الاتفاق الإطاري بين إسرائيل ولبنان: تكريس للواقع العسكري أم خطوة مهمة لإنهاء الصراع؟

  • يُحيّد الاتفاق، عملياً، أدوار فاعلين آخرين مثل فرنسا وحتى قوات “اليونيفيل” من أداء دور في متابعة تنفيذه.
  • الاتفاق، بحسب أوساط إسرائيلية، يمثل انتصاراً سياسياً لتيار ماركو روبيو على تيار جي دي فانس، الذي توصل إلى تفاهمات مع إيران بشأن لبنان كان من شأنها تهميش دور إسرائيل في الشأن اللبناني.
  • الولايات المتحدة ستضع ثقلها في إنجاح الاتفاق لإنجاح فكرة المناطق التجريبية وبدء الانسحاب الإسرائيلي من لبنان بشكل تدريجي، وذلك لإدراكها أن التأخر في تنفيذ الاتفاق قد يهدد بانهياره.
  • الواقع الذي أنتجه الاتفاق الإطاري قد يستمر لسنوات، وهذه المدة كفيلة بتصدعه وإضعافه، إلا إذا جاءت حكومة جديدة في إسرائيل تتعامل بطريقة مختلفة مع الجبهة اللبنانية.

 

وقّع كلٌّ من لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية في واشنطن في 26 يونيو 2026، على اتفاق إطاري يتضمن مبادئ عامة تتعلق بوقف الأعمال العدائية، وترتيبات أمنية مرحلية، وإطلاق مسار تفاوضي سياسي طويل الأمد. وقد عَدَّ رئيسُ الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الاتفاق إنجازاً دبلوماسياً كبيراً، مؤكداً مرة أخرى عدم انسحاب إسرائيل الكامل من لبنان قبل نزع سلاح حزب الله، في حين وصف رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون الاتفاق بأنه تاريخي يضمن حقوق لبنان، ومشدّداً على أنه اتفاق مرحلي وليس نهائياً. وبالرغم من التوقيع على الاتفاق، فإنه يواجه الكثير من التحديّات والمعوقات التي قد تجعل مصيره يشبه مصير اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة في لبنان.

 

تناقش هذه الورقة المقاربة الإسرائيلية للاتفاق الإطاري مع لبنان، والسياسات الإسرائيلية المتوقعة تجاه لبنان في المرحلة المقبلة.

 

الاتفاق الإطاري.. المضمون والمصالح الإسرائيلية

 

أفْضت جولةُ المباحثات اللبنانية-الإسرائيلية الخامسة في واشنطن إلى التوقيع في 26 يونيو على اتفاق إطاري بين الطرفين من 14 بنداً. اعتبرت أغلب التقديرات الإسرائيلية أن الاتفاق يصب في مصلحة إسرائيل، ويجعل العمليات العسكرية في لبنان ذات أفق سياسي واضح للمرحلة المقبلة.

 

يشير الاتفاق إلى مركزية مسألة نزع سلاح حزب الله، وينص على انسحاب الجيش الإسرائيلي بشكل تدريجي من المناطق التي أكمل فيها تدمير البنية العسكرية لحزب الله، وفي أعقاب ذلك يدخل الجيش اللبناني ويأخذ زمام المسؤولية الأمنية في تلك المناطق، التي أُطلق عليها اسم “مناطق تجريبية”، تحت رقابة أمريكية، ويعمل على منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية فيها. ونص الاتفاق على انسحاب الجيش الإسرائيلي من مناطق تجريبية وتسليمها للجيش اللبناني، وجرى الاتفاق على الانسحاب من منطقتي فرون والغندورية في قضاء بنت جبيل وزوطر الغربية في قضاء النبطية، واتضح لاحقاً أن هذه المناطق لم تكن خاضعة أصلاً لسيطرة الجيش الإسرائيلي[i].

