السرديات الاستراتيجية والتأطير الرقمي للأزمة الإيرانية لعام 2026 قراءة مقارنة في الخطاب الدبلوماسي العُماني والباكستاني عبر منصة إكس

مقدمة

أصبحت الأزمات الإقليمية المعاصرة تدار داخل بيئة اتصالية تتجاوز حدود المفاوضات المغلقة والبيانات الدبلوماسية التقليدية إذ باتت المنصات الرقمية جزءا أصيلا من بنية الفعل السياسي وأداة مؤثرة في تشكيل التصورات العامة وتحديد المسؤوليات وصياغة المواقف وتوجيه انتباه الجمهور نحو زوايا محددة من الحدث وفي هذا السياق لم تعد الدبلوماسية الرقمية مجرد امتداد تقني للسياسة الخارجية بل تحولت إلى مجال استراتيجي تتنافس فيه الدول على إنتاج المعنى وبناء الشرعية وتعزيز صورتها وإدارة علاقاتها مع الأطراف المتعارضة خلال الأزمات

وتقدم الأزمة الإيرانية لعام 2026 نموذجا كاشفا لهذا التحول نظرا لما اتسمت به من تداخل بين الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية والمذهبية والدبلوماسية ولما ترتب عليها من ارتفاع مستويات القلق الإقليمي واتساع احتمالات التصعيد وتأثر أمن الملاحة والطاقة والاستقرار المجتمعي في المنطقة وقد دفعت هذه البيئة المعقدة الدول المحيطة بإيران والقوى المرتبطة بها إلى صياغة خطابات رقمية محسوبة تراعي من جهة مصالحها الوطنية ومن جهة أخرى حساسيات علاقاتها مع الأطراف المتنافسة

ومن بين النماذج الجديرة بالتحليل يبرز الخطابان الدبلوماسيان لسلطنة عمان وجمهورية باكستان الإسلامية بوصفهما خطابين صادرين عن دولتين ترتبطان بإيران بعلاقات جغرافية وسياسية وأمنية مهمة إلا أن كل دولة تنطلق من موقع استراتيجي مختلف وتملك تصورا خاصا لدورها الإقليمي ولذلك فإن المقارنة بين الخطابين لا تكشف فقط عن اختلاف الأساليب الاتصالية بل تكشف كذلك عن اختلاف فلسفة السياسة الخارجية وطبيعة المصالح الوطنية وحدود الحركة الدبلوماسية المتاحة لكل دولة

الدبلوماسية الرقمية بوصفها ممارسة لصناعة الواقع السياسي

تقوم الدبلوماسية في صورتها التقليدية على التفاوض والتمثيل الرسمي ونقل الرسائل بين الحكومات وإدارة المصالح الخارجية غير أن البيئة الرقمية أضافت إلى هذه الوظائف بعدا جديدا يتمثل في مخاطبة الجمهور مباشرة وفي الوقت الفعلي وبناء صورة الدولة أمام جماهير متعددة داخلية وخارجية وأصبحت المؤسسات الدبلوماسية مطالبة بأن تشرح مواقفها وأن تقدم سرديتها للأحداث وأن تواجه المعلومات المنافسة وأن تحافظ في الوقت ذاته على درجة عالية من الدقة والانضباط

ويعني ذلك أن المنشور الدبلوماسي القصير لم يعد نصا عابرا بل أصبح فعلا سياسيا مكثفا يمكن أن يؤدي وظيفة التهدئة أو التحذير أو التضامن أو الضغط أو التبرير أو نفي المسؤولية وقد تختار الدولة كلمة مثل الحوار بدلا من الردع أو تستخدم مفهوم الاستقرار بدلا من الانتصار أو تركز على حماية المدنيين بدلا من التوازن العسكري وكل اختيار لغوي من هذه الاختيارات يعكس رؤية سياسية ويقترح على الجمهور طريقة محددة لفهم الأزمة

