البُعد العربي أولًا.. لقاء الأشقاء العرب في مدينة العلمين الجديدة

نوران عوضين

 

استقبلت مدينة العلمين الجديدة يوم الثاني والعشرين من أغسطس الجاري لقاءً أخويًا جمع بين قادة مصر والإمارات والأردن والبحرين والعراق. وبحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية السفير بسام راضي، فقد “شهد اللقاء تبادل وجهات النظر بين الزعماء بشأن تعزيز مختلف جوانب العلاقات الثنائية، والاستغلال الأمثل لجميع المجالات المتاحة لتعزيز التعاون بينهم”. ويعبر هذا اللقاء، وما سبقه من لقاءات عربية مصغرة، عن صيغة مبتكرة للعمل العربي المشترك الهادف إلى توفيق وتنسيق الجهود والرؤى العربية وصولًا إلى تحقيق قدرة مشتركة من شأنها مواجهة التحديات والتهديدات المناوئة للمنطقة العربية.

لقاءات متتالية

يُمكن الإشارة إلى مارس 2019 باعتباره انطلاقة بدء اعتماد صيغة جديدة للعمل العربي المشترك، وتحديدًا في يوم الرابع والعشرين من مارس 2019، عقد بالقاهرة أول لقاء ثلاثي بين قادة مصر والأردن والعراق، نتج عنه الاتفاق على إنشاء آلية مستدامة للتنسيق الثلاثي تمكنهم من استمرار التعاون فيما بينهم وأيضًا مع سائر الأشقاء العرب بهدف إيجاد حلول لمجموعة الأزمات التي تواجه عددًا من البلدان العربية من أجل تحقيق مصالح شعوبهم في الاستقرار والازدهار الاقتصادي وتحقيق الأهداف المشتركة، هذا إلى جانب بحث المشروعات الاقتصادية المشتركة بين البلدان الثلاثة. ساهم في تعزيز الطموح بنجاح فعالية هذه الآلية فيما يجمع بين الدول الثلاث من اتصال جغرافي يُتيح أمامهم العديد من فرص التبادل التجاري والاستثماري الخادم لأهداف التنمية الاقتصادية لدى البلدان الثلاث.

تعددت اللقاءات الثلاثية منذ ذلك الحين سواء على مستوى القادة أو على مستوى وزراء الخارجية، وصولًا إلى اللقاء الخامس للقادة الثلاث في بغداد يونيو 2021، الذي شهد دفعًا أكبر للتعاون الثلاثي المشترك. فإلى جانب ما جاء بالبيان الختامي للقمة الثلاثية من تأكيد القادة على توافق رؤاهم ومواقفهم السياسية حيال أزمات المنطقة، علاوة على تأكيدهم أهمية التنسيق الأمني والاستخباري فيما بينهم لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والمخدرات، اشتمل البيان على إجراءات التعاون الاقتصادي بين الدول الثلاث، والذي عُدّ بمثابة أول خطوة حقيقية في طريق التكامل الاقتصادي بين الدول الثلاث. اتفق القادة على ضرورة تعزيز مشروع الربط وتبادل الطاقة الكهربائية بين الدول الثلاث وربط شبكات نقل الغاز بين العراق ومصر عبر الأردن وإتاحة منفذ لتصدير النفط العراقي عبر الأردن ومصر من خلال المضي باستكمال خط الغاز العربي وإنشاء خط نقل النفط الخام (البصرة-العقبة). كما أكد القادة ضرورة السير بالإجراءات اللازمة للبدء بتنفيذ مشروع المدينة الاقتصادية العراقية-الأردنية المشتركة وإعطاء الأولوية للشركات من الدول الثلاث للمشاركة بعطاءات إنشائها. وفى المجال الزراعي والأمن الغذائي، كان الاتفاق على استكمال مشروع إنشاء شركة إقليمية لتسويق المنتجات الزراعية وتوقيع بروتوكول التعاون في المجالات الزراعية.

وفي مارس 2022، شهد اللقاء الثلاثي المصري الأردني العراقي تطورًا جديدًا تمثل في انضمام فاعل جديد إلى هذه اللقاءات، حيث عقد قادة مصر والعراق والأردن بالإضافة إلى الإمارات قمة رباعية بمدينة العقبة، ناقش القادة في إطارها سبل تعزيز علاقات التعاون المشترك بين الدول الأربع في جميع المجالات، خاصة التجارية والاقتصادية، وسبل مواجهة تداعيات وآثار الظروف العالمية الحالية على قطاعات الأمن الغذائي والطاقة والتجارة، وذلك على النحو الذى يحافظ على الاستقرار الإقليمي وأمن المنطقة، فضلًا عن تبادل وجهات النظر والرؤى حول مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية على المستوى الإقليمي والدولي.

