النظام الإقليمي العربي الجديد: هل انتهى زمن الوصاية الأمريكية؟

لم يعد السؤال عن مستقبل النظام الإقليمي العربي مجرد تمرين نظري في العلاقات الدولية، ولا مجرد محاولة لقراءة التحولات التي تشهدها المنطقة من زاوية توازنات القوة التقليدية، بل أصبح سؤالًا مفتوحًا على إعادة تعريف مفهوم الأمن والسيادة والتحالف والقرار الاستراتيجي في الشرق الأوسط. فالمشهد العربي الراهن يبدو مختلفًا بصورة متزايدة عن ذلك الذي استقر لعقود طويلة على قاعدة مركزية مفادها أن الولايات المتحدة هي القوة الخارجية الأكثر قدرة على إدارة التوازنات الأمنية، وضمان تدفق الطاقة، وحماية بعض الأنظمة الحليفة، وإدارة الصراعات، والتدخل عند لحظات الانفجار الكبرى. غير أن التحولات المتراكمة خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من أزمات وحروب وتبدلات في موازين القوة، بدأت تكشف عن حقيقة أكثر تعقيدًا: الولايات المتحدة لم تختفِ من الشرق الأوسط، ولم تفقد قدرتها على التأثير، لكنها لم تعد قادرة بالسهولة ذاتها على احتكار تعريف قواعد اللعبة أو ضمان أن تتحول إرادتها إلى إرادة إقليمية ملزمة. ومن هنا فإن السؤال الأدق ليس: هل خرجت أمريكا من الشرق الأوسط؟ وإنما: هل بدأت المنطقة تتحرر من احتكار أمريكي لصناعة أمنها السياسي والاستراتيجي؟

لقد تشكلت البنية الأمنية التي عرفها الشرق الأوسط الحديث عبر عقود من التداخل بين القوة الأمريكية والمصالح الإسرائيلية والأنظمة العربية والتحولات النفطية والصراعات الإقليمية. ولم تكن «الوصاية الأمريكية» بالضرورة وصاية قانونية أو رسمية، وإنما كانت بنية غير مكتوبة من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ؛ تعتمد فيها دول عربية عديدة على الولايات المتحدة في التسليح والتكنولوجيا والاستخبارات والردع، بينما تعتمد واشنطن على هذه الدول في حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية وتأمين طرق التجارة والطاقة والحفاظ على توازنات معينة في مواجهة إيران وغيرها من القوى المنافسة. وبمرور الزمن، تحولت هذه العلاقة من مجرد تحالفات ثنائية إلى منظومة واسعة من الاعتماد الأمني، حتى أصبح حضور القوة الأمريكية جزءًا من تعريف الاستقرار ذاته. لكن المشكلة التي بدأت تظهر تدريجيًا أن الاستقرار الذي يعتمد بصورة مفرطة على قوة خارجية قد يتحول، في لحظة معينة، من مصدر للأمن إلى قيد على حرية الحركة، خصوصًا عندما تختلف حسابات الحليف المحلي عن حسابات القوة الكبرى.

من هنا تبدو التحولات الراهنة أكثر عمقًا من مجرد تغير في أسماء الحلفاء أو خرائط التحالفات. فالدول العربية الرئيسية بدأت تتعامل مع البيئة الدولية بمنطق مختلف يقوم على تنويع الشراكات بدل الارتهان لشريك واحد، وعلى توزيع المخاطر بدل تركيزها، وعلى امتلاك القدرة على المناورة بدل الالتزام التلقائي بمعسكر دولي محدد. وهذا التحول لا يعني أن الرياض أو القاهرة أو أبوظبي أو الدوحة أو غيرها من العواصم العربية قررت القطيعة مع واشنطن، بل يعني شيئًا أكثر واقعية وذكاءً: لم تعد العلاقة مع الولايات المتحدة تُفهم باعتبارها الخيار الوحيد الممكن. فالدولة التي تستطيع أن تتعاون مع واشنطن في المجال الأمني، ومع الصين في الاقتصاد والتكنولوجيا، ومع روسيا في بعض الملفات، ومع تركيا في ملفات إقليمية، وتحافظ في الوقت ذاته على قنوات اتصال مع الخصوم والمنافسين، تكون قد انتقلت من منطق «التحالف الأحادي» إلى منطق «التحوط الاستراتيجي». وهذا التحول في حد ذاته يمثل أحد أهم مؤشرات إعادة بناء النظام الإقليمي.