ويؤدي التأطير الرقمي هنا دورا مركزيا لأنه يحدد العناصر التي يجري إبرازها والعناصر التي يتم إغفالها فعندما تقدم الأزمة باعتبارها تهديدا للأمن الإقليمي فإن الحل يصبح مرتبطا بالردع والتنسيق الأمني وعندما تقدم بوصفها نتيجة لغياب الحوار فإن الحل يتجه نحو الوساطة والتفاوض وعندما تؤطر باعتبارها انتهاكا للقانون الدولي فإن الخطاب يتحول إلى المطالبة بالمساءلة والالتزام بالقواعد الدولية

وبذلك فإن التأطير لا يصف الواقع فقط بل يشارك في بنائه لأنه يحدد المشكلة ويعين أسبابها ويقترح الحلول المناسبة لها ويمنح بعض الفاعلين شرعية أكبر من غيرهم ومن هنا تنبع أهمية دراسة خطاب وزارات الخارجية ووزراء الخارجية على منصة إكس بوصفه مساحة ظاهرة لتجليات السياسة الخارجية ومنطقا مختصرا لتفسير الأزمات

السردية الاستراتيجية وإدارة المعنى خلال الأزمات

تختلف السردية الاستراتيجية عن الرسالة المنفردة لأنها تقوم على بناء قصة سياسية متماسكة تتضمن تصورا للماضي وتفسيرا للحاضر وتوجها نحو المستقبل فالدولة لا تكتفي بالقول إنها تؤيد خفض التصعيد بل تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها دولة مسؤولة تؤمن بالحوار وتحترم السيادة وتعمل من أجل الأمن الجماعي

وتتكون السردية الاستراتيجية عادة من ثلاثة مستويات المستوى الأول يتعلق بهوية الدولة وكيف تريد أن يعرفها الآخرون والمستوى الثاني يتعلق بتفسير النظام الإقليمي وطبيعة مصادر التهديد داخله أما المستوى الثالث فيتصل بالأزمة المحددة وبالأسباب والحلول والأطراف المعنية بها

وفي الحالة العمانية تتشكل السردية الاستراتيجية حول صورة الدولة المتوازنة القادرة على التواصل مع الأطراف المختلفة والملتزمة بمبادئ عدم التدخل وحسن الجوار والحوار السلمي أما في الحالة الباكستانية فتتشكل السردية في سياق دولة كبيرة ذات حدود مباشرة مع إيران وتواجه تحديات أمنية واقتصادية وحدودية وتحتاج إلى الموازنة بين التضامن الإقليمي وحماية الأمن الوطني وإدارة علاقاتها مع القوى الدولية

ويمثل هذا الاختلاف مدخلا أساسيا لفهم تباين الخطابين فسلطنة عمان تتحرك من داخل دور الوسيط الذي يحرص على عدم استهلاك رصيده الدبلوماسي في الإدانة المباشرة أو الاصطفاف الحاد بينما تتحرك باكستان من موقع الدولة المتأثرة مباشرة بما يحدث والتي تحتاج إلى الجمع بين الخطاب الدبلوماسي ورسائل السيادة والأمن والاستعداد لحماية حدودها ومصالحها

المنطق الاتصالي في الخطاب الدبلوماسي العُماني

يستند الخطاب الدبلوماسي العُماني في تعامله مع الأزمات الإقليمية إلى منطق اتصالي يقوم على خفض حدة الاستقطاب وتجنب اللغة الانفعالية وتقديم الحوار باعتباره مسارا عقلانيا لا خيارا ثانويا ويعكس هذا الخطاب تراكم خبرة سياسية طويلة في إدارة العلاقات المتعارضة والمحافظة على قنوات الاتصال المفتوحة حتى في ذروة التوتر

