في ضوء زيارة الرئيس الجزائري إلى باريس… آمال بعلاقة جديدة

مدد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون “التشويق” بشأن زيارته المرتقبة إلى فرنسا وطبيعة التنازلات التي تراهن الجزائر على انتزاعها، لا سيما وأنه وصف اجتماعه المقبل مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال لقاء مع وسائل إعلام جزائرية بثه التلفزيون الجزائري، بأنه “موعد مع التاريخ”.

هذه العبارة فتحت الباب أمام كثير من التكهنات حول أبرز الملفات الخلافية العالقة والمطالب وطبيعة التنازلات التي تراهن الجزائر على انتزاعها من ماكرون.

وبعيدا عن المعاني المتنوعة التي يمكن أن تحملها هذه العبارة، فإنها وفي سياق الأحداث والتطورات المحيطة تحمل رسالة مفادها أن الزيارة تشكل مرحلة مهمة أو حدثا هاما في العلاقة بين الجزائر وفرنسا، ويقول في هذا المضمار الدكتور عبد الغاني دندن، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة قالمة إنها “يمكن أن تكون مرتبطة بالعلاقات التاريخية أو الانفراجات الدبلوماسية أو الاتفاقات الهامة (أهمية تاريخية)، وقد ترمز الزيارة إلى المصالحة أو التقدم أو بداية فصل جديد في العلاقة بين البلدين (أهمية رمزية)، كذلك قد تتزامن الزيارة مع تطورات سياسية مهمة أو مبادرات ترغب الرئاسة الجزائرية في التأكيد عليها، سواء داخليا أو دوليا (أهمية سياسية)، وقد تكون أيضا هناك اتفاقات اقتصادية مهمة أو صفقات تجارية متوقعة خلال الزيارة، والتي قد تكون لها آثار بعيدة المدى على كلا البلدين (أهمية اقتصادية)، ناهيك عن أن هذه الزيارة قد تسلط الضوء على التبادلات الثقافية، والتعاون، أو المبادرات التي تهدف إلى تعزيز التفاهم والتعاون بين الجزائر وفرنسا (أهمية ثقافية)”.

تحريك ملف الذاكرة

ويهيمن ملف التاريخ والذاكرة المشتركة على الزيارة المرتقبة التي تأجلت مرارا وتكرارا بسبب اختلافات واضحة في الرؤى والمواقف وحدوث بعض الارتدادات التي أثرت سلبا على العلاقات الثنائية، وفي آخر لقاء له مع وسائل إعلام جزائرية، قال الرئيس تبون: “سننظر إلى الأمور كما يجب أن نراها وليس عاطفيا، نحن اليوم في مرحلة إعادة تأسيس للعلاقات بين البلدين”.

ولإعطاء الانطباع بأن التركيز سيكون منصبا أولا على “نزاع الذاكرة” الذي يحول دون إرساء علاقات عادية، أردف الرئيس الجزائري قائلًا: “لن نتخلى عنها (الذاكرة)، كما لن نترك أي مليمتر من الواجب حيال الشهداء الأبرار، سواء تعلق الأمر بشهداء المقاومة الوطنية أو شهداء الثورة التحريرية المجيدة”.

 

الزيارة تشكل مرحلة مهمة أو حدثا هاما في العلاقة بين الجزائر وفرنسا

 

 

وتسعى الجزائر جاهدة للحصول على “اعتذار صريح” من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن جرائم الاستعمار قبيل انقضاء ولايته الرئاسية. وهنا يقول المحلل السياسي عبد الغاني دندن إن “الجانب الجزائري يسعى لاستغلال هذه الفرصة في تحقيق الكثير من المكاسب الدبلوماسية خلال الزيارة المرتقبة وحل القضايا العالقة لا سيما ما يتعلق بملف الذاكرة وتجريم الاستعمار والاعتذار، وفي الوقت نفسه تفويت الفرصة على اليمين المتطرف في حالة فوز مرشحه بالانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة حيث إن هذا الأخير قد يسهم في توتر العلاقات من جديد في حال تبنيه مواقف وسياسات متطرفة تجاه البلاد وكل القضايا المرتبطة بها محليا ودوليا. وهو ما أكده الرئيس تبون في مناسبات عديدة إذ قال إن هناك طبقة سياسية في فرنسا تحول دون أي تقارب بين البلدين”.

هل ستعتذر فرنسا عن ماضيها؟

“فرنسا لن تتقدم باعتذار صريح عن جرائم الاستعمار الفرنسي” هكذا استهل رفيق بوشيش أستاذ العلوم السياسية بجامعة باتنة (الحاج لخضر) حديثه لـ”المجلة”، وقال إن “هناك عدة تبعات قد تنجر وراء هذا القرار، فالاعتذار يعني تقديم تعويضات للجزائر لا سيما ما يتعلق بملف التجارب النووية في برقان”، ولا يستبعد المحلل السياسي أن “لا يخرج جواب ماكرون عن خانة القرارات السابقة بتعزيز اللجان المختلطة كمثل اللجنة التي قاموا بتأسيسها سابقا في ما تعلق بالذاكرة”.

