هل مصير “تيك توك” يعتد به في الاقتصاد العالمي؟

هاميش ماكراي

 

يمثل مصير “تيك توك”، في شكل غير متوقع، واحدة من أكبر القصص في زمننا، وهي قصة ستساعدنا في فهم كيف سيتطور اقتصاد العالم على الأرجح خلال السنوات الـ 30 المقبلة. كما أنها تتعلق بالطبع بالتنافس العالمي بين الولايات المتحدة والصين، وتخص أيضاً العمل السياسي الأميركي، والشؤون المالية الدولية، والتفاعل بين التكنولوجيا والسلوك البشري، والمعركة بين الشركات العملاقة العاملة في قطاع التكنولوجيا الفائقة والواقعة على الساحل الغربي الأميركي، إضافة إلى الدور الثانوي الذي قد تؤديه المملكة المتحدة في اللعبة الكبرى في ضوء تخطيط الشركة الأم لـ “تيك توك” لنقل مقرها الرئيسي إلى لندن.

أمر غير متوقع؟ نعم، إنه كذلك. فقد أصبح هذا، بحق السماء، وهو تطبيق الفيديوهات المخصص للمتذاكين الذي يتحكم بحركة الشفتين، بدعة العام، وتقل أعمار ثلثي مستخدميه عن 30 سنة. لكنه مهم جداً وإليكم ستة أسباب تبرر أهميته.

أولاً، يُعتبَر “تيك توك” أول شبكة اجتماعية مبتكرة حقاً تصدر من الصين. فحتى الآن لم تكن المنصات الصينية، بصراحة، سوى مستنسخات عن نظيرتها الأميركية. إلا أن هذه المنصة مختلفة، فهي تظهر أن بكين تستطيع منافسة أميركا بطريقة تعجز عنها أوروبا، مثلاً.

ثانياً، يُدخِل التطبيق الصين إلى السوق الهندية، فازدياد عدد المشتركين الهنود جعل إجمالي تحميلاته يتخطى سقف المليارين. وستكون الهند قريباً الدولة الأولى في العالم من حيث عدد السكان، متجاوزة الصين في هذا المجال، غير أن الأولى إلى اليوم تعتبر الولايات المتحدة، لا الصين، قدوتها الاجتماعية والاقتصادية. وستظل على رأيها، لكن التطبيق هو المثال الأول على وصول “القوة الناعمة” الصينية إلى أحد البلدان الأهم لمستقبل العالم.

ثالثاً، يشعر دونالد ترمب بغضب. وبغض النظر عن رأيكم في الرجل، فهو يفهم بالفطرة وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة بالكاد يعرفها حقاً أي سياسي أميركي يزيد عمره على 30 سنة. فهو يدرك أن تحكم الصين بمنصة مهمة لوسائل التواصل الاجتماعي كهذه سيجعلها حتماً قادرة على التأثير في العمل السياسي الأميركي، بغض النظر عمن يكون في البيت الأبيض أو أي حزب يحوز الغالبية في الكونغرس.

رابعاً، إذا تمكنت “مايكروسوفت” فعلاً من التحكم بالجانب الأميركي من “تيك توك”، سيضع ذلك الشركة الأميركية القديمة الجليلة العاملة في مجال التكنولوجيا الفائقة في تنافس مباشر مع منافساتها الأحدث، لا سيما “فيسبوك” و”غوغل”. ويمثّل ذلك أخباراً طيبة للمؤمنين بأن أفضل طريقة للحفاظ على التنوع أو التعدد في مجال المعلومات والآراء (وجهات النظر) في عالم متشظٍّ تتلخّص في تنوع منصات وسائل التواصل الاجتماعي. وبعبارة أخرى، إذا برز نظام “أوليغوبولي” (احتكار القلة)، وأخشى أن طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي تجعل احتكار القلة أمراً حتمياً، فالأفضل وجود خمسة أو ستة لاعبين عمالقة بدلاً من اثنين أو ثلاثة.

