أوروبا على حافة أزمة غاز جديدة: الأبعاد والانعكاسات

  • في ظل اضطراب إمدادات الخليج نتيجة الحرب الإيرانية، تقترب أوروبا من أزمة غاز خطيرة بسبب انخفاض مخزونات الغاز إلى أدنى مستوياتها الموسمية منذ أكثر من عقد، مع صعوبة بلوغ أهداف التخزين قبل فصل الشتاء. 
  • تُفاقِم المنافسة الآسيوية الأزمة الأوروبية، إذ تجذب الأسعار الأعلى في آسيا شحنات الغاز الطبيعي المسال بعيداً عن أوروبا، ما يرفع كلفة الشراء ويؤخر إعادة ملء المخزونات. 
  • ستكون التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لأزمة الغاز في أوروبا واسعةً، وتشمل ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء، وزيادة التضخم، وتباطؤ النمو، وتنامي الضغط على الصناعة والأسر، واحتمال تصاعُد الاحتجاجات السياسية والاجتماعية. 
  • تُعيد الأزمة تشكيل علاقة أوروبا بالخليج، إذ تدفع الاتحاد الأوروبي إلى تعميق الشراكة الأمنية والدبلوماسية مع دول الخليج، لكنَّها تكشف في الوقت نفسه بقاء أمن الطاقة الأوروبي رهينةً لمسار صراع لا يسيطر عليه الأوروبيون ولا شركاؤهم الخليجيون سيطرةً كاملة. 

 

تُواجه دولُ الاتحاد الأوروبي شبحَ أزمة في قطاع الطاقة على أبواب فصل الشتاء، ربما تكون هي الأكبر منذ أزمة غزو أوكرانيا قبل أكثر من أربع سنوات. فقد بلغت نسبة امتلاء مستودعات الغاز في الدول الأوروبية أقل مستوى لها منذ عام 2011، وذلك بدفعٍ من مجموعة من الصدمات المتداخلة، على رأسها الحرب في الشرق الأوسط وفقدان امدادات الغاز الطبيعي المسال من الخليج، واشتداد المنافسة مع المشترين الآسيويين، إلى جانب المشاكل الهيكلية للسوق الأوروبية على مستوى التنسيق والمنافسة. ومع اقتراب فصل الشتاء، ربما تواجه أغلب الدول الأوروبية ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار الغاز والكهرباء، بكل ما يعنيه ذلك من تأثيرات شديدة الخطورة على قطاعات الإنتاج، والاستهلاك المنزلي، وفاتورة النفقات الاجتماعية، وعلى الاستقرار السياسي أيضاً.

 

ترصد هذه الورقة مؤشرات الأزمة الوشيكة، وتُحلِّل السياقات الجيوسياسية والسوقية التي تقودها، والآثار الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الدول الأوروبية، وتستكشِف كيف تُعيد هذه الأزمة تشكيل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي تجاه دول الخليج العربية.

 

مؤشرات الأزمة الوشيكة

تبدو أرقام تخزين الغاز أكثر المؤشرات وضوحاً على هشاشة الوضع في أوروبا، فقد أظهرت بيانات منظمة البنية التحتية للغاز في أوروبا أن مستويات امتلاء خزانات الغاز في الاتحاد الأوروبي لم تتجاوز 57.15% من سعتها حتى الثاني من أغسطس الحالي، وهو أدنى مستوى مسجل في مثل هذا الوقت من العام منذ بدء تسجيل البيانات بين عامي 2009 و2011. وفي يونيو الماضي، بلغت نسبة امتلاء الخزانات 48.62%، أي أقل بنحو 10.6 مليار متر مكعب من المعدل في الفترة نفسها من العام السابق. وبحلول أواخر يوليو، لم تتجاوز نسبة امتلاء الخزانات 54%، وهو ثاني أدنى مستوى صيفي منذ عام 2011، والأدنى لشهر يوليو منذ عام 2021.

