واسعة النطاق، مع التركيز على إدارة المخاطر بدل السعي إلى إعادة تشكيل جذرية للبيئة الإقليمية. وفي المقابل، تسعى إيران إلى الحفاظ على هامش حركة استراتيجي يسمح لها بتثبيت موقعها الإقليمي، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى. وبين هذين المسارين، تتشكل معادلة تفاوضية تميل بطبيعتها إلى إعطاء الأولوية للقضايا الأكثر إلحاحاً من منظور الأطراف المباشرة، وعلى رأسها الملف النووي.

 

غير أن هذا التركيز الانتقائي يحمل في طياته إشكالية واضحة بالنسبة لدول الخليج. فالقضايا التي تمثل جوهر التحدي الأمني بالنسبة لها مثل البرامج الصاروخية، وشبكات النفوذ الإقليمي، وأمن الملاحة في الممرات الحيوية قد لا تحظى بالمعالجة نفسها، أو ربما تؤجل إلى مراحل لاحقة. والمشكلة هنا لا تكمُن في غياب هذه القضايا عن النقاش فحسب، بل في أن غيابها عن التفاهمات قد يمنحها مساحة أكبر للتحرك على أرض الواقع.

 

لا يقتصر التحدي في المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران على جوهر القضايا المطروحة للنقاش، بل يمتد بشكل أساسي إلى مسألة التمثيل (أرشيفية/رويترز)

 

من هذا المنطلق، لا يُتوقَّع أن يؤدي أي اتفاق محتمل إلى إنهاء التوتر بقدر ما سيُعيد تنظيمه ضمن مستويات يمكن إدارتها. فالمفاوضات، في صيغتها الحالية، تميل إلى إنتاج ما يمكن وصفه بـ”التهدئة المنظمة”، حيث يتم تقليل احتمالات التصعيد الكبير، مقابل استمرار أنماط أخرى من التحديات الأقل حدة، لكنها أكثر استمرارية وتعقيداً. وهذا النمط من الاستقرار، على رغم أهميته في تجنُّب الأزمات الكبرى، قد يفرض على دول الخليج بيئة أمنية تتطلب إدارة دائمة للمخاطر، بدلاً من تجاوزها بشكل نهائي.

 

وفي هذا السياق، تبرز مسألة الضمانات الأمنية بوصفها أحد أبرز التحديات. فالضمانات التي لا تُصاغ بمشاركة مباشرة من الأطراف المعنية قد تظل مرتبطة بحسابات أوسع، سواء من جانب القوى الدولية التي تسعى إلى تقليل انخراطها العسكري المباشر، أو من جانب القوى الإقليمية التي تحكمها اعتبارات الردع والتوازن. ونتيجة لذلك، قد تنشأ فجوة بين طبيعة التحديات القائمة ومستوى الضمانات المقدمة، وهو ما يفرض على دول الخليج إعادة التفكير في أدواتها الأمنية، سواء على المستوى الوطني أو الجماعي.

 

ولا تقتصر التداعيات على النتائج المباشرة لأي اتفاق، فهي تمتد إلى القواعد التي قد يُكرِّسها اتفاق كهذا. والثابت أن الاتفاقات الكبرى لا تعالج الأزمات فحسب، بل تسهم في إعادة تعريف ما يُعد سلوكاً مقبولاً في الإقليم، وما يمكن احتواؤه ضمن حدود معينة. وفي حال غياب المشاركة الخليجية في صياغة هذه القواعد، ربما تجد هذه الدول نفسها أمام منظومة إقليمية جديدة تتطلب التكيف معها، دون أن تكون قد ساهمت بشكل مباشر في تحديد معاييرها.

 

وفي هذا الإطار، من المحتمل أن يؤدي أي تفاهم لا يعكس بصورة كافية مصالح دول الخليج إلى نقل جزء من أعباء إدارة التوازنات الإقليمية إليها، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في صياغتها. وهو ما يعكس تحولاً تدريجياً في طبيعة الدور، من شريك في صياغة الترتيبات، إلى طرف يتحمل جزءاً من تبعاتها التشغيلية على أرض الواقع.

 

أي تفاهم أمريكي-إيراني لا يُراعي بشكل كافٍ مخاوف دول الخليج ومصالحها قد يؤدي إلى إعادة توزيع الأعباء المرتبطة بالحفاظ على الاستقرار الإقليمي (شترستوك)

 

مع ذلك، فإن هذه التحديات لا تُلغي وجود فرص يمكن البناء عليها. فالمسار التفاوضي، على رغم محدودياته، قد يفتح المجال أمام تطوير أُطُر أكثر شمولاً للأمن الإقليمي، تقوم على توسيع دائرة الحوار، وتعزيز قنوات التنسيق، وإدماج مختلف الأطراف في ترتيبات أكثر توازناً. كما يبرز في هذا السياق الدور المتزايد لدول الخليج في تعزيز قدراتها الذاتية، وبناء شراكات متعددة، بما يُتيح لها هامشاً أكبر من الفاعلية في بيئة إقليمية متغيرة.

 

في المحصلة، لن يتشكل مستقبل الاستقرار الإقليمي بمعزل عن الخليج، بل عبره وبالارتباط به. ويتمثَّل التحدي الأساسي في ضمان أن تكون دوله جزءاً فاعلاً في صياغة هذا المستقبل، لا مجرد طرف يتعامل مع نتائجه. إنّ أي صيغة للتفاهم مع إيران تتطلب، أولاً، أخذ المصالح الخليجية الاستراتيجية في الحسبان؛ وثانياً، ألا يبقى الخليج تحت ضغط إدارة المخاطر والاستمرار في حالة طوارئ؛ بسبب هشاشة التفاهمات وافتقارها لأسس منظومة أمنية إقليمية تُعالِج مخاوف الجميع. في غياب هذين العنصرين سنعود إلى وضعٍ أسوأ من مرحلة ما قبل الحرب!!

 

وفي الخلاصة النهائية، فإن الإشكالية لا تكمُن في غياب دول الخليج عن المفاوضات، وإنما في احتمال أن تتشكل نتائجها في غياب رؤيتها وصوتها.

 

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M