ولعل الحرب الممتدة في الإقليم تقدم أوضح اختبار لهذا التحول. فقد أظهرت الأزمات المتلاحقة أن التفوق العسكري الأمريكي الهائل لا يعني بالضرورة القدرة على إنتاج تسوية سياسية مستقرة أو فرض نظام إقليمي قابل للاستمرار. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير أهداف، وردع خصم، وفرض تكلفة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء الشرعية أو صناعة التوافق أو معالجة جذور الصراع. وهذه الحقيقة تكتسب أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بمنطقة شديدة التعقيد مثل الشرق الأوسط، حيث تتداخل الجغرافيا بالطائفية والقومية والدين والطاقة والأمن والممرات البحرية والقضية الفلسطينية والمنافسة الدولية. ولذلك فإن استمرار الأزمات رغم التفوق الأمريكي يطرح سؤالًا جوهريًا حول حدود القوة الخارجية في إدارة نظام إقليمي لا تزال مراكز القوة داخله قادرة على إنتاج سلوك مستقل.

ويكتسب هذا السؤال أهمية أكبر مع صعود مفهوم «الأمن الإقليمي الذاتي». فالدول العربية لم تعد تنظر إلى أمنها باعتباره ملفًا منفصلًا عن مصالحها الاقتصادية والتنموية والسيادية. الأمن بالنسبة إلى دول المنطقة أصبح مرتبطًا بحماية سلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، والبنية التحتية الرقمية، والأمن الغذائي، والاستقرار الداخلي، والقدرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية. وبذلك لم يعد من الممكن اختزال الأمن في وجود قواعد عسكرية أجنبية أو في عدد الطائرات والصواريخ. إن الأمن الحديث هو قدرة الدولة على الصمود، وعلى امتلاك خيارات متعددة، وعلى عدم السماح لقوة خارجية واحدة بأن تتحول إلى نقطة الاختناق الوحيدة في قرارها الاستراتيجي.

وفي هذا السياق، يبرز التحول السعودي باعتباره أحد أهم مفاتيح فهم النظام الإقليمي القادم. فالسعودية لم تعد تتصرف فقط كدولة خليجية تبحث عن ضمانات أمنية، وإنما تتصرف بصورة متزايدة كقوة عربية وإقليمية تسعى إلى المشاركة في صياغة قواعد النظام الذي تتحرك داخله. وقد ساعدها في ذلك وزنها الاقتصادي، ومكانتها الدينية، وتأثيرها في أسواق الطاقة، وموقعها الجغرافي، وعلاقاتها المتعددة مع القوى الكبرى والإقليمية. ولذلك فإن تنويع الرياض لعلاقاتها الدولية لا ينبغي تفسيره ببساطة باعتباره ابتعادًا عن واشنطن؛ فالأكثر دقة أنه محاولة للانتقال من علاقة تقوم على الاعتماد إلى علاقة تقوم على الشراكة والتفاوض وتعدد الخيارات. وهذا فرق جوهري بين الدولة التي تحتاج إلى حماية قوة كبرى والدولة التي تستخدم علاقتها بالقوة الكبرى ضمن شبكة أوسع من المصالح.

ولا يقل الدور التركي أهمية عن ذلك؛ فتركيا تتحرك في فضاء إقليمي شديد الاتساع، وتملك قدرات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية تجعلها طرفًا لا يمكن تجاهله في أي إعادة تشكيل للنظام الإقليمي. لكن صعود تركيا لا يعني بالضرورة أنها تسعى إلى إحلال نفسها محل الولايات المتحدة، بل إنها تحاول بناء مساحة استراتيجية مستقلة تمكنها من التأثير في سوريا والعراق وشرق المتوسط والخليج والقضية الفلسطينية والقرن الأفريقي وغيرها من الملفات. وهذا السلوك التركي ينسجم مع الاتجاه العام نحو تعدد مراكز القوة، حيث لا يعود النظام الإقليمي محكومًا بمركز واحد، وإنما يصبح أقرب إلى شبكة من القوى التي تتعاون وتتنافس في الوقت نفسه.

أما مصر، فإن الحديث عن نظام إقليمي عربي جديد يظل ناقصًا ما لم يُطرح السؤال المصري في قلب التحليل. فالقاهرة تمتلك عناصر قوة لا يمكن تجاهلها: الثقل السكاني والعسكري، والموقع الجغرافي، وقناة السويس، والاتصال المباشر بغزة، والامتداد العربي والأفريقي، والعلاقات التاريخية مع القوى الدولية، فضلًا عن خبرتها الطويلة في إدارة الأزمات والتسويات الإقليمية. ولذلك فإن الدور المصري في النظام القادم لن يتحدد فقط بقدرة القاهرة على الاستجابة للأزمات، وإنما بقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى المشاركة في صياغة قواعد الأمن الإقليمي. فمصر، بحكم موقعها ومصالحها، لا تستطيع أن تكون مجرد متلقٍ لتحولات المنطقة، بل يفترض أن تكون أحد الأطراف التي تسهم في تحديد اتجاهها.