وفي أبريل 2022، برز تطور جديد في صيغ اللقاءات الثلاثية وهو ما تمثّل في عقد قادة مصر والإمارات والأردن قمة ثلاثية في القاهرة، أعقبها اجتماع قادة مصر والأردن والبحرين في يونيو 2022 بمدينة شرم الشيخ. أسفرت هذه اللقاءات عن خطوة جديدة في طريق التكامل الاقتصادي العربي، حيث دشنت مصر والإمارات والأردن في مايو 2022 مبادرة “الشراكة الصناعية التكاملية لتنمية اقتصادية مستدامة” بهدف تعزيز دور القطاع الصناعي. وفي الخامس والعشرين من يوليو انضمت البحرين إلى هذه المبادرة. يمكن الاستدلال على الأهمية التي تحملها هذه المبادرة عبر ما أشار إليه الشيخ “محمد بن زايد” رئيس دولة الإمارات خلال مراسم الإعلان عن المبادرة، التي تأتي “في إطار التغيرات التي يشهدها العالم والتي تستدعي تعميق الشراكات الاقتصادية بين دول المنطقة العربية وابتكار صيغ جديدة للتعاون فيما بينها وتعزيز تكاملها واستثمار الميزات النوعية لكل دولة، بهدف تحقيق التنمية المستدامة وتقوية الاستجابة للتحديات المشتركة والأزمات العالمية وتوسيع الاعتماد على الذات”. ستركز المرحلة الأولى من المبادرة على تعميق الشراكة الصناعية الشاملة بين الدول الأربعة ضمن مجموعة من القطاعات الحيوية ذات الاهتمام المشترك والمتمثلة في قطاعات الزراعة، والأغذية، والأسمدة، والأدوية، والمنسوجات، والمعادن، والبتروكيماويات.

وسيعني نجاح المبادرة نجاح الدول الأربع في تطوير نموذج للعمل العربي المشترك يمكنه أن يكون بداية لعمل عربي أوسع يمهد الطريق نحو تكامل اقتصادي عربي متكامل قادر على المنافسة عالميًا، وفي تحقيق نمو قائم على الاستدامة يخدم تطلعات شعوب المنطقة العربية.

أهمية اللقاءات

تتحدد أهمية التوجه العربي نحو تطوير صيغ جديدة من العمل المشترك من السياق المحيط بالمنطقة، والذي يمكن تحديده بثلاثة محددات رئيسية، اقتصادية، وسياسية، وأمنية.

على الصعيد الاقتصادي: برزت الحرب الروسية على أوكرانيا باعتبارها المحرك الرئيسي للأزمات الدولية الراهنة، وأدت الحرب إلى تزايد الإدراك بشأن ضرورة التنسيق والتعاون العربي، لا سيما في ظل التكلفة التي تتحملها المنطقة بالفعل جراء الحرب، والمتعلقة بتهديدات الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد والأزمة الاقتصادية العالمية وما نتج عنها من حالة تضخم زادت من الثقل الذي وقع بالفعل على كاهل الدول جراء انتشار جائحة كوفيد-19. وعليه، تبرز الحاجة إلى تطوير العمل العربي المشترك الهادف إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية الواقعة على شعوب المنطقة العربية، وذلك عبر تحقيق التكامل بين ما تملكه كل دولة من ميزة نسبية، بما يمكنهم في النهاية من تجاوز التحديات الراهنة، والمضي نحو إرساء بنية اقتصادية تدعم استدامة التنمية والاستقرار بالمنطقة العربية.