 

في الجانب الآخر، يؤكد الاتفاق على سيادة الدولة ووحدة الأراضي اللبنانية (البنود 1 و4 و8)، ونفي إسرائيل لوجود أطماع أو مطالب إقليمية لها في لبنان (البند 5). ويضمن الاتفاق بسط الدولة اللبنانية سيطرتها على جميع الأراضي اللبنانية وذلك وفق شروط محددة وبشكل تدريجي، وضمن استمرار المباحثات بين لبنان وإسرائيل (البند 2). ويضمن الاتفاق أيضاً عودة النازحين إلى المناطق التي تخضع لسيطرة الجيش اللبناني، وإعادة الإعمار فيها بعد انسحاب القوات الإسرائيلية (البند 3). وتتعهد الولايات المتحدة بموجب الاتفاق بتجنيد الشركاء الدوليين لدعم الدولة اللبنانية وإعادة الإعمار، وإنعاش الاقتصاد وتحقيق الازدهار في لبنان (البند 10). بالإضافة إلى ذلك ينص الاتفاق على التزام الدولتين “بوقف جميع الأعمال العدائية أو المناوئة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية”، كما يطرح مسألة رفات الموتى والمحتجزين والعمل المشترك بين الدولتين لحل هذه المسألة (البند 13).

 

يشمل الاتفاق الإطاري ملحقاً أمنياً لا يزال سرياً، وهو على ما يبدو الذي يُفصّل مسألة الانسحابات وآلية تقييم نجاح الجيش اللبناني في بسط سيطرته على المناطق التي يدخلها باتفاق مع الجيش الإسرائيلي، وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله في هذه المناطق. فقد جاء في البند الثاني من الاتفاق ما يأتي: “تُحدَّد تفاصيل هذا المسار في ملحق أمني يُعد بدعم كامل من الولايات المتحدة الأمريكية ويُكمل هذا الإطار. ويحدد الإطار التدابير المطلوبة، والترتيبات الأمنية، وآليات التحقق اللازمة لدفع هذا المسار قدماً. ومن شأن التنفيذ الناجح لهذا الإطار أن يُمهد الطريق لعلاقة مستقرة وسلمية بين البلدين، وأن يتيح للقوات الإسرائيلية إعادة انتشارها خارج الأراضي اللبنانية”[ii].

 

حظي الاتفاق بدعم أغلب وزراء الحكومة الإسرائيلية، في حين عارضه بعض الوزراء، مثل وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، الذي هاجم الاتفاق لأنه يعتقد أنه لا يمكن الثقة بالحكومة اللبنانية، وأنه يجب الاعتماد على الجيش الإسرائيلي فقط لتدمير حزب الله[iii]. وفي المقابل بارك وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الاتفاق، واعتبر أنه يمنح إسرائيل الشرعية للبقاء في المنطقة الأمنية العازلة[iv]. أما المعارضة الإسرائيلية فكان موقفها متحفظاً من الاتفاق لعدم ضمانه نزع سلاح حزب الله على أرض الواقع.

 

ويمكن القول إن إسرائيل حققت مجموعةً من المصالح في الاتفاق مع لبنان، أهمها:

 

أولاً، تبني السردية الإسرائيلية في توصيف الأزمة: فقد تبنى نص الاتفاق التبرير والسردية الإسرائيلية المتعلقة بعملياتها العسكرية في لبنان، حيث أكد الاتفاق أن الهجمات العسكرية لحزب الله هي سبب الأزمة الحاصلة بين الدولتين، فضلاً عن أن أعمال إسرائيل العسكرية في لبنان تدخل في إطار حقها في الدفاع عن النفس. فقد جاء في البند الخامس من الاتفاق ما نصه: “تؤكد حكومة دولة إسرائيل أن عملياتها العسكرية في لبنان جاءت حصراً نتيجة للهجمات والتهديدات والنيات العدائية الصادرة عن الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، لاسيما حزب الله. وتشدد حكومة إسرائيل على أن إنهاء هذا التهديد، من خلال نزع سلاح هذه الجماعات وتفكيك بنيتها في كل أنحاء لبنان، إلى جانب الترتيبات الأمنية الإضافية التي يتفق عليها البلدان، سيزيل أي حاجة مستقبلية لأي عمل عسكري أو وجود عسكري للقوات الإسرائيلية في لبنان”[v]. علاوة على ذلك، فإن الاتفاق يدشن مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، إذ تم توقيعه بالعلن من طرف ممثلي الدولتين، ويشير إلى أن الهدف منه هو “التوصل إلى سلام كامل ودائم بين البلدين” (البند 12)، ما يمثل إنجازاً دبلوماسياً لإسرائيل، كما أشار إلى ذلك نتنياهو[vi].