خامساً، للسمعة أهميتها. تتمتع “مايكروسوفت” بالاحترام، على الرغم من كل الشوائب في أدائها، لا سيما أنها تستغل في شكل عدواني هيمنة برمجياتها منذ سنوات. وإذا تمكنت حقاً من تولي مسؤولية “تيك توك” في الولايات المتحدة، فسيعود الفضل في ذلك إلى الاحترام الذي راكمته على امتداد سنوات كثيرة. وقدرتها على شراء التطبيق ليست موضع تساؤل. فالقوة المالية لقطاع التكنولوجيا الفائقة في الساحل الغربي مذهلة بكل ما للكلمة من معنى، لكن الشركات الأعضاء في النادي التي تُعتبَر حسنة السلوك تملك مجالاً أوسع لنشر تلك القوة مقارنة بالشركات السيئة السمعة.

وأخيراً، هناك مسألة الانتقال المحتمل للمقر الرئيسي للشركة الأم للتطبيق، “بايت دانس ” ByteDance، إلى لندن. ووردت تعليقات كثيرة حول الأمر بعبارات جيوسياسية. فهل ستزعج خطوة كهذه دونالد ترمب بما أنه يحاول حظر التطبيق في الولايات المتحدة؟ وهل ستشير إلى هدنة بين الصين والمملكة المتحدة في ما يتعلق بخلافاتهما الجارية حول هونغ كونغ و”هواوي”؟ وماذا يعني الأمر بالنسبة لدور المملكة المتحدة في العالم بعد بريكست؟

أفهمُ هذه الأنواع من الأسئلة لكنني أرى أنها غير مهمة كثيراً على الأمد البعيد. فالمهم هو إدارة العلاقة بين الصين والولايات المتحدة بطريقة مدروسة ومنظمة. فالبلدان سيكونان القوتين العظميين خلال السنوات الـ 30 المقبلة، وفي غضون 10 سنوات ستصبح الصين الاقتصاد الأكبر. ومن المرجح أنها أصبحت سلفاً أكبر من الاتحاد الأوروبي بعد انسحاب المملكة المتحدة من الأخير. حري بالولايات المتحدة والصين التفاهم. وتقتصر أهمية البلدان الباقية على قدرتها على مساعدتهما في ذلك.

ولو رغبت الشركة الأم لـ “تيك توك” في اتخاذ لندن مقراً يجب تشجيعها على ذلك لأن ذلك مفيد لنا على المدى الأطول. فنحن لسنا الولايات المتحدة. ونحن نتخذ قراراتنا بأنفسنا. وستكون بيننا وبين أميركا اختلافات مهمة في وجهات النظر، وهي تباينات ستستمر. لكننا تعاونا لسنوات كثيرة في مجال الأمن المشترك، بما في ذلك من خلال الشبكة الأمنية “فايف آيز”Five Eyes، وسنستمر في ذلك.

وأتوقع أن الولايات المتحدة ستتصدر العالم بوضوح في نهاية المطاف، حتى ولو كانت الصين ستبقى صاحبة الاقتصاد الأكبر حجماً لمدة ما. لكن في هذه الأثناء يمثل هذا الشيء الصغير الغريب الذي تحملونه على هاتفكم إشارة واضحة إلى أن الصين ستكون منافساً قوياً، وهذا أمر حسن. فجميعنا في حاجة إلى التنافس، طالما هو تنافس منظم ومنصف ومشرع أمام النقد والتدقيق.

رابط المصدر:

https://www.independentarabia.com/node/141251/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/%D9%87%D9%84-%D9%85%D8%B5%D9%8A%D8%B1-%D8%AA%D9%8A%D9%83-%D8%AA%D9%88%D9%83-%D9%8A%D8%B9%D8%AA%D8%AF-%D8%A8%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%9F

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M