ومن أبرز خصائص هذا المنطق الاعتماد على لغة هادئة تميل إلى استخدام مفاهيم ضبط النفس والحكمة والحوار والوسائل السلمية والأمن الإقليمي ويؤدي هذا الاختيار اللغوي وظيفة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية إذ يسهم في إنتاج بيئة خطابية تقل فيها فرص شيطنة الخصوم وتزداد فيها إمكانية العودة إلى التفاوض

كما يتجنب الخطاب العُماني في العادة تحويل المنصة الرقمية إلى ساحة للمواجهة أو تبادل الاتهامات لأن وظيفة الاتصال في الرؤية العُمانية ليست تعظيم الانقسام بل تقليل كلفته ولهذا فإن الرسائل غالبا ما تكون مكثفة ودقيقة ولا تتوسع في تقديم تفاصيل قد تقيد قدرة الدولة على التحرك أو تمنح موقفا نهائيا لا يمكن تعديله لاحقا

وهذا الاقتصاد في اللغة لا يعني غياب الموقف بل يعكس إدراكا لطبيعة الاتصال الدبلوماسي الذي يحتاج إلى ترك مساحة للحركة السياسية فكلما زادت حدة التصريح ضاقت فرص الوساطة وكلما ارتفعت درجة الاتهام أصبح التراجع أكثر تكلفة ولذلك تحافظ الدبلوماسية العُمانية على مسافة لغوية وسياسية تسمح لها بالتواصل مع الأطراف المتعارضة من دون أن تبدو محايدة تجاه مبادئ القانون والسيادة والاستقرار

وتتمثل قوة هذا الخطاب في اتساقه مع الهوية السياسية للدولة فالرسالة الرقمية لا تظهر منفصلة عن السلوك الدبلوماسي بل تبدو امتداداً له وهذا الاتساق يعزز المصداقية لأن الجمهور لا يقيس فاعلية الخطاب بجمال مفرداته فقط بل يقارن بين ما تقوله الدولة وما تفعله في الواقع

غير أن هذا النمط يواجه تحديا اتصاليا يتمثل في محدودية الشرح فالإيجاز الشديد قد يحافظ على المرونة السياسية لكنه قد يترك المجال مفتوحا أمام الآخرين لتفسير الموقف العُماني وفق تصوراتهم الخاصة كما أن غياب التوسع في مخاطبة الجمهور الدولي بلغات متعددة قد يقلل من انتشار السردية العُمانية ويجعل تأثيرها أقل من وزن الدور الدبلوماسي الذي تؤديه الدولة فعليا

المنطق الاتصالي في الخطاب الدبلوماسي الباكستاني

يتسم الخطاب الباكستاني تجاه الأزمة الإيرانية بدرجة أكبر من المباشرة ويرتبط ذلك بطبيعة الموقع الجغرافي والتحديات الأمنية والحدودية وحساسية الرأي العام الداخلي فباكستان لا تتعامل مع الأزمة بوصفها ملفا خارجيا بعيدا بل بوصفها تطورا قد ينعكس مباشرة على أمن الحدود وحركة التجارة والطاقة والاستقرار الداخلي

ولذلك تتداخل في خطابها عدة أطر في وقت واحد من بينها إطار السيادة الوطنية وإطار التضامن الإقليمي وإطار الأمن الحدودي وإطار الحوار السياسي ويمنح هذا التداخل الخطاب الباكستاني كثافة أكبر لكنه يجعله كذلك أكثر عرضة للتوتر بين رسائل تبدو متباينة

فالدولة تحتاج إلى تأكيد احترامها لإيران والعلاقة التاريخية معها لكنها تحتاج أيضا إلى توجيه رسائل واضحة بأن أمنها الوطني غير قابل للمساومة كما تسعى إلى إظهار التزامها بالحلول السلمية من دون أن تبدو عاجزة عن اتخاذ إجراءات لحماية مصالحها وتخلق هذه المعادلة خطابا يجمع بين التهدئة والحزم وبين الدعوة إلى الحوار والتأكيد على الجاهزية