 

ثانياً، الحصول على شرعية أمريكية-لبنانية للمنطقة العازلة، إذ تعتبر هذه المسألة جوهر المصالح الإسرائيلية من الاتفاق، والذي يربط الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان بنزع كامل لسلاح حزب الله[vii]، مع تأكيد الاتفاق أن إسرائيل ستكون فاعلة في المصادقة على نجاح عمليات حصر السلاح ونزعه. وقد صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن إسرائيل لن تنسحب من لبنان على المدى البعيد، وأكد نتنياهو مرة أخرى خلال بيانه عن الاتفاق على أن إسرائيل سوف تحتفظ بالمنطقة الأمنية العازلة، وأن الانسحاب الإسرائيلي لن يشمل هذه المنطقة.

 

ثالثاً، ينص الاتفاق في البند السابع على إقامة لجنة تنسيق ثلاثية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة لمتابعة تنفيذ الاتفاق، وهو عملياً يُحيّد أدوار فاعلين آخرين مثل فرنسا وحتى قوات “اليونيفيل” (العضوين في لجنة “الميكانيزم” المنبثقة عن اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024) في متابعة تنفيذ الاتفاق، وعملياً يمنح إسرائيل دوراً في تحديد معايير النجاح في تنفيذ الاتفاق، وبخاصة فيما يتعلق بنجاح الجيش اللبناني في المناطق التجريبية.

 

رابعاً، فصل المسار الإيراني عن الجبهة اللبنانية، فقد اعتبر نتنياهو أن الاتفاق مع لبنان “ضربة كبيرة” لإيران، وأضاف في تعقيبه على الاتفاق أن “إيران حاولت فرض انسحاب إسرائيلي بالقوة من جنوب لبنان، وعملياً فإن إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة قالوا لهم، هذا ليس شأنكم، ليس لديكم أي دور في لبنان”[viii]. وبينما أدخلت إيران وقف إطلاق النار في لبنان ضمن مذكرة التفاهم التي وقّعتها مع الولايات المتحدة، ثم تحوَّلت إلى عضو في لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، إلى جانب الطرفين الأمريكي والقطري، وهو ما أزعج إسرائيل، فإن الاتفاق الحالي يمنح الولايات المتحدة الدور الأساسي في مراقبة تنفيذ الاتفاق. واعتبرت أوساط إسرائيلية أن الاتفاق مع لبنان يمثل انتصاراً سياسياً لتيار وزير الخارجية ماركو روبيو على تيار نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الذي توصل إلى تفاهمات مع إيران بشأن لبنان في جنيف كان من شأنها تهميش دور إسرائيل في الشأن اللبناني[ix].

 

خامساً، تكريس مبدأ الحق في الدفاع عن النفس، فالاتفاق يمنح إسرائيل الحق بالدفاع عن النفس ضد تهديدات للجيش الإسرائيلي في لبنان، فضلاً عن التزام لبنان والولايات المتحدة في البند 11 من الاتفاق بالعمل سويّة لمنع وصول أموال إلى حزب الله[x]. بناء على ذلك، بموجب الاتفاق فإن الجيش الإسرائيلي يستطيع استمرار شن الهجمات على حزب الله تحت ذريعة الدفاع عن النفس، والادعاء أن ذلك يدخل ضمن تفاهمات تنفيذ الاتفاق، كما فعلت إسرائيل بعد اتفاق وقف الأعمال العدائية في نوفمبر 2024.

 

العوامل التي دفعت إسرائيل إلى التوقيع على الاتفاق

 

يبدو أن إسرائيل اختارت التوقيع على الاتفاق مع لبنان تحت وطأة العوامل الآتية:

 

أولاً، نتائج مباحثات سويسرا، ففي نفس الأسبوع الذي بدأت فيه مباحثات الجولة الخامسة بين لبنان وإسرائيل، توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات مشتركة حول لبنان لا تشمل أي دور لإسرائيل، والتي سبقها التوقيع على مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة والتي نصت على وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، دون أن يكون لإسرائيل أيّ دور فيه. وبناء على ذلك، أدركت إسرائيل أن المخرج الوحيد لهذا المأزق هو التوقيع على اتفاق مع لبنان يُعيد زمام المبادرة السياسية إلى الجانب الإسرائيلي ويحيّد أي دور إيراني في الشأن اللبناني.