وفي المقابل، لا يمكن بناء نظام إقليمي جديد من خلال تجاهل إيران. فقد أثبتت السنوات الماضية أن إيران، رغم تعرضها لضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية كبيرة، تظل عنصرًا بنيويًا في معادلات أمن الخليج والعراق وسوريا ولبنان واليمن والممرات البحرية. ولذلك فإن محاولة بناء نظام إقليمي جديد يقوم فقط على احتواء إيران أو عزلها قد تنتج نظامًا هشًا بدل أن تنتج استقرارًا دائمًا. والسؤال الأهم ليس ما إذا كانت إيران ستختفي من المعادلة، فهذا غير واقعي، وإنما كيف ستُدمج قوتها ومصالحها ومخاوف جيرانها في ترتيبات أمنية جديدة. فالنظام الإقليمي المستقر لا يحتاج بالضرورة إلى توافق كامل بين خصومه، لكنه يحتاج إلى قواعد تمنع الخلاف من التحول بصورة مستمرة إلى حرب.

ومن هنا تأتي إسرائيل بوصفها أحد أكثر المتغيرات حساسية في إعادة تشكيل المنطقة. فقد كانت إسرائيل لعقود عنصرًا محوريًا في الحسابات الأمريكية للشرق الأوسط، بينما أصبحت القضية الفلسطينية، بفعل تداعيات الحرب في غزة والتحولات السياسية الإقليمية والدولية، عاملًا يعيد اختبار العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها العرب. ولم يعد من السهل فصل الأمن الإقليمي عن القضية الفلسطينية، لأن استمرار الصراع أصبح ينعكس على الشرعية السياسية، والعلاقات العربية–الإسرائيلية، ومسارات التطبيع، والاستقرار الشعبي، والأمن الحدودي، وحتى على طبيعة العلاقة بين الحكومات العربية والمجتمعات التي تحكمها. ولذلك فإن أي نظام إقليمي جديد يتجاهل فلسطين قد يكون قادرًا على عقد تحالفات مؤقتة، لكنه سيظل عاجزًا عن بناء شرعية استراتيجية طويلة المدى.

والمفارقة الكبرى أن القوة الأمريكية نفسها ربما تكون أحد العوامل التي تدفع حلفاء واشنطن إلى إعادة التفكير في شكل علاقتهم بها. فكلما ازداد إدراك الدول العربية أن السياسة الأمريكية قد تتغير بتغير الإدارة والانتخابات والحسابات الداخلية، ازدادت حاجتها إلى بناء بدائل وخيارات موازية. وهذا لا يعني فقدان الثقة الكامل بواشنطن، وإنما إدراكًا واقعيًا بأن الدولة لا تستطيع أن تضع أمنها القومي كله في يد قوة أخرى، مهما كانت قوة هذه الدولة أو متانة التحالف معها. ولذلك فإن التحول الحقيقي لا يتمثل في طرد النفوذ الأمريكي، وإنما في تقليص الاعتماد الأحادي عليه.

ومن هذه الزاوية يصبح اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان ذا دلالة تتجاوز تفاصيله المباشرة؛ لأنه يعكس محاولة لبناء طبقات إضافية من الأمن خارج الإطار الأمريكي التقليدي. لكن من الخطأ اختزاله في فكرة «الناتو الإسلامي» أو اعتباره إعلانًا عن نهاية التحالف مع واشنطن. الأصح النظر إليه باعتباره جزءًا من عملية أوسع لإنتاج شبكة أمنية متعددة الأطراف. فالدول التي تبني أكثر من قناة للأمن لا تعلن بالضرورة حربًا على النظام القديم؛ وإنما تحاول تقليل هشاشتها داخله، ورفع قدرتها على التفاوض معه، والاستعداد في الوقت نفسه لاحتمال تغيره.