ويستفيد الخطاب الباكستاني من كثافة حضوره الرقمي ومن تنوع جمهوره إذ يخاطب المواطنين والمؤسسات العسكرية والإعلام الإقليمي والدول الكبرى في الوقت نفسه ولذلك قد تتضمن الرسائل قدرا أكبر من الشرح والتبرير مقارنة بالخطاب العُماني كما يظهر الاهتمام بتقديم الموقف على أنه نابع من مسؤولية الدولة تجاه أمنها وشعبها وليس استجابة لإملاءات خارجية

وتكمن قوة هذا الخطاب في وضوح المصالح التي يدافع عنها وفي قدرته على ربط السياسة الخارجية بالأمن الوطني غير أن هذا الوضوح قد يتحول إلى قيد عندما تتغير الظروف بسرعة لأن الرسائل المباشرة ترفع كلفة التراجع أو تعديل الموقف كما أن الجمع بين لغة التضامن ولغة الردع يحتاج إلى ضبط دقيق حتى لا يُفهم باعتباره تناقضا أو ازدواجية

الاختلاف بين دبلوماسية الوساطة ودبلوماسية الجوار الأمني

تكشف المقارنة بين الخطابين عن وجود نموذجين مختلفين في إدارة الاتصال الرقمي خلال الأزمات النموذج الأول هو دبلوماسية الوساطة التي يمثلها الخطاب العُماني والنموذج الثاني هو دبلوماسية الجوار الأمني التي يعبر عنها الخطاب الباكستاني

تقوم دبلوماسية الوساطة على تقليل الانحياز الظاهر والحفاظ على لغة قابلة للقبول من جميع الأطراف والتركيز على المشترك الإنساني والقانوني والسياسي كما تقوم على تجنب التوصيفات القطعية التي قد تؤدي إلى إغلاق قنوات الحوار وفي هذا النموذج يصبح الغموض المحسوب أداة من أدوات الفاعلية وليس دليلا على غياب الرؤية

أما دبلوماسية الجوار الأمني فتقوم على إظهار طبيعة المصالح المهددة وتأكيد حدود التسامح السياسي والأمني وتقديم الدولة بوصفها فاعلا قادرا على حماية سيادته وفي هذا النموذج تصبح المباشرة ضرورة لأن الخطاب لا يستهدف الخارج فقط بل يهدف أيضا إلى طمأنة الداخل ومنع خصوم الدولة من تفسير التهدئة باعتبارها ضعفا

ومع ذلك فإن النموذجين لا يتعارضان بالضرورة فكلاهما يسعى إلى منع اتساع الأزمة والحفاظ على الاستقرار لكنهما يختلفان في ترتيب الأولويات وفي الجمهور المركزي الذي يخاطبانه فالخطاب العُماني يمنح أولوية أكبر لإبقاء مسار التسوية مفتوحا بينما يمنح الخطاب الباكستاني أولوية أوضح لحماية السيادة وضبط التداعيات المباشرة

الصمت الرقمي بوصفه رسالة دبلوماسية

لا يقتصر التحليل العلمي للخطاب الرقمي على ما ينشر بل يشمل أيضا ما لا ينشر فالصمت في الأزمات قد يكون قرارا استراتيجيا مقصودا خصوصا عندما تكون المعلومات غير مكتملة أو عندما يمكن للتصريح المبكر أن يعرقل وساطة جارية أو يرفع منسوب التوتر

وفي الحالة العُمانية قد يؤدي الصمت أو التأخر المحسوب في النشر وظيفة حماية الاتصالات غير المعلنة ومنع الإعلام من فرض إيقاعه على المفاوضات فالدولة الوسيطة تحتاج أحيانا إلى العمل بعيدا عن الضغط الجماهيري وتجنب تقديم معلومات قد تستخدمها الأطراف لتحسين مواقعها التفاوضية