 

ثانياً، تحوُّل جبهة لبنان إلى عبء عسكري على إسرائيل، فقد باتت الخسائر العسكرية في جبهة لبنان ثقيلة دون وجود أي أفق لإنهاء العمليات العسكرية سياسياً وميدانياً، حيث قُتل في لبنان نحو 40 ضابطاً وجندياً منذ مارس الماضي، مما زاد الغضب على الحكومة والتشكيك في جدوى العمليات العسكرية التي لا تحقق أهدافها بمنع حزب الله من استمرار إطلاق النار على بلدات الشمال واستهداف الجنود في لبنان. ومن جهة ثانية، يخدم الاتفاق نتنياهو على المستوى الداخلي، وذلك بتعطيل البتّ بقانون التجنيد للحريديم، لتراجع الحاجة إلى قوات الاحتياط بعد الاتفاق في لبنان، حيث كان الجيش يحذر مراراً أنه في حالة إرهاق وتعب ويحتاج إلى آلاف الجنود ليستطيع استمرار العمليات في لبنان وتأمين المساحات الواسعة التي احتلها. وفعلاً، بدلاً من أن يقوم نتنياهو بتشريع قانون لتجنيد الحريديم، يعمل على إقرار قانون أساس (قانون دستوري) لتعليم التوراة، يساوي فيه بين حقوق قوات الاحتياط وطلبة المدارس الدينية.

 

ثالثاً، غياب أفق سياسي للعمليات العسكرية، إذ تحولت هذه المسألة إلى جوهر النقد في إسرائيل ضد سياسات نتنياهو، وزادت حدة النقد ضده بعد توقيع مذكرة التفاهمات الأمريكية-الإيرانية، حيث تحولت العمليات العسكرية إلى عمليات دون هدف سياسي واضح لها، أو أنها تخضع لأهداف متقلبة ومتغيرة كل الوقت، في حين كان الاتفاق مع لبنان في متناول اليد لو رغبت الحكومة الإسرائيلية في ذلك، وكان يُمكن التوصل له قبل مذكرة التفاهم الإيرانية-الأمريكية. وعليه فإن تصاعد هذا النقد، بالترافق مع العوامل المذكورة أعلاه، دفعت نتنياهو إلى التوقيع على الاتفاق في هذا التوقيت بالذات.

 

رابعاً، توتر العلاقة بين نتنياهو وترامب، فقد تفاقم التوتر بين الرجلين، وظهر ذلك في تصريحات لترامب وفانس ضد نتنياهو والحكومة الإسرائيلية. وبعد أربع جولات من المباحثات أدركت إسرائيل أن ترامب سئم من المماطلة الإسرائيلية في التوصل إلى اتفاق، لدرجة أن ترامب شكك في دخول نتنياهو الانتخابات المقبلة في إسرائيل، وهي إشارة إلى بداية تخلّيه عنه، فجاء التوقيع على الاتفاق كجزء من تحسين العلاقة مع ترامب، الذي أشار بعد ذلك إلى أنه سيلتقي نتنياهو في الأسبوع الثاني من شهر يوليو.

 

تحديات وعوائق الاتفاق

 

بالرغم من احتفاء الأطراف الثلاثة بالاتفاق، فإنه يُواجه العديد من التحديات والمعوقات التي قد تجعله كسابقه من اتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان، ومن أبرز هذه التحديات:

 

أولًا، موقف حزب الله وغياب الإجماع السياسي عليه في لبنان، إذ وُقِّع الاتفاق بين إسرائيل ولبنان الرسمي، ولم يكن حزب الله طرفاً في الاتفاق، وهو يراهن على الموقف الإيراني لتحقيق أهدافه من المواجهة مع إسرائيل. وقد أعلن الحزب معارضته للاتفاق، معتبراً إياه خضوعاً لبنانياً للمصالح الإسرائيلية وتكريساً للاحتلال الإسرائيلي في لبنان، مؤكداً أنه لا يَعتبر نفسه مُلزماً به. وترى تحليلات إسرائيلية أن هذا العامل سوف يُفشل الاتفاق، ويُحوله من اتفاق لحل النزاع إلى اتفاق آخر لإدارة النزاع، كما حدث مع قرار مجلس الأمن رقم 1701، واتفاق وقف إطلاق النار عام 2024، والهدن المتلاحقة بعد أبريل 2026[xi]. علاوة على ذلك، لا يحظى الاتفاق بإجماع سياسي كبير في لبنان، ففضلاً عن معارضة حزب الله، فإن حركة أمل أعلنت عن معارضتها للاتفاق لأنه لا يشمل الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، حيث اعتبر نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني أن الاتفاق أسوأ من اتفاق 17 مايو 1983، ويعمق الفتنة الداخلية، وأن مصيره الفشل[xii]. بل إن رئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة اعتبر أن الاتفاق يحمل الكثير من الغموض حول مستقبل الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، منتقداً استعمال الاتفاق مصطلح “إعادة الانتشار” بدل الانسحاب، وعدم تضمينه وقف إطلاق النار الشامل، واعتماده على حسن النوايا لدى الطرف الإسرائيلي[xiii].

