الرؤية الإسرائيلية للتحدّي التركي: خطر حقيقي أم صناعة عدو خارجي جديد؟

  • تدهورت العلاقات التركية-الإسرائيلية من توتر قابل للاحتواء إلى شبه قطيعة بعد حرب غزة، بفعل الاتهامات الإسرائيلية لتركيا بدعم “حماس”، وإجراءاتها الاقتصادية والقانونية ضد إسرائيل وكبار قادتها، والتدخلات المتبادلة في ملفات سورية وغزة والقرن الأفريقي. 
  • ترى النخب الإسرائيلية أن تركيا تتحول من شريك سابق إلى تهديد استراتيجي مُركَّب يجمع بين القوة العسكرية الصاعدة، والطموح النووي المحتمل، والصناعات الدفاعية المتقدمة، والنفوذ السياسي والاقتصادي الإقليمي. 
  • تزيد العلاقة القوية بين أردوغان وترمب القلق الإسرائيلي لأنها قد تمنح تركيا هامش نفوذ أكبر في سورية وغزة، وتفتح الباب أمام صفقات عسكرية مثل طائرات “إف-35″، بما يمسّ التفوق النوعي الإسرائيلي.
  • ينقسم التفكير الإسرائيلي بشأن التعامل مع تركيا بين خيارين: خيار عسكري يركز على تعزيز القدرات والردع، وخيار استراتيجي يدعو إلى تسويات إقليمية وتحسين العلاقات مع العالم العربي لتقليص فرص تمدُّد النفوذ التركي في المنطقة. 

 

منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002، وصعود مكانة رجب طيب أردوغان ودوره في الحكم، بصفته رئيس حكومة ولاحقاً رئيساً للدولة بعد تعديل الدستور التركي، لم يخلُ الخطاب الإسرائيلي من الحديث عن التحدي التركي بالنسبة لمصالح إسرائيل، وعزز صدور تصريحات من طرف شخصيات تركية رسمية مُعادية لإسرائيل هذا الموقف لدى نخب سياسية وأمنية في إسرائيل. وبعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، تصاعد في إسرائيل الخطاب المحذّر من التهديد التركي على نحو غير مسبوق، حتى ذهب بعض التقديرات إلى اعتباره أخطر على الأمن الإسرائيلي من التهديد الإيراني. وقد اكتسب هذا الخطاب زخماً إضافياً عقب الحربين مع إيران في يونيو 2025 وفبراير 2026، بما عكس تحوّلاً في إدراك النخب السياسية والأمنية الإسرائيلية لموقع تركيا في سلّم التهديدات الإقليمية.

 

تُناقِش هذه الورقة أهم أوجه التهديد الذي تراه إسرائيل في تركيا، والسياسات الإسرائيلية للتعامل معه.

 

العلاقات مع تركيا: قطيعة نهائية! 

منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة بقيادة رجب طيّب أردوغان عام 2002، مثّلت القضية الفلسطينية عامل التوتر الأساسي في العلاقة بين إسرائيل وتركيا، فكل حدث مفصلي ينفجر في هذا الشأن كان يُدخل العلاقات بين البلدين في حالة من التوتر، تعقبها محاولات لإعادة العلاقات الدبلوماسية إلى حالتها الطبيعية.

 

شكَّل هجوم القوات الإسرائيلية على سفينة “مافي مرمرة” التركية ضمن “أسطول الحرية” لكسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2010، أول أزمة دبلوماسية بين الجانبين. وعلى الرغم من تطبيع العلاقات بين البلدين بعد ست سنوات، فإنّ استمرار الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة والحروب الإسرائيلية المتتالية على القطاع جعلا العلاقات بين أنقرة وتل أبيب تتسم بالتوتر الدائم.

 

في فترة حكومة التغيير برئاسة نفتالي بينيت ويائير لبيد (2021-2022)، بدأ تحسُّن في العلاقات بين البلدين، وارتفع حجم التبادل التجاري بينهما. ومع قدوم حكومة بنيامين نتنياهو الحالية استمر مسار تحسين العلاقات ولكن ببطء، والتقى كلٌّ من نتنياهو وأردوغان على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2023، أي قبل بضعة أسابيع من عملية “طوفان الأقصى”، واتفقا على تنظيم زيارة لنتنياهو إلى أنقرة. لكن اندلاع الحرب في غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، أدخل العلاقات بين البلدين في نوع من القطيعة، التي كرَّسها التدخل الإسرائيلي في سورية بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، واعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وتعميق التحالف الإسرائيلي-القبرصي-اليوناني.

 

اتخذت تركيا مجموعة من الإجراءات ضد إسرائيل، على نحو الإعلان في مايو 2024 عن فرض حظر التبادل الاقتصادي مع إسرائيل، ووقف عمل خطوط الطيران التركية في تل أبيب، وانضمام تركيا إلى المذكرة التي تقدمت بها جنوب أفريقيا إلى محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل بتهمة ارتكابها إبادة جماعية في غزة. واستمرت تركيا في استقبال قادة حماس وحتى عقدهم لقاءات مع الرئيس التركي أردوغان نفسه. وفي سبتمبر 2025 أصدر النائب العام التركي مذكرات توقيف ضد 37 شخصية إسرائيلية، منهم نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، ووزير الأمن القومي ايتمار بن غفير، ورئيس هيئة الأركان إيال زامير، بتهمة ارتكاب الإبادة الجماعية في غزة، واعتراض “أسطول الصمود” لغزة في أبريل 2025. ورافق كل هذه الخطوات تصعيد الخطاب المعادي لإسرائيل، والذي قوبل بخطاب مُوازٍ له في إسرائيل تُوِّج في يونيو 2026 باعتراف الحكومة الإسرائيلية بالإبادة الجماعية ضد الأرمن من طرف الدولة العثمانية. وكانت إسرائيل قد امتنعت لعقود عن الاعتراف بإبادة الأرمن، للحفاظ على الخيط الرفيع في علاقتها مع تركيا، ودول أخرى مثل أذربيجان، وهي دولة حليفة للطرفين: التركي والإسرائيلي.