على الصعيد السياسي: نتج عن الحرب محاولات القوى الكبرى (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جانب، وروسيا على الجانب الآخر) استقطاب دول المنطقة إلى جانبها، وعلى الرغم مما بدا خلال الفترة السابقة للحرب من تحول أمريكي عن المنطقة في سبيل إعادة التموضع شرقًا لمواجهة الصين في منطقة المحيطين الهندي الهادئ، فقد كشف طول أمد الحرب عن إعادة تقييم غربية لأهمية منطقة الشرق الأوسط، خاصة في ظل ما تمتلكه المنطقة من إمكانات نفطية وغاز طبيعي يمكنها من الإسهام في معالجة أزمة الطاقة العالمية، وخطط تنويع مصادر الطاقة الأوروبية. وعليه، كانت زيارة الرئيس “جو بايدن” إلى منطقة الشرق الأوسط منتصف يوليو 2022 ولقاءه مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى قادة دول مصر والأردن والعراق بقمة “جدة للأمن والتنمية”، والتي استهدفت الولايات المتحدة منها الإعلان عن عودة الاهتمام بالمنطقة، ومن ثم تقييد الحضور الروسي الصيني الذي سعى خلال الفترة الماضية إلى شغل فراغ التراجع الأمريكي. استدعى ذلك تكثيف التحركات العربية، في خطوة بدا الهدف منها تبادل وجهات النظر وصياغة موقف عربي مشترك قبيل زيارة “بايدن” إلى المنطقة، ويمكن رؤية هذا عبر تتابع لقاءات القادة في مصر، وجولة ولي العهد السعودي الإقليمية. ففي العشرين من يونيو 2022، عقدت قمة ثلاثية في شرم الشيخ بمشاركة الرئيس المصري والعاهل الأردني الملك “عبدالله الثاني” والعاهل البحريني الملك “حمد بن عيسى آل خليفة”، أعقبها قمة مصرية سعودية يوم الحادي والعشرين من يونيو، ثم إجراء الأمير “محمد بن سلمان” زيارات إلى الأردن وتركيا، وأخيرًا كانت زيارة أمير دولة قطر الشيخ “حمد بن خليفة” إلى مصر. وبالفعل خلال القمة، أظهر القادة العرب موقفًا موحدًا من الأزمات الدولية والإقليمية، مع تأكيدهم انتهاج مبدأ التوازن في العلاقات الدولية دون الانحياز لجانب قوى على حساب قوى أخرى.

على الصعيد الأمني: أبرزت التطورات الدولية والإقليمية الأخيرة أهمية الأمن القومي العربي، الذي يعني توفير القدرة على التصدي لأي خطر من شأنه تهديد دول العالم العربي. وفي هذا السياق، يبرز البرنامج النووي الإيراني باعتباره عاملًا مقوضًا لاستقرار المنطقة، ولا سيما في ظل تراجع احتمالات عودة العمل بالاتفاق النووي الذي من شأنه ضمان أن يكون البرنامج النووي الإيراني برنامج سلمي، وكذا في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي الإيراني الذي يهدد بتقويض جهود السلام بالمنطقة. من ناحية أخرى، يبرز غياب الحل السياسي واستمرار اتجاه الأطراف المنخرطة في الصراع نحو عسكرة التفاعلات في ليبيا وسوريا واليمن، وانسداد الأفق السياسية في لبنان والعراق باعتبارها عوامل أخرى مقوضة للاستقرار بالمنطقة. هذا مع عدم إغفال ما يشكله الفاعلين من غير الدول من تهديدات موجهة ضد الأمن القومي العربي. فخلال كلمته بقمة جدة للأمن والتنمية، أكد الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” ضرورة مواجهة التنظيمات الإرهابية والميليشيات والمرتزقة وعصابات السلاح نظرًا لما يشكلونه من تقويض لجهود السلام والحوار بالمنطقة، لا سيما وأنهم لا يعملون بشكل منفرد وإنما يتم توجيههم من قبل مصالح قوى أخرى تتناقض مع مصالح الدول العربية، وهو ما يمكن مشاهدته بالفعل في سوريا وليبيا واليمن والعراق، حيث وجود أشكال متعددة من التنظيمات مختلفة التوجهات والأيديولوجيات والتي تنحصر مهمتها في خدمة ما هو ضد وحدة وسيادة تلك الدول. وعليه، تنبع أهمية التوافق حول محددات الأمن القومي العربي بما يمكّن الدول العربية من حمايته والتصدي لما هو ضده.

يرتبط بالبعد الأمني ما تحمله التغيرات المناخية من تأثير مباشر على المنطقة العربية وهو ما يمكن تلمسّه مؤخرًا في العراق والإمارات والسودان والجزائر، الأمر الذي يتطلب من القادة العرب التنسيق والتوافق حول رؤية مشتركة تمكنهم من رفع قدرتهما على التكيف مع الآثار السلبية لتغير المناخ.

ختامًا، يُشير تتابع انعقاد اللقاءات العربية وكثافتها إلى حجم التحديات العالمية والإقليمية التي تحيط بالمنطقة والتي تطلب معها اتباع نهج جديد من التعاون يتسم بتقارب الفترات التي تنعقد اللقاءات خلالها، ويهتم ببحث المستجدات وما تحمله من انعكاسات على المنطقة، وذلك حتى يتمكن القادة من تنسيق الرؤى والجهود وتحقيق استجابة مشتركة من شأنها تجاوز الأزمات. فما تواجهه المنطقة العربية حاليًا من تحديات تستلزم تطوير العمل الجماعي، حيث أصبح من الصعب على أي دولة بالعالم مواجهة التحديات الراهنة بشكل منفرد دون التعاون مع محيطها المجاور.

 

.

رابط المصدر:

https://ecss.com.eg/20629/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M