وهنا تظهر الصين وروسيا بوصفهما عنصرين مهمين، ولكن ليس باعتبارهما بديلين كاملين للولايات المتحدة. فالصين تملك أدوات اقتصادية وتجارية وتكنولوجية هائلة، بينما تمتلك روسيا خبرات عسكرية وشبكات سياسية وقدرة على الحضور في عدد من الملفات الإقليمية. غير أن الدول العربية لا تبدو راغبة في الانتقال من تبعية أمريكية إلى تبعية صينية أو روسية؛ بل إن الاتجاه الأكثر واقعية هو توزيع العلاقات بين القوى الكبرى بحيث تحصل الدولة العربية على أكبر قدر ممكن من المكاسب مع الحفاظ على استقلال قرارها. ولذلك فإن العالم العربي لا يبحث بالضرورة عن «سيد جديد»، وإنما عن مساحة أكبر للمناورة.

إن هذا التحول يقود إلى إعادة تعريف مفهوم القوة في الشرق الأوسط. فالقوة لم تعد مجرد حجم الجيش أو عدد القواعد العسكرية، وإنما أصبحت مزيجًا من الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والدبلوماسية والموقع الجغرافي والقدرة المالية والمرونة السياسية والقدرة على بناء الشراكات. وقد أصبح واضحًا أن الدول متوسطة القوة يمكنها، إذا أحسنت استخدام أدواتها، أن تتجاوز حدود وزنها العسكري التقليدي. وهذا ما يفسر الصعود المتزايد لأدوار دول مثل قطر والإمارات وعُمان، التي أثبتت أن الوساطة والعلاقات المتوازنة والقدرة على التواصل مع أطراف متعارضة يمكن أن تتحول إلى أدوات نفوذ حقيقية.

وعليه، فإن النظام الإقليمي العربي الجديد لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انتقالًا بسيطًا من «أمريكا» إلى «العرب»، أو من «الغرب» إلى «الشرق»، وإنما باعتباره انتقالًا من نظام هرمي إلى نظام أكثر شبكية. في النظام القديم كان هناك مركز واضح، وكانت معظم العلاقات الأمنية تدور حول القوة الأمريكية. أما النظام الناشئ فيبدو أكثر تعقيدًا؛ إذ يمكن للدولة نفسها أن تكون حليفًا لواشنطن وشريكًا اقتصاديًا لبكين، وأن تتعاون مع تركيا في ملف، وتحافظ على حوار مع إيران في ملف آخر، وتنسق مع روسيا في مجال مختلف. وهذه السيولة ليست بالضرورة علامة فوضى، بل يمكن أن تكون شكلًا جديدًا من أشكال الواقعية السياسية.

لكن الخطر يكمن في أن يتحول تعدد مراكز القوة إلى تعدد مراكز الصراع. فإذا لم تتمكن الدول العربية من تحويل التنويع الاستراتيجي إلى مشروع مؤسسي للأمن الجماعي، فقد تتحول المنطقة من هيمنة قوة واحدة إلى منافسة قوى متعددة، دون أن يصبح القرار العربي أكثر استقلالًا. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بانتهاء الوصاية الأمريكية، بل بما إذا كان العرب يمتلكون القدرة المؤسسية والسياسية على ملء المساحة التي يمكن أن يتركها تراجع تلك الوصاية. فالفراغ الاستراتيجي لا يبقى فارغًا؛ وإذا لم تملأه مؤسسات عربية قادرة على إنتاج الأمن والتسوية، فسوف تملؤه قوى إقليمية ودولية أخرى.

وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التاريخية: قد تتراجع الوصاية الأمريكية دون أن يولد النظام العربي. وقد ينخفض الاعتماد على واشنطن دون أن ترتفع القدرة العربية على الفعل الجماعي. وقد تتعدد الشراكات الخارجية دون أن يتحول ذلك إلى استقلال استراتيجي حقيقي. ولذلك فإن الخروج من النظام القديم لا يعني تلقائيًا الوصول إلى نظام جديد. فبين المرحلتين توجد منطقة رمادية يمكن أن تكون إما فرصة تاريخية لبناء نظام عربي أكثر استقلالًا، أو مقدمة لمزيد من التنافس والفوضى.

إن السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة ليس: «من سيحل محل أمريكا؟» بل: «هل تستطيع الدول العربية أن تمنع أي قوة أخرى من أن تصبح بديلًا عن الوصاية الأمريكية؟». فإذا كان الهدف هو استبدال قوة خارجية بأخرى، فإن جوهر المشكلة لم يتغير. أما إذا كان الهدف هو بناء منظومة عربية قادرة على إدارة الخلافات، وتنويع الشراكات، وتحقيق الردع، وحماية الممرات الاستراتيجية، وتنسيق سياسات الطاقة والمياه والأمن الغذائي والتكنولوجيا والدفاع، فإننا نكون أمام تحول تاريخي حقيقي من الاعتماد إلى الاستقلال الاستراتيجي.

