- أعادت قمة الناتو في أنقرة فتح نافذة استراتيجية لتركيا داخل الحلف، إذ لم تعُد أهمية تركيا قائمة فقط على موقعها الجغرافي وجيشها الكبير، بل على قدرتها على الإسهام في منظومة الردع الجديدة القائمة على الصناعة الدفاعية، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد، والذكاء الاصطناعي، والدفاع السيبراني.
- أصبحت الصناعة الدفاعية الرافعة الأبرز لقوة تركيا داخل الحلف؛ فالناتو يتجه نحو الإنتاج المشترك وزيادة القدرات الصناعية، ما يمنح تركيا فرصة للانتقال من مجرد مورّد أو حليف عسكري إلى شريك صناعي وتكنولوجي مركزي في بنية الدفاع الأطلسية.
- تُعزز عودة الجغرافيا السياسية مكانة تركيا بسبب موقعها عند تقاطع البحر الأسود، والقوقاز، والبلقان، وشرق المتوسط والشرق الأوسط، ودورها في المضائق، وأمن الطاقة، وطرق التجارة، وإدارة الأزمات، ما يجعلها مركزاً استراتيجياً لا مجرد دولة على أطراف حلف الناتو.
- مع ذلك، فإن تحويل هذه المزايا إلى نفوذ دائم ليس مضموناً؛ إذ يتطلب من أنقرة سياسة خارجية قابلة للتنبؤ، واستقراراً اقتصادياً، واستثمارات تكنولوجية مستمرة، وتقليص الاعتماد على الخارج في المكونات الحرجة، وبناء ثقة أكبر مع الحلفاء الأوروبيين والأطلسيين.
- فتحت قمة أنقرة أيضاً فرصة لإعادة ضبط العلاقات الدفاعية التركية-الأمريكية، خاصة في ملفات إف-35 وعقوبات كاتسا، لكن استمرار الخلافات حول منظومة إس-400، والعلاقات مع روسيا، يجعل المكاسب مرهونة بقدرة تركيا على طمأنة واشنطن والناتو، وترسيخ نفسها شريكاً إنتاجياً وتكنولوجياً طويل الأمد.
لطالما كانت تركيا أحد الركائز الأساسية في البنية الأمنية لحلف الناتو طوال الحرب الباردة، وذلك بفضل حمايتها للجناح الجنوبي في مواجهة الاتحاد السوفياتي، وسيطرتها على الممرات الحيوية بين البحر الأسود والبحر المتوسط، وامتلاكها لثاني أكبر جيوش الحلف.
غير أن قمة الناتو، التي عُقدت في أنقرة عام 2026، تُشير إلى مرحلة جديدة تُغيّر طبيعة هذه الأهمية. ففي هذه المرحلة التي يشهد فيها الناتو تحولاً هيكلياً، يُعاد تشكيل أولويات الحلف. ويقوم هذا التشكل الجديد أساساً على تعزيز دور الجناح الأوروبي، والتحول السريع في تقنيات الدفاع. وفي هذه البنية الأمنية الجديدة، لم يعد عدد الجنود أو أنظمة الأسلحة وحدها هي الأهم، بل باتت مرونة الصناعة الدفاعية، وأمن سلاسل التوريد، والذكاء الاصطناعي، والدفاع السيبراني، والتقنيات الحرجة، تكتسب أهمية متزايدة وتتحول إلى مكوّنات أساسية للردع. وقد فتحت قرارات قمة أنقرة أمام تركيا نافذة فرصة يمكنها عبرها إعادة تعريف دورها داخل الحلف وتعزيزه. غير أن تحوّل هذه النافذة، التي برزت في ظل التحول الهيكلي الذي يشهده الناتو، إلى مكاسب دائمة، يبقى رهناً بالخطوات التي ستتخذها أنقرة.
ويمكن الحديث عن تطورين أساسيين قد يُبرزان مكانة تركيا في هذه المرحلة الجديدة من مسيرة الناتو:
الأول، من بين أهداف الناتو تعزيز الجناح الأوروبي، وإعادة التسلح، وزيادة القدرة الإنتاجية، وتحقيق مزيد من التكامل في جميع المجالات، وهي أهدافٌ جرى التأكيد عليها مجدداً، وبقوة، في قمة أنقرة. وتماشياً مع هذه الأهداف، لم تعد تركيا تكتسب أهميتها الاستراتيجية بفضل موقعها الجغرافي أو قدرتها العسكرية فحسب، بل أيضاً بفضل قوتها الإنتاجية في الصناعة الدفاعية، وقدراتها التكنولوجية، والمساهمة الصناعية التي يمكن أن تقدمها لأمن أوروبا.