وفي الحالة الباكستانية قد يكون الصمت أكثر تعقيدا لأن الرأي العام الداخلي يتوقع توضيحات سريعة عندما يتعلق الأمر بأمن الحدود أو السيادة ولذلك تصبح كلفة الصمت أعلى وقد تملأها الشائعات أو الروايات المنافسة ومن هنا تظهر الحاجة إلى سرعة التواصل مع المحافظة على الدقة وعدم الانجرار وراء المعلومات غير المؤكدة

ويؤكد ذلك أن كثافة النشر ليست مؤشرا كافيا على الفاعلية فقد يكون منشور واحد مدروس أكثر تأثيرا من سلسلة منشورات متسرعة كما أن انخفاض التفاعل الرقمي لا يعني بالضرورة ضعف الخطاب لأن بعض الرسائل الدبلوماسية تستهدف النخب وصناع القرار أكثر مما تستهدف الجمهور الواسع

الجمهور المتعدد ومشكلة الرسالة الواحدة

تخاطب الدبلوماسية الرقمية جماهير مختلفة في وقت واحد وتشمل الجمهور المحلي والجمهور الإيراني والدول المجاورة والقوى الدولية والمؤسسات الإعلامية والباحثين والمستثمرين ولكل جمهور مصالحه وحساسياته وطريقته في تفسير الرسائل

وهنا تواجه الدول معضلة حقيقية لأن الرسالة التي تطمئن الجمهور الداخلي قد تثير مخاوف الطرف الآخر واللغة التي ترضي الحلفاء قد تقوض دور الوساطة والرسالة التي تبدو متوازنة للنخب قد يراها الجمهور العام غامضة أو ضعيفة

ويبدو الخطاب العُماني أكثر ميلا إلى بناء رسالة موحدة ذات طابع دولي تقوم على مبادئ عامة قابلة للتداول بين الجماهير المختلفة بينما يظهر الخطاب الباكستاني ميلا أكبر إلى التوفيق بين الرسالة الخارجية ومتطلبات الشرعية الداخلية وهذا الاختلاف مرتبط بطبيعة النظام الاتصالي وحجم الجمهور ودرجة الاستقطاب السياسي والإعلامي داخل كل دولة

ومن ثم فإن تقييم الخطابين ينبغي ألا يعتمد فقط على عدد الإعجابات أو إعادة النشر لأن التفاعل المرتفع قد يكون نتيجة للجدل أو الاستقطاب وليس دليلا على نجاح الرسالة كما أن الرسالة المتوازنة قد تحقق أثرا سياسيا كبيرا رغم محدودية انتشارها الجماهيري

المصداقية والاتساق في الخطاب الدبلوماسي

تمثل المصداقية رأس المال الأساسي للدبلوماسية الرقمية فالدولة التي تبالغ أو تنشر معلومات غير دقيقة قد تحقق انتشارا مؤقتا لكنها تفقد قدرتها على التأثير لاحقا والمصداقية هنا لا ترتبط بصحة المعلومات وحدها بل تشمل الاتساق بين الرسائل والسلوك السياسي واستمرار المبادئ وعدم استخدام معايير مختلفة تجاه أحداث متشابهة

ويمتلك الخطاب العُماني ميزة الاتساق الناتج عن استمرار مبادئ السياسة الخارجية القائمة على الحوار والتوازن وعدم التدخل وهذا الثبات يمنح رسائله درجة عالية من القابلية للتصديق لكنه يحتاج إلى حضور اتصالي أكثر نشاطا يشرح منطقه السياسي للجمهور الدولي

أما الخطاب الباكستاني فيمتلك ميزة الوضوح والقدرة على التعبير عن المصالح الوطنية بصورة مباشرة إلا أن تعدد مراكز إنتاج الرسالة داخل الدولة قد يؤدي أحيانا إلى اختلاف في النبرة بين المؤسسة الدبلوماسية والمؤسسات الأمنية والسياسية والإعلامية وهو ما يجعل التنسيق الاتصالي ضرورة استراتيجية لمنع ظهور رسائل متعارضة