 

أما على مستوى الدول فنجد تبايناً يزيد من نسبة المخاطر الاجمالية. ففي أوائل أغسطس، بلغت نسبة امتلاء الخزانات في إيطاليا نحو 76%، وفي بولندا ما يقارب 85%، بينما تراجعت ألمانيا إلى نحو 47%، وهولندا إلى مستوى أدنى. ونظراً لأن ألمانيا وهولندا تُعدّان مركزين محوريين لتوزيع الغاز في القارة الأوروبية وتلبية الطلب الصناعي، فإن ضعف وضعهما يزيد من خطر حدوث ارتفاعات محلية في الأسعار وضغوط على توازن المخزون، حتى لو اتجه المتوسط على مستوى الاتحاد الأوروبي نحو التحسن. وفي المقابل تفرض لائحة تخزين الغاز في الاتحاد الأوروبي على الدول الأعضاء ملءَ الخزانات بنسبة 90% بحلول الأول من نوفمبر. أما بالنسبة لشتاء 2026، فقد تم تخفيف الهدف الإلزامي إلى 80% بموجب أحكام المرونة في اللائحة، مع إمكانية التسامح مع الدول الأعضاء بنسبة تصل إلى 4% إضافية في حال كانت ظروف السوق غير مواتية. ومع ذلك، تواجه أوروبا خطر عدم تحقيق نسبة 80% في بداية ديسمبر.

 

تقترب أوروبا من أزمة غاز خطيرة بسبب انخفاض مخزونات الغاز إلى أدنى مستوياتها الموسمية منذ أكثر من عقد (شترستوك)

 

المؤشر الثاني، الذي يدل على أن أوروبا تسير في اتجاه الأزمة، هو حركة السوق، إذ يُعد شكل منحنى العقود الآجلة مؤشراً واضحاً على وجود ضغوط. فعادةً ما يُجرى تداول أسعار الغاز للتسليم في آجال أبعد بعلاوة سعرية مقارنةً بأسعار التسليم في آجال أقرب، مما يعكس تكلفة التخزين والتأمين ضد عدم اليقين على المدى القريب. وفي عام 2026، أدى انقطاع إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الخليج إلى تراجع السوق، حيث أصبحت أسعار التسليم في آجال أقرب أعلى من أسعار التسليم في آجال أبعد. وهذه علامة واضحة على حالة ندرة حادة، لذلك يدفع التجار وشركات المرافق علاوةً سعرية لتأمين الغاز الآن بدلاً من المراهنة على انخفاض تكلفة الإمدادات لاحقاً، مما يُقلل من الحافز المالي لشركات المَرافق لضخ الغاز في المخازن لفصل الشتاء، وهذه العملية تجعل النقص الحالي مُتفاقماً. وفي الوقت نفسه تشهد الأسعار الفورية والآجلة ارتفاعاً ملحوظاً، حيث أغلق مركز Title Transfer Facility-TTF (المؤشر المرجعي لتسعير الغاز في هولندا وعموم أوروبا)، عند 696 دولاراً لكل 1000 متر مكعب في أوائل أغسطس، مرتفعاً من متوسط 626 دولاراً في يوليو، وهو مؤشر عن طبيعة الأسعار مستقبلاً.

 

أما المؤشر الثالث، والأكثر تعقيداً، هو تواصُل تراجُع واردات الغاز الطبيعي المسال إلى الاتحاد الأوروبي. حيث يمثل نقص سعة التخزين نتيجةً مباشرة لنقص واردات الغاز الطبيعي المسال، التي انخفضت من شمال غرب أوروبا، ما يعكس انخفاضاً في المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المسال بنحو 7 ملايين طن سنوياً عن المتوقع، ويرجع ذلك أساساً إلى تراجُع واردات الغاز من روسيا وقطر، في حين تجاوزت واردات الغاز الطبيعي المسال الآسيوية التوقعات وسط موجة الحر في اليابان وكوريا الجنوبية والهند.

 

العوامل السياقية 

تُمثِّل الحرب المتواصلة بين إيران والولايات المتحدة، وما نتج عنها من إغلاق إيران مضيق هرمز أمام الملاحة، والذي كان يمر عبره قبل النزاع نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم و20% من الغاز الطبيعي المسال، السبب المركزي للأزمة. فقد وصف رئيس وكالة الطاقة الدولية الاضطراب الناتج بأنه “أكبر تحدٍّ لأمن الطاقة العالمي في التاريخ”، مشيراً إلى أن إغلاق إيران للمضيق أدى إلى تعطيل 20% من إمدادات النفط العالمية وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. وحتى بعد توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة في 18 يونيو، لم يعد المضيق إلى وضعه الطبيعي، حيث دأبت إيران على تهديد السفن العابرة ومهاجمتها، سعياً منها لإجبار السفن على اتباع المسارات والبروتوكولات التي تحددها، وهو تصعيدٌ أثار المزيد من الضربات الأمريكية.