الثاني، بروز الحاجة إلى تعزيز الجناح الجنوبي للناتو، إذ ازدادت أهمية هذا الجناح بفعل التطورات في الشرق الأوسط، والأحداث المتصاعدة حول مضيق هرمز، وقضايا أمن الطاقة وطرق الإمداد. وهو ما يمنح تركيا مزايا مهمة.
تُلقي هذه الورقة الضوء على الموقع المتغيّر لتركيا داخل الناتو بعد قمة أنقرة، من خلال ثلاثة محاور: تنامي مكانة الصناعة الدفاعية التركية وتداعياته الاستراتيجية؛ والقيمة الجيوسياسية المتغيّرة لتركيا؛ والقدرة التفاوضية الدبلوماسية المتنامية لأنقرة، والحدود الهيكلية التي تواجهها.
الصناعة الدفاعية: الرافعة الاستراتيجية الجديدة لتركيا
من أبرز النتائج التي حملتها قمة أنقرة بالنسبة لتركيا، التأكيد على مستوى الناتو بأن الصناعة الدفاعية ما عادت مجرد عنصر من عناصر الأمن القومي، بل أصبحت إحدى الأدوات الأساسية للسياسة الخارجية والتنافس الاقتصادي.
وبالفعل، أُدرج منتدى الصناعة الدفاعية للمرة الأولى ضمن البرنامج الرسمي لقمة أنقرة. وشهد المنتدى إبرام اتفاقيات بين الحلفاء بقيمة لا تقل عن 50 مليار دولار في مجالات متعددة، من تقنيات الفضاء إلى وسائل الاتصال العسكري. ووفقاً لتقديرات الناتو، من المتوقع أن يبلغ إجمالي الإنفاق الدفاعي لدول الحلف في عام 2026 نحو 1.809 تريليون و915 مليون دولار، بزيادة تقارب 11%.
غير أن الناتو، الذي ينظر إلى الحرب في أوكرانيا باعتبارها مختبراً حقيقياً، أدرك أن العامل الحاسم لا يكمن في تخزين الذخائر فحسب، بل في سرعة إنتاج السلاح ومتانة البنية الصناعية أيضاً. لذلك، لم يكتفِ الحلف بزيادة الإنفاق الدفاعي، بل اتخذ أيضاً قراراً بتطوير قدرات الإنتاج المشترك، وتعزيز سلاسل التوريد، وإعادة هيكلة الصناعة الدفاعية.
وهنا بالتحديد تكتسب القدرة الإنتاجية التي طوّرتها تركيا في السنوات الأخيرة أهميتها الاستراتيجية. فتركيا لا تقف أمام فرصة تصدير مزيد من المنتجات الدفاعية فحسب، بل تحمل أيضاً، بفضل قرار الإنتاج المشترك، إمكانية الحصول على موقع أكثر مركزية في الصناعة الدفاعية للناتو.
وبفضل استثمارات الصناعة الدفاعية التي تسارعت وتيرتها في خلال العقد الأخير، توصلت تركيا إلى قدرة إنتاجية لا تكتفي بتلبية احتياجاتها الخاصة فقط، بل تنافس أيضاً في الأسواق الدولية في مجالات عديدة مثل الطائرات المسيّرة، وأنظمة الحرب الإلكترونية، والذخائر الذكية، والمنصات البحرية، وتقنيات الرادار، والأنظمة البرية. ووفقاً لبيانات مجلس المصدّرين الأتراك (TİM)، بلغت صادرات الصناعة الدفاعية والطيران التركية إجمالاً 10 مليارات و16 مليون دولار في عام 2025. وارتقت تركيا بذلك إلى المرتبة الحادية عشرة عالمياً في صادرات الدفاع والطيران.
وطبقاً لوزير الصناعة والتكنولوجيا التركي محمد فاتح كاجير، فإن الصناعة الدفاعية التركية تنفّذ، اعتباراً من عام 2026، أكثر من 1400 مشروع بحث وتطوير، وتواصل قطاعات الدفاع والطيران نموها بمنظور يستهدف العشرين عاماً المقبلة، وبحجم عقود يقارب 150 مليار دولار.