 

ثانياً، موقف إيران، إذ تعارض إيران الاتفاق لأنه يتناقض مع التفاهمات التي توصلت لها مع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في جنيف، حيث تم الاتفاق على أن تُجري إيران والولايات المتحدة مباحثات حول لبنان، في حين أن الاتفاق الإطاري يستبعد إيران بشكل مباشر من الشأن اللبناني[xiv]. وقد تربط إيران تقدم المباحثات مع الولايات المتحدة بتنفيذ تفاهماتها مع الولايات المتحدة حول لبنان، أو المطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان.

 

ثالثاً، ضعف الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية، إذ تعتبر أغلب التقديرات الإسرائيلية هذا العامل المعوق الأساسي أمام نجاح الاتفاق، فرغم أهميته السياسية فإن تلك التقديرات متشائمة تجاه إمكانية نجاح الجانب العسكري-الأمني فيه بسبب ضعف الجيش اللبناني والانقسام اللبناني الداخلي حول الاتفاق[xv]. وتشير تحليلات إسرائيلية إلى أن الاتفاق جيد على الورق، فهو ينطلق من مقولة أن الجيش اللبناني قادر على نزع سلاح حزب الله، وفي حال فشل الجيش اللبناني في تحقيق ذلك فإن مصير الاتفاق سيكون الفشل على الأرض، حيث ستستمر العمليات العسكرية والاحتلال الإسرائيلي لمناطق في جنوب لبنان[xvi].

 

رابعاً، المماطلة الإسرائيلية في البدء بتطبيق فكرة المناطق التجريبية في لبنان واستمرار العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني، ما يَشي أن إسرائيل غير معنية في الوقت الحالي بالانسحاب من أجزاء من المناطق التي احتلتها خارج المنطقة الأمنية العازلة. وتُبرر إسرائيل مماطلتها بأنها تريد التأكد من قدرة الجيش اللبناني على بسط سيطرته على المنطقتين التجريبيتين، وذلك ليكون انسحاب الجيش الإسرائيلي آمناً، ولا يهدد القوات الإسرائيلية في الجنوب[xvii]. وصرّح رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، إيال زمير، خلال جولة له في جنوب لبنان بعد توقيع الاتفاق، أن على الجيش اللبناني تحمل مسؤولياته والتزاماته في المناطق التجريبية، وهو نقد مبطن وتشكيك بقدرات الجيش اللبناني على تنفيذ ذلك.

 

وفي هذا الصدد، أشارت تقارير إلى أن الولايات المتحدة ستضغط على الأطراف لتنفيذ الاتفاق، وبدء تنفيذ فكرة المناطق التجريبية، وأن الولايات المتحدة تضع ثقلها في إنجاح الاتفاق لإنجاح فكرة المناطق التجريبية وبدء الانسحاب الإسرائيلي من لبنان بشكل تدريجي، وذلك لإدراك الولايات المتحدة أن التأخر في تنفيذ الاتفاق قد يهدد بانهياره[xviii]. كما أن واشنطن لا تريد للجبهة اللبنانية أن تؤثر سلبياً على مسار المفاوضات مع إيران للتوصل إلى اتفاق نهائي.

 

استنتاجات

 

يتعلق نجاح الاتفاق الإطاري بقدرات الدولة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، ويتمثل الإنجاز الإسرائيلي في الاتفاق في تحرير إسرائيل من أي التزام بالانسحاب الكامل من لبنان قبل نزع سلاح حزب الله.

 

وتُعوِّل كلٌّ من الولايات المتحدة وإسرائيل على أن يضع الاتفاق الحكومة اللبنانية أمام التزام يدفعها نحو التحرك بقوة ضد حزب الله، وإلا فإن إسرائيل ستبرر بقاءها في جنوب لبنان بذريعة هذا الالتزام الذي وقعت عليه الدولة اللبنانية.

 

والواقع الذي أنتجه الاتفاق الإطاري قد يستمر لسنوات، وهذه المدة كفيلة في تصدعه وإضعافه، إلا إذا جاءت حكومة جديدة في إسرائيل تتعامل بطريقة مختلفة مع الجبهة اللبنانية وتكون مستعدة لانسحابات عميقة بالمقارنة مع الحكومة الحالية.

 

المصدر 

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M