ولا تتحقق المصداقية من خلال البيان الرسمي فقط بل من خلال انتظام التواصل وسرعة تصحيح المعلومات الخاطئة وتقديم تفسير مفهوم للمواقف وتجنب اللغة التي تستهدف الإثارة كما تحتاج المؤسسات الدبلوماسية إلى إدراك أن الجمهور الرقمي يحتفظ بالرسائل القديمة ويقارنها بالمواقف الجديدة ولذلك يصبح الاتساق عبر الزمن شرطا أساسيا لبناء الثقة

منصة إكس وسرعة الأزمة

تتميز منصة إكس بسرعة تداول المعلومات وكثافة التفاعل وقدرتها على تحويل التصريح السياسي إلى حدث إعلامي مستقل غير أن هذه السرعة تفرض على الدبلوماسية تحديات تتعلق بالدقة والسياق وإمكانية إساءة الفهم فالرسالة القصيرة قد تنتزع من سياقها أو تترجم بطريقة غير دقيقة أو تستخدم لتأكيد موقف لم تقصده الجهة الناشرة

كما أن بنية المنصة تكافئ المحتوى المثير والحاد أكثر مما تكافئ اللغة الدبلوماسية المتوازنة وهذا يضع المؤسسات الرسمية أمام مفارقة تتمثل في حاجتها إلى الوصول الواسع من دون التخلي عن الانضباط المهني وقدرتها على تبسيط الرسالة من دون اختزال الأزمة اختزالا مضللا

ويتطلب التعامل مع هذه البيئة تطوير وحدات متخصصة في الاتصال الدبلوماسي الرقمي تجمع بين المعرفة السياسية والخبرة الإعلامية وتحليل البيانات والقدرة على إدارة الأزمات ولا يكفي أن تتولى هذه المهمة فرق فنية معزولة عن صناع القرار لأن قيمة الرسالة ترتبط بتوقيت نشرها وبمدى اتصالها بالمسار الدبلوماسي الفعلي

حدود القياس الرقمي للفاعلية الدبلوماسية

لا يمكن قياس نجاح الخطاب الدبلوماسي بعدد المتابعين أو الإعجابات وحدها لأن الهدف النهائي للدبلوماسية لا يتمثل في تحقيق الانتشار بل في التأثير على المواقف وتخفيف التوتر وحماية المصالح وفتح مسارات التفاوض

وقد تحقق رسالة محدودة الانتشار أثرا عميقا إذا وصلت إلى الفاعلين المعنيين وأسهمت في تحسين فرص التسوية كما قد تحقق رسالة واسعة الانتشار نتائج سلبية إذا زادت الاستقطاب أو قيدت قدرة الدولة على تعديل موقفها

ولذلك ينبغي التمييز بين الوصول الرقمي والتأثير السياسي فالوصول يقاس بالمشاهدات والتفاعلات أما التأثير فيظهر في تغير لغة الأطراف أو انخفاض حدة التصعيد أو فتح قناة للتفاوض أو تعزيز صورة الدولة بوصفها وسيطا موثوقا

وفي ضوء ذلك تبدو فاعلية الخطاب العُماني مرتبطة بقدرته على دعم دور الوساطة والحفاظ على الثقة مع الأطراف المختلفة بينما ترتبط فاعلية الخطاب الباكستاني بقدرته على طمأنة الداخل وحماية السيادة ومنع الأزمة من الانتقال إلى المجال الأمني الداخلي

نحو نموذج أكثر فاعلية للدبلوماسية الرقمية

تكشف الأزمة الإيرانية أن الدبلوماسية الرقمية الناجحة تحتاج إلى الجمع بين الثبات الاستراتيجي والمرونة الاتصالية فالرسالة ينبغي أن تنطلق من مبادئ واضحة لكنها تحتاج إلى التكيف مع تطورات الأزمة واختلاف الجماهير