 

ولم يقتصر الأمر على مسألة العبور. فقد أدت الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج إلى تضرر القدرة الإنتاجية بسبب استهداف مواقع الإنتاج، إذ أدى هجوم صاروخي على مجمع رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر في مارس الماضي إلى تعطيل 17% من طاقة التصدير السنوية لقطر، وبالتالي انخفضت واردات أوروبا من الغاز القطري بشكل حاد في الربع الأول من عام 2026. كما استهدفت إيرانُ مجمع الرويس للغاز الطبيعي المسال في دولة الإمارات، ما أدى إلى تراجع تحميل شحنات الغاز الإماراتي، وبالتالي فإن تراجع القدرات الإنتاجية والتصديرية القطرية والإماراتية قطع نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية في ذروة الأزمة في منتصف مارس، وهو ما دفع أوروبا إلى الاعتماد أكثر على المخزونات الاستراتيجية، التي دفع تواصل الأزمة إلى صعوبة تعويضها.

 

أما العامل الثاني فهو المنافسة الشرسة لأوروبا من طرف المشترين الآسيويين. ويُجسّد هذه الديناميكية سعران مرجعيان، هما السوق الأوروبية وسعر السوق الياباني-الكوري في آسيا. ووفقاً لأحد التحليلات فإنه عندما يُتداول سعر السوق الياباني-الكوري بعلاوة سعرية كبيرة مقارنةً بسعر السوق الأوروبية، يتفوق المشترون الآسيويون على المستوردين الأوروبيين في المزايدة على الشحنات المرنة، مما يُعيد توجيه تدفقات ناقلات النفط شرقاً ويُقلّص المعروض الأوروبي. لذلك سيكون الاتحاد الأوروبي مضطراً إلى تقديم عروض أسعار أعلى من آسيا في السوق الفورية لتحقيق أهدافه التخزينية، وهو ما يعني عملياً زيادة الكلفة. وتُفسِّر هذه الديناميكية سببَ تأخر إعادة ملء الخزانات الأوروبية حتى في الوقت الذي لم ينهار فيه إمداد الغاز الطبيعي المسال العالمي بشكل كامل، فالشحنات موجودة لكن أوروبا تخسر حرب المزايدة للحصول على ما يكفي لمجابهة فصل الشتاء المقبل.

 

ومع أن جميع المؤشرات تضمن ارتفاع الأسعار في خلال فصل الشتاء المقبل وحتى النصف الأول من عام 2027، إلا أن وجود عوامل أخرى من شأنها أن تخفف من وقع الأزمة وتأثيرها. فقد أعلن المصدّرون عن خطط لمضاعفة طاقة التسييل أكثر من مرتين حتى عام 2029، كما تستعد قطر لإعادة تشغيل سريعة، حيث تشير التقارير إلى أن نصف إنتاجها جاهز للتشغيل في غضون شهر من إعادة فتح مضيق هرمز. فضلاً عن كون الطلب على الغاز في الاتحاد الأوروبي قد انخفض بنحو 17% عن مستويات ما قبل الأزمة بسبب تحسين الكفاءة.

 

يتوقَع أن تتجاوز تداعيات أزمة الغاز في أوروبا أسواق الطاقة، لتطال النمو الاقتصادي وارتفاع التضخم في دول الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)

 