وعند هذه النقطة يصبح عنوان المقال أكثر دقة: هل انتهى زمن الوصاية الأمريكية؟ الإجابة الأكثر واقعية هي: لم ينتهِ بالكامل، لكنه لم يعد كما كان. فالولايات المتحدة ما زالت قوة مركزية، وما زالت قواعدها وتحالفاتها وقدراتها العسكرية والاقتصادية تمنحها نفوذًا استثنائيًا، لكن قدرتها على فرض تعريف واحد للأمن الإقليمي أصبحت أكثر محدودية، بينما ازدادت قدرة القوى العربية والإقليمية على تنويع خياراتها وبناء شبكاتها الخاصة. نحن، إذن، لا نعيش نهاية أمريكية للشرق الأوسط بقدر ما نعيش نهاية تدريجية لفكرة أن الشرق الأوسط لا يستطيع أن يعمل إلا من خلال مركز أمريكي واحد.

وقد يكون التحول الأكبر الذي تشهده المنطقة هو أن مفهوم «التحالف» نفسه بدأ يتغير. لم تعد الدول تبحث بالضرورة عن حليف يحميها في كل الظروف، وإنما عن شركاء متعددين يزيدون قدرتها على الصمود والمناورة. ولم يعد الأمن يعني فقط أن تتعهد قوة كبرى بالدفاع عن دولة أصغر، وإنما أن تمتلك الدولة ذاتها قدرًا كافيًا من القوة والمرونة والعلاقات المتنوعة بحيث لا تصبح رهينة لأي طرف. وهذا هو المعنى الأعمق للاستقلال الاستراتيجي: ألا تكون الدولة معزولة عن العالم، وإنما أن تكون منفتحة على الجميع دون أن تكون خاضعة لأحد.

لذلك فإن النظام الإقليمي العربي الجديد، إذا كان يتشكل بالفعل، لن يكون نسخة عربية من نظام دولي آخر، ولن يكون بالضرورة نظامًا موحدًا أو متجانسًا؛ بل سيكون نظامًا متحركًا تتفاعل داخله مراكز قوة متعددة، وتتنافس فيه المصالح، وتتقاطع التحالفات، وتصبح القدرة على إدارة التناقضات أهم من القدرة على إلغاء الخصوم. وفي هذا النظام ستكون الدولة الأكثر تأثيرًا هي التي تستطيع الجمع بين القوة والمرونة، وبين الردع والدبلوماسية، وبين الاستقلال والشراكة، وبين المصالح الوطنية والمسؤولية الإقليمية.

وفي المحصلة، فإن التاريخ لا يقول إن عصر الهيمنة ينتهي في لحظة واحدة؛ الهيمنة تتآكل أولًا في الوعي، ثم في السلوك، ثم في المؤسسات، ثم في موازين القوة. وما يحدث في الشرق الأوسط اليوم قد يكون بداية هذه العملية، لكنه لم يصل بعد إلى نهايتها. ولذلك فإن الحديث عن «نهاية الوصاية الأمريكية» ينبغي أن يبقى سؤالًا مفتوحًا لا حكمًا نهائيًا. فالولايات المتحدة لا تزال حاضرة، لكنها لم تعد وحدها؛ والدول العربية لا تزال مرتبطة بواشنطن، لكنها أصبحت أكثر قدرة على تنويع علاقاتها؛ والقوى الإقليمية صاعدة، لكنها لم تتحول بعد إلى منظومة متماسكة؛ والنظام القديم لم يسقط، بينما النظام الجديد لم يكتمل. وبين هذين العالمين تتشكل لحظة تاريخية نادرة، يمكن أن تنتهي بإعادة إنتاج التبعية في صورة جديدة، أو أن تتحول إلى فرصة لبناء استقلال استراتيجي عربي حقيقي.

إن المسألة في جوهرها ليست معركة بين «أمريكا» و«العرب»، وإنما معركة حول من يملك حق تعريف الأمن الإقليمي ومن يحدد قواعده ومن يدفع تكلفة اختلاله. فإذا تمكنت الدول العربية من الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة صناعة المبادرة، ومن إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات، ومن الاعتماد على المظلات الخارجية إلى بناء شبكات أمن عربية وإقليمية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لن يكون بعد ذلك: «هل انتهى زمن الوصاية الأمريكية؟»، وإنما: هل بدأ زمن القرار العربي المستقل؟ وهنا فقط يمكن القول إن النظام الإقليمي العربي الجديد لم يعد مجرد احتمال جيوسياسي، بل أصبح مشروعًا تاريخيًا قابلًا للتحقق.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M