كما تحتاج المؤسسات الدبلوماسية إلى بناء سردية متكاملة لا تقتصر على إصدار بيانات متفرقة فالسردية الفاعلة توضح كيف ترى الدولة نفسها وكيف تفسر الأزمة وما المبادئ التي تستند إليها وما الحل الذي تقترحه وما الدور الذي تستطيع أن تؤديه

وفي الحالة العُمانية يمكن تعزيز الفاعلية من خلال توسيع المحتوى التفسيري وزيادة استخدام اللغات الدولية وتقديم مواد موجزة تشرح فلسفة الوساطة وأهمية خفض التصعيد من دون الإضرار بسرية التحركات الدبلوماسية كما يمكن توظيف الحسابات الرسمية والوزارية ضمن استراتيجية متكاملة تحافظ على وحدة الرسالة وتنوع أشكال تقديمها

وفي الحالة الباكستانية تبرز الحاجة إلى تنسيق أكبر بين الرسائل الدبلوماسية والأمنية وإلى الفصل الواضح بين ما يستهدف طمأنة الداخل وما يوجه إلى الأطراف الخارجية كما يمكن تعزيز الخطاب من خلال تقديم معلومات دقيقة حول التداعيات الاقتصادية والإنسانية للأزمة وربط المصلحة الوطنية بالاستقرار الإقليمي بدلا من الاقتصار على لغة التهديدات الأمنية

ويحتاج البلدان إلى تطوير نظم للرصد المبكر وتحليل اتجاهات الجمهور واكتشاف الشائعات والسرديات العدائية قبل انتشارها كما يتطلب الأمر تدريب الدبلوماسيين على خصائص المنصات الرقمية وإدارة التفاعل وصياغة الرسائل القصيرة من دون التضحية بالدقة والمعنى

خاتمة

تكشف المقارنة بين الخطابين الدبلوماسيين العُماني والباكستاني خلال الأزمة الإيرانية لعام 2026 أن الاتصال الرقمي أصبح جزءا من ممارسة السياسة الخارجية وليس مجرد وسيلة لنشر البيانات الرسمية كما تؤكد أن اختلاف الخطاب لا يعود إلى الأسلوب اللغوي وحده بل يرتبط بالموقع الجغرافي وهوية الدولة وطبيعة مصالحها ودورها الإقليمي والجمهور الذي تسعى إلى التأثير فيه

فالخطاب العُماني يعكس دبلوماسية الوساطة التي تفضل التهدئة والحوار والغموض المحسوب والمحافظة على قنوات الاتصال بينما يعكس الخطاب الباكستاني دبلوماسية الجوار الأمني التي تجمع بين التضامن والحزم وبين الحوار وحماية السيادة

ولا يمكن الحكم بأن أحد النموذجين أكثر نجاحا بصورة مطلقة لأن فاعلية كل خطاب تقاس بقدرته على تحقيق أهداف الدولة التي يصدر عنها غير أن التجربتين تؤكدان أن القوة الاتصالية لا تقوم على كثرة النشر أو شدة اللغة بل على المصداقية والاتساق ودقة التوقيت وفهم الجمهور وربط الرسالة الرقمية بالسلوك السياسي الفعلي

وفي بيئة إقليمية تتزايد فيها احتمالات الصراع تصبح السردية الاستراتيجية إحدى أدوات الوقاية من التصعيد لأن الطريقة التي تفسر بها الدول الأزمة قد تسهم في حلها أو في تعقيدها ولذلك فإن الاستثمار في الدبلوماسية الرقمية لا ينبغي أن ينظر إليه بوصفه استثمارا تقنيا بل باعتباره استثمارا في إدارة الإدراك وبناء الثقة وحماية المصالح الوطنية وصناعة مساحات ممكنة للحوار والسلام

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M