تداعيات الأزمة والتدابير المضادة

وفقاً لتقرير التوقعات الاقتصادية لربيع 2026، الصادر عن المفوضية الأوروبية، فمن المتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي إلى 1.1% في عام 2026، أي أقل بنسبة 0.3 نقطة مئوية من توقعات خريف 2025، بينما من المتوقع أن يرتفع التضخم إلى 3.1%، بزيادة قدرها نقطة مئوية كاملة. ومن المتوقع أن يمتد هذا التأثير إلى عام 2027، حيث سينتعش النمو بشكل طفيف فقط إلى 1.4%، وينخفض التضخم إلى 2.4%، وهو لا يزال أعلى من التوقعات قبل الأزمة، ذلك أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، وأساساً الغاز الطبيعي، يؤدي إلى زيادة فواتير الأُسر وارتفاع تكاليف الأعمال، مما يُقلل أرباح العديد من الصناعات، ويحوّل فعلياً الدخل إلى خارج اقتصاد الاتحاد الأوروبي وتحديداً نحو الدول المصدّرة للطاقة. وقدّرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، حجم الاستنزاف المالي المباشر للأزمة بنحو 25 مليار يورو إضافية هي قيمة استيراد النفط والغاز في خلال أول 54 يوماً من الحرب فقط.

 

ومع أن تأثير التضخم حالياً يبدو أقل حدةً مما كان عليه في خلال أزمة غزو أوكرانيا وقطع الغاز الروسي، إلا أن العبء يقع بشكل غير متناسب على الصناعة وليس على المستهلكين. ووفق بيانات النشرة الاقتصادية للبنك المركزي الأوروبي، فإن معدل التضخم الرئيسي لأسعار المستهلكين ارتفع بشكل طفيف إلى 1.2% على أساس سنوي في أبريل، بينما تسارع تضخم أسعار المنتجين بشكل حاد إلى 2.8%، مما يشير إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة يؤثر بشكل مباشر في الصناعة والقطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة أكثر من تأثيره على الأُسر. وذلك يكشف عن أن صدمات إمدادات الغاز لها تأثيرات أوسع وأكثر استدامة على التضخم في منطقة اليورو مقارنةً بصدمات النفط، لاسيما مع استمرار حالة عدم اليقين مرتفعة. وتشير التوقعات إلى أن معدل التضخم في الاتحاد الأوروبي قد يبلغ ذروته قرب 3.5% في أواخر صيف 2026 مع ظهور التأثير الكامل لارتفاع أسعار الطاقة على فواتير الأسر، حيث تتوقع أسواق العقود الآجلة رفعَ البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة مرتين بمقدار 25 نقطة أساس بحلول نهاية عام 2026، في حال استمرار التضخم الناتج عن الطاقة فوق المستوى المستهدف. وتُشير التقديرات إلى أن ارتفاع أسعار الكهرباء بالجملة بنسبة 60% فوق مستويات ما قبل فبراير 2026، بسبب الزيادة في أسعار الغاز، قد يزيد فواتير الكهرباء للمنازل بما يصل إلى 120 يورو سنوياً.

 

ولمواجهة هذه التداعيات استجابت الدول الأعضاء بتدابير دعم، ولكن على نطاق وصفته المفوضية نفسها بأنه متواضع مقارنة بحجم الصدمة وحدّتها. فقد بلغت قيمة التدابير المعلنة في الميزانية للتخفيف من الأثر الاجتماعي والاقتصادي لارتفاع أسعار الطاقة 14.5 مليار يورو، أي نحو 0.07% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي في عام 2026، مع إمكانية ارتفاعها إلى 38.6 مليار يورو (0.2% من الناتج المحلي الإجمالي) في حال تمديد التدابير المقرر انتهاؤها حتى نهاية العام الجاري.

 

لكن التداعيات غير المباشرة ربما تكون أكثر خطورة على المستوى الاجتماعي والسياسي. إذ تكشف جميع أزمات الطاقة السابقة في أوروبا عن تلازم استمرار ارتفاع أسعار الطاقة مع عدم الاستقرار السياسي، ذلك أن أسعار الطاقة ليست مجرد متغير اقتصادي، بل قد تكون ذات تأثير سياسي متفجر، والارتفاع الحاد في تكاليف الوقود والكهرباء يُساهم بالفعل في التضخم، ويُضعف القدرة الشرائية للأسر، ويُقلل من ثقة المستهلك، وهي ظروف تُهيئ بيئةً خصبة للسُّخط السياسي. لذلك من المتوقع أن تتوسع رقعة وحدّة الاحتجاجات الاجتماعية رداً على الارتفاع السريع في أسعار الوقود وضغوط تكاليف المعيشة الأوسع، لاسيما في حال واصلت الحكومات الأوروبية سياسة خفض الانبعاثات الكربونية التي ربما تُفاقم الصعوبات الاقتصادية، إذ قد تواجه الحكومات ضغوطاً لإبطاء أو تخفيف طموحاتها المناخية لتخفيف الضغوط عليها. ويمكن أن تطال هذه المخاطر السياسةَ المناخية للاتحاد الأوروبي، حيث من المتوقع أن تطالب أحزاب اليمين المتطرف، المعارضة للصفقة الأوروبية الخضراء، بوقف تنفيذ بعض بنود هذه السياسة كونها تقلل من القدرة التنافسية الصناعية والزراعية الأوروبية في ظل الأزمة. مع أن سياقات الأزمة قد تشجع أيضاً التحول الصناعي نحو الطاقات المتجددة، وتعطي دَفعاً للأحزاب والكيانات السياسية البيئية.