 

(أ.ف.ب) (أ.ف.ب)

جزائريون اعتقلتهم قوات المظليين الفرنسيين في ساحة الحكومة (ساحة الشهداء حاليا) في الجزائر العاصمة يوم 30 يوليو 1957 

ويؤيده في الرأي أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة ورقلة والخبير بالشؤون الدولية كاهي مبروك، ويقول في حديثه لـ”المجلة”: “لا يمكن الحديث عن تنازلات حاليا بقدر ما هي توافقات وتفاهمات إزاء الكثير من القضايا، وأولى هذه القضايا تلك المتعلقة بالذاكرة الوطنية ومأساة حرب التحرير الوطني حيث اتفق الرئيسان على تشكيل لجنة من كل جانب لدراسة الأمر وتقديم المقترحات والرؤى المتبادلة وهو ما كان بالفعل، علما أن قضايا الذاكرة الوطنية مسألة مقدسة لدى الشعب الجزائري ولا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال”.
ملفات ثقيلة أخرى يرتقب وضعها على الطاولة للشروع في مناقشتها وبدء حلها، ويتعلق الأمر بحسب المحلل السياسي بـ”ملف التجارب النووية وضحايا الإشعاعات وهو الذي تحدث عنه قائد أركان الجيش الوطني الجزائري وطالب بضرورة تسليم خريطة دفن النفايات النووية لتطهير المنطقة وإعادة تأهيلها وفتحها أمام السكان المحليين وتعويضهم والتكفل بهم، ويتمثل الملف الآخر في الأرشيف الوطني وضرورة استعادته كملك للدولة الجزائرية واستعادة رفات الشهداء”.

حرية التنقل والشراكة الاقتصادية

الملف الثاني الذي تراهن الجزائر على افتكاك تنازلات بخصوصه “حرية التنقل”، فهي اليوم تبدي غضبا شديدا بسبب استمرار تقليص حصتها من التأشيرات، ووصفته بـ”القرار الأحادي الجانب الذي من شأنه أن يؤثر سلبا على جودة وانسياب حركة الرعايا الجزائريين في فرنسا”.

 

تسعى الجزائر جاهدة للحصول على “اعتذار صريح” من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن جرائم الاستعمار قبيل انقضاء ولايته الرئاسية

 

 

أما الملف الثالث والأخير فيتعلق بالشراكة الاقتصادية، فأمام احتدام المنافسة الشديدة بين تركيا والصين ودخول دول أوروبية على الخط كإيطاليا، تسعى فرنسا لاستعادة مكانتها في السوق الجزائرية بعد أن صارت في ذيل الترتيب أمام التوسع الصيني والتركي في المجال الاقتصادي والتجاري وهو معطى تؤكده وتثبته الأرقام، إذ بلغت المبادلات التجارية بين الجزائر وتركيا أكثر من 5 مليارات دولار العام الماضي وتتطلع أنقرة لبلوغ 10 مليارات دولار في وقت قصير.
وبلغة الأرقام، بلغ حجم التبادلات التجارية بين الجزائر والصين قرابة 14.6 مليار دولار وهذا في عام 2021، بنمو قُدر بنسبة 32.6 في المئة، بينما استوردت الصين نحو 1.2 مليار دولار من السلع والبضائع الجزائرية أغلبها مواد نفطية ومعادن ثقيلة مثل خام الحديد وكان هذا عام 2022.
وخلال الحقبة الممتدة بين عامي 2005 و2020، استثمر العملاق الصيني في البلاد نحو 23.85 مليار دولار، وتمحورت أغلب الاستثمارات في قطاعي النقل والعقارات، ونجد على سبيل المثال الطريق السيار شرق-غرب، المسجد الكبير في قلب الجزائر العاصمة.

 

(أ.ف.ب)  (أ.ف.ب)

متظاهرون في باريس يوم 17 أكتوبر 2021، أثناء إحياء ذكرى مقتل 120 جزائريا على يد القوات الفرنسية عام 1961 

ويرجح الدكتور عبد الغاني دندن أن “تشكل الزيارة نجاحا دبلوماسيا، وأن تظهر دور الجزائر كلاعب رئيس في الشؤون الإقليمية والدولية ويمكن أن تحفز التعاون الاقتصادي المعزز مع فرنسا وخلق فرص عمل وجذب الاستثمار الأجنبي كما قد يمنح التقويم السياسي القوي مزيدا من الوزن للجزائر في التعامل مع التحديات الإقليمية مثل التهديدات الأمنية وقضايا الهجرة”.
ومن الأسباب التي قد تجعل هذه الزيارة ناجحة، يستحضر عبد الغاني دندن “سياق الزيارة ودلالة التوقيت”. وهنا يستدل بالسياق السياسي، فكل زيارة رئيس دولة تحدث في سياق سياسي فريد، يتشكل بناء على العلاقة بين البلدين والديناميكيات الإقليمية والشؤون العالمية، وقد تحدث زيارة رئيس الدولة في سياق قضايا ثنائية أو دولية محددة تختلف عن تلك التي كانت موجودة خلال زيارات الرؤساء السابقين”.
الاعتبارات السياسية المحلية في الجزائر هي الأخرى بإمكانها أن تؤثر في الزيارة، ويشير محدث “المجلة” إلى “الرأي العام والتحديات المحلية أو أولويات الحكومة، كذلك يمكن أن تؤثر التغييرات القائمة في الديناميات الإقليمية أو العالمية على سياق هذه الزيارة الدبلوماسية، فالتحولات القائمة في المشهد الجيوسياسي أو التطورات التي تشهدها البلدان المجاورة ستلقي بظلالها على هذه الزيارة”.

 

المصدر : https://www.majalla.com/node/314586/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D9%81%D9%8A-%D8%B6%D9%88%D8%A1-%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B3-%D8%A2%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A8%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M