والأهم من ذلك، أن هذه القدرة لا تقتصر على عدد قليل من الشركات الكبرى، بل تستند إلى شبكة صناعية واسعة تضم مئات الموردين وآلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة المتمركزة حول المقاولين الرئيسين. وهذه البنية جعلت من تركيا شريكاً صناعياً قادراً على المساهمة في مشاريع الإنتاج المشترك، لا مجرد بلد يبيع المنتجات فقط. وهو ما يمنح تركيا إمكانية أن تكون من بين الدول التي لا يمكن الاستغناء عنها في منظومة الإنتاج الخاصة بالناتو.
فعلى سبيل المثال، كانت تركيا أول دولة بادرت لبيع أوكرانيا طائرات مسيرة، وساعدتها على التوفيق بين مصانعها للسلاح السوفيتي والتقنية الغربية، واليوم بلغت أوكرانيا مبلغاً متقدماً في مجال المسيرات عموما، وهو ما بدأ بدعم ومساعدة تركية مهمة.
وثمة فرصة واضحة أمام تركيا في هذا الصدد، وتتوفر الإرادة السياسية الداعمة لاستثمارها. فالصناعة الدفاعية، بفضل إنتاجها ذي القيمة المضافة العالية، والهندسة المتقدمة، والبرمجيات، والإلكترونيات، وتقنيات المواد المركّبة، واستثمارات البحث والتطوير، يمكن أن تؤدي دور رافعة تُحوّل القطاعات الاقتصادية الأخرى أيضاً. كما أن الحصول على حصة أكبر من الاستثمارات الدفاعية الأوروبية المتزايدة قد لا يقتصر أثره في زيادة عائدات التصدير فحسب، بل قد يُسرّع نقل التكنولوجيا، ويدعم التوظيف الحرفي، ويعزز القدرة الإنتاجية التركية في مجال التكنولوجيا المتقدمة.
غير أن تحوّل هذه الفرص إلى مكاسب اقتصادية واستراتيجية ليس أمراً تلقائياً. إذ تؤكد استراتيجية الناتو الصناعية الجديدة، واستراتيجية الاتحاد الأوروبي للصناعة الدفاعية الأوروبية (EDIS) أن التفوق التنافسي المستدام في الإنتاج الدفاعي لا يرتبط بحجم الإنتاج فقط، بل بالقدرة على تطوير التكنولوجيا المتقدمة، وأمن التوريد في الأنظمة الفرعية الحرجة، والشراكات الصناعية الدولية الموثوقة. وفي هذا الإطار، من المهم أن تعمل تركيا على زيادة قدرتها الإنتاجية كثيفة التكنولوجيا، وتقليل اعتمادها الخارجي في الأنظمة الفرعية الحرجة، وتوفير بيئة استثمار وأعمال يمكن التنبؤ بها في إطار الشراكات الدولية.
وفي حين يوفر النجاح الحالي في الصناعة الدفاعية نقطة انطلاق مهمة، فإن تركيا لن تحقق ميزة دائمة في إطار المفهوم الأمني القائم على الإنتاج لدى “الناتو 3.0” إلا إذا اكتسبت القدرة على الابتكار المستمر والاندماج في المنظومة التكنولوجية المشتركة للحلف.
عودة الجغرافيا السياسية
بعد انتهاء الحرب الباردة، ساد اعتقاد راسخ بأن دور الجغرافيا السياسية في تحديد مسار السياسة الدولية قد تراجَع. غير أن الغزو الروسي لأوكرانيا، والهجمات التي استهدفت طرق التجارة في البحر الأحمر، والتوترات المتصاعدة حول مضيق هرمز، والنقاشات المتعلقة بأمن إمدادات الطاقة، أظهرت جميعها أن الجغرافيا عادت لتكون عاملاً حاسماً في الأمن الدولي.
ولهذا التحول نتائج مهمة بالنسبة لتركيا. فالمفهوم الأمني الجديد للناتو لا يقتصر على إدارة الأزمات فحسب، بل يعد أيضاً سرعة نقل القوات، وشبكات اللوجستيات المرنة، وحماية البنية التحتية الحرجة، وقدرة الحلفاء على التعزيز السريع، من العناصر الأساسية للتخطيط الاستراتيجي. وبفضل موقعها عند تقاطع البحر الأسود والقوقاز والبلقان وشرق المتوسط والشرق الأوسط، تُعد تركيا من بين القلة من الحلفاء الذين يؤدون دوراً مباشراً في كل محاور هذا النطاق الأمني تقريباً.
فعلى سبيل المثال، أصبح البحر الأسود، عقب الحرب الروسية الأوكرانية، أحد أخطر جبهات الأمن الأوروبي. وقد زاد تطبيق اتفاقية مونترو للمضائق، والإشراف على المضائق، والحفاظ على التوازن العسكري في البحر الأسود، من الثقل الاستراتيجي لتركيا. وبالمثل، أظهرت المبادرات الدبلوماسية المتعلقة بتشغيل ممر الحبوب في خلال الحرب القدرة السياسية والدبلوماسية لأنقرة، وليس فقط قدرتها العسكرية. وباتت قيمة تركيا بالنسبة للناتو نابعة ليس فقط من سيطرتها على البوابة المؤدية إلى البحر الأسود، بل من الدور المتعدد الأبعاد الذي تستطيع لعبه في إدارة الأزمات.
وتبرز صورة مماثلة فيما يتعلق بأمن الجناح الجنوبي لأوروبا. ففيما يُتوقع أن يُلقي الناتو مستقبلاً بمزيد من المسؤوليات على الدول الأوروبية في مهام إدارة الأزمات والأمن البحري والاستقرار الإقليمي، لم تعد البلقان وشرق المتوسط والشرق الأوسط مناطق أمنية منفصلة عن بعضها البعض. وأي اضطراب قد ينشأ في هذه المناطق سيؤثر مباشرة في أمن أوروبا، بدءاً من حركات الهجرة وأمن الطاقة، وصولاً إلى طرق التجارة وتهديد الإرهاب. أما تركيا فهي البلد القادر على التواصل في آن واحد مع كل هذه الجغرافيات، ودعم قدرتها العسكرية بالوصول الدبلوماسي والإمكانات اللوجستية.
ومن المرجَّح أن يُغيّر هذا الوضع مكانة تركيا داخل الناتو. فلسنواتٍ طويلةٍ، كانت أنقرة تُعدُّ في الأساس “دولة جبهة” تحمي الحدود الجنوبية الشرقية للحلف. أما في المرحلة الجديدة التي يتشكل فيها “الناتو 3.0″، فقد بدأت أهمية تركيا تنبع لا من كونها حليفاً يوفر أمن الحدود فحسب، بل من كونها مركزاً استراتيجياً يربط بين مختلف مناطق الأزمات التي تؤثر في أمن أوروبا. وبعبارة أخرى، لم تعد تركيا بلداً يقع على أطراف الناتو، بل أصبحت واحدة من الدول المركزية التي تؤثر مباشرة في سير عمل البنية الأمنية للحلف. أي أن تركيا لم تعد تُقيَّم بوصفها مجرد حليف يحمي الجناح الجنوبي الشرقي للناتو، بل باتت تُنظر إليها بصفتها شريكاً قادراً على تزويد البنية الأمنية والدفاعية الأوروبية المُعاد تشكيلها بالإنتاج والتكنولوجيا وإمكانية الوصول الاستراتيجي.
هل تستطيع تركيا تحويل ميزتها إلى قوة؟
غير أنه لا ينبغي اعتبار هذه المزايا الجديدة المذكورة أعلاه بمثابة عنصر قوة دائم بذاتها، إذ إن الأهمية الجيوسياسية ليست الشيء نفسه كالتأثير الاستراتيجي. وستتوقف هذه المزايا التي تمتلكها تركيا على مدى استقرار سياستها الخارجية، وقدرتها على تطوير علاقات متوازنة مع الفاعلين الإقليميين، وقدرتها على استكمال قيمتها الجيوسياسية بقدرة اقتصادية وتكنولوجية.
ويمكن لتركيا أن تحقق مكسباً استراتيجياً طويل الأمد من هذه الفرصة، إذا ما دعمتها بسياسات اقتصادية سليمة، واستثمارات تكنولوجية متواصلة، وقدرة مؤسسية قوية، وسياسة خارجية يمكن التنبؤ بها.
وتُعدُّ مسألة السياسة الخارجية عنصراً مهماً في هذا السياق؛ فحتى وإن لم يكن للناتو ادعاء سياسي صريح بدعم البنى الديمقراطية، فإن تعزيز الجناح الأوروبي قد يُبرز في مناسبات عدة داخل الحلف قضايا مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. كما أن هناك احتمالاً بأن تتكتل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي فيما بينها، بما يحمل في طياته إقصاء الدول غير الأعضاء في الاتحاد. وبالفعل، حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في خلال قمة أنقرة، من أن استبعاد حلفاء الناتو غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من المجال الدفاعي سيؤدي إلى “انقسام مصطنع” في أوروبا.
والسؤال الحاسم الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون ما إذا كانت تركيا بلداً لا غنى عنه بالنسبة للناتو، بل إلى أي مدى تستطيع تحويل هذا الموقع الاستراتيجي إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية ودبلوماسية مُستدامة، وهنا على أنقرة أن تخطو خطوات عملية مهمة في علاقاتها مع روسيا من أجل طمأنة الجناح الأوروبي في الناتو، باتجاه تخفيف التعاون بين أنقرة وموسكو في مجالات الطاقة والتجارة.
قمة أنقرة ونافذة فرصة جديدة في العلاقات التركية الأمريكية
على الرغم من أن هذا الملف لم يكن مدرجاً بشكل مباشر في برنامج قمة أنقرة، فإن الأجواء السياسية التي أوجدتها القمة فتحت نافذة فرصة مهمة لإعادة تناول العلاقات الدفاعية بين تركيا والولايات المتحدة، التي شهدت توتراً في السنوات الأخيرة.
وتناول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي لم يُخفِ استياءه من حلفائه الأوروبيين وقال إنه ربما لم يكن ليحضر القمة لولا أنها عُقدت في تركيا، وبسبب علاقاته المتميزة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الملفات الخلافية بين البلدين، مثل برنامج مقاتلات إف-35، وعقوبات قانون كاتسا (CAATSA)، والاتفاقيات الدفاعية الثنائية.
ويكمن في صميم أزمة الثقة بين البلدين استبعاد تركيا من برنامج مقاتلة إف-35 المشتركة، وفرض عقوبات قانون كاتسا عليها، عقب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400 عام 2019. ولم يقتصر تأثير هذه العملية على العلاقات الثنائية فحسب، بل أضرّ أيضاً بالتعاون في مجال الصناعة الدفاعية داخل الناتو. فعلى رغم الاستثمارات التي قدمتها تركيا كشريك في البرنامج، فقد استُبعدت من سلسلة التوريد واضطرت إلى إعادة صياغة خططها الخاصة بمقاتلات الجيل الخامس.
غير أن التحول الجذري في البيئة الأمنية الأوروبية، وجعْل الناتو من زيادة القدرة الإنتاجية الدفاعية أولوية استراتيجية، أعادا طرح مسألة إعادة تقييم هذا النهج. فمع تحوّل تركيا، بفضل صناعتها الدفاعية المتطورة وقدرتها العسكرية الإقليمية، إلى فاعل لا يمكن للحلف تجاهله، تسارعت في الفترة الأخيرة النقاشات حول احتمال عودتها إلى برنامج إف-35، ومراجعة عقوبات كاتسا، وإحياء التعاون في مجال الصناعة الدفاعية.
لكن، لا يزال من المبكر تفسير هذه التطورات على أنها تغيير نهائي في السياسة. فمسألة إس-400 لم تُغلق تماماً بالنسبة لواشنطن، ولا يزال موقف الكونغرس الأمريكي، والحساسيات المتعلقة بأمن التكنولوجيا، وعلاقات تركيا مع روسيا، تشكّل مصادر عدم اليقين الرئيسة أمام هذا المسار. وبالتالي، لا تُمثّل قمة أنقرة نقطة تحول تحسم هذه الملفات، بل توفّر الأرضية السياسية التي تجعل البحث عن حل ممكناً من جديد.
والمسألة الجوهرية بالنسبة لتركيا هي ألا يُنظَر إلى هذا الانفتاح الدبلوماسي الجديد فقط من زاوية أهداف قصيرة المدى، مثل العودة إلى برنامج إف-35، أو رفع العقوبات. فالمكسب الاستراتيجي الحقيقي يكمن في إمكانية إعادة تموضع تركيا بوصفها شريكاً إنتاجياً وتكنولوجياً طويل الأمد في البنية الدفاعية الجديدة للناتو. وإذا أمكن إعادة بناء الثقة بين البلدين، فإن آثار ذلك لن تقتصر على العلاقات الدفاعية الثنائية، إذ قد تخلق أيضاً فرصاً جديدة من حيث المشاركة في برامج الإنتاج المشترك للناتو، ونقل التكنولوجيا المتقدمة، والتكامل الصناعي الدفاعي عبر الأطلسي.