 

كيف تتأثر السياسة الأوروبية تجاه الخليج؟

تتقاطع أزمة الغاز الوشيكة في أوروبا بشكل واضح ومباشر مع الاستراتيجية الكبرى للاتحاد الأوروبي في منطقة الخليج، لأن غاز المنطقة، لاسيما من قطر والإمارات، قد أصبح أكثر أهمية وأكثر خطورة في الوقت نفسه بالنسبة لأمن الطاقة الأوروبي. فقد أصبحت مكانة قطر محورية في أمن الإمدادات الأوروبية في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، عبر سلسلة من العقود طويلة الأجل التي وقّعتها الدوحة لتوريد الغاز لمدة 27 عاماً مع شركتَي شل الهولندية وتوتال الفرنسية، فضلاً عن اتفاقية قائمة على الحصص مع شركة إيني الإيطالية، مرتبطة بتوسعة حقل الشمال، والتي تهدف إلى رفع إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 64% بحلول عام 2027. كما وقَّعت مع ألمانيا صفقة لمدة 15 عاماً لتوريد ما يصل إلى مليوني طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً عبر محطة برونزبيوتل. أما دولة الإمارات فقد غدت مُصدِّراً للغاز ذي أهمية متزايدة عبر مشروع الرويس للغاز الطبيعي المسال التابع لشركة أدنوك، والذي سيُضاعف طاقة إنتاج الإمارات من الغاز الطبيعي المسال إلى نحو 15 مليون طن سنوياً بحلول عام 2028، ويضم شركاء دوليين مثل شل وبي بي وتوتال وميتسوي، إذ تمتلك كلٌّ منهم حصة 10%. كما تتطلع شركة آر دبليو إي الألمانية للطاقة إلى إبرام صفقة طويلة الأجل مع “أدنوك” لتوريد الغاز الطبيعي المسال، في ظل سعي أوروبا للحد من اعتمادها على الغاز الأمريكي.

 

تُسرِّع أزمة الطاقة إعادة توجيه العلاقة الأوروبية-الخليجية، من بُعدها التجاري التبادلي إلى شراكة أمنية ودبلوماسية أعمق (أ.ف.ب)

 

كشفت الحرب وتداعياتها على قطاع الطاقة أن مكانةَ الخليج في السياسة الأوروبية محوريةٌ، كما كشفت أيضاً عن قصور أوروبي في العقود الماضية عن إدراك هذه المكانة، وهو ما دفع الدول الأوروبية -وعلى رأسها المملكة المتحدة وفرنسا- إلى تشكيل تحالف يضم 40 دولة لإعادة فتح مضيق هرمز بعد انتهاء الحرب، وهي مبادرة تتضمن التعاون مع دول الخليج أساساً. كما دفعت الأزمة الأوروبيين إلى طرح مقترحات ملموسة لتشكيل بنية تحتية للطاقة تتجاوز مضيق هرمز بالكامل، فقد عبَّرت رئيسة المفوضية الأوروبية، عن اهتمام متجدد بالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، مُشيرةً إلى أن الاتحاد الأوروبي “مستعد للتعاون مع دول الخليج” للمساعدة في إنشاء بنية تحتية جديدة للطاقة تتجاوز بؤر التوتر. ومن بين مشاريع البنية التحتية المصممة لتجاوز المضيق، التي يحاول الطرفان استكشافها، توسيع طاقة خطوط الأنابيب السعودية التي تصل إلى البحر الأحمر، وتطوير ممرات لوجستية برية عبر شبه الجزيرة العربية وصولاً إلى البحر المتوسط، ومشاريع توسيع خط أنابيب حبشان-الفجيرة الإماراتي، وزيادة طاقة التكرير والتخزين خارج الخليج، وتعزيز الروابط بين صادرات الخليج وأسواق البحر الأبيض المتوسط.

 

لكن هذا التقارب الوثيق بين أوروبا والخليج يواجه قيوداً أمام إمكانية تطوير العلاقات بين الطرفين، ذلك أن محورية الخليج بالنسبة لأوروبا لا تعكس دور الاتحاد الأوروبي في الصراع؛ فعلى الرغم من مساهمة بعض الدول الأوروبية في تقديم المساعدة للدول الخليجية في خلال الحرب، لكنَّها ظلت محدودة أمام حجم الهجمات العدوانية الإيرانية، ولاسيما في المضيق. فضلاً عن ذلك يستمر التحوط التجاري من قبل مُنتجي الخليج تجاه أوروبا، ففي خلال مؤتمر الغاز الطبيعي المسال 2026 في الدوحة، وقَّعت أكبر شركة مرافق يابانية اتفاقية مدتها 27 عاماً مع قطر، كما شرعت شركة ميتسوي اليابانية في التفاوض على حصة أقلية في أحد مشاريع التوسع الضخمة في قطر، مما يُظهر أن مُنتجي الخليج، وقطر على وجه الخصوص، سيستفيدون من الاهتمام الدولي المتزايد باستقرار عقود الغاز الطبيعي المسال طويلة الأجل من مناطق متعددة في آن واحد، وليس من الاتحاد الأوروبي وحده.

 

استنتاجات

تؤكد أغلب المؤشرات الفنية أن أوروبا تواجه أزمة غاز حقيقية ومتعددة الأبعاد مع حلول فصل الشتاء المقبل، عبر انخفاض قياسي في المخزونات الموسمية، وتراجُع منحنى العقود الآجلة، ونقص ملحوظ في واردات الغاز الطبيعي المسال، والتي تعود جميعها إلى سبب جذري مشترك هو الحرب في الشرق الأوسط، وما نتج عنها من اضطراب في مضيق هرمز، بالإضافة إلى المنافسة الهيكلية من المشترين الآسيويين التي لا يمتلك نظام الشراء الأوروبي المجزَّأ القدرة الكافية لمواجهتها.

 

ومن المحتمل أن تتجاوز التداعيات أسواق الطاقة بكثير، لتطال النمو الاقتصادي وارتفاع التضخم في دول الاتحاد الأوروبي، في مقابل استجابة مالية لا تزال متواضعة مقارنة بحجم الصدمة، وهو ما يشير إلى إمكانية تصاعد التوترات الاجتماعية والسياسية، مما يُشكّل خطراً مباشراً على استدامة توافق الآراء بشأن الصفقة الخضراء للاتحاد الأوروبي. وفي المقابل تعمل الأزمة على تسريع إعادة توجيه علاقة الاتحاد الأوروبي مع دول الخليج، من علاقة تجارية ذات طابع تبادلي إلى شراكة أمنية ودبلوماسية أعمق.

 

مع ذلك، ربما لا يمكن لهذا التحول أن يحلّ نقطة الضعف الأوروبية الهيكلية، فما دامت صادرات الغاز الطبيعي المسال الخليجية تعتمد فعلياً على المرور عبر مضيق هرمز أو بالقرب منه، سيظل أمن الطاقة الأوروبي رهينةً لمسار صراع لا يسيطر عليه الأوروبيون ولا شركاؤهم الخليجيون سيطرةً كاملة. وسيكون الشتاء المقبل أول اختبار حقيقي لمدى قدرة مبادرات الاتحاد الأوروبي لمواجهة الأزمة على تحقيق مرونة حقيقية، أو ما إذا كان أمن الطاقة الأوروبي، كما جرى عقب غزو أوكرانيا، سيعتمد مرة أخرى بشكل أساسي على الأحوال الجوية وعلى المورّد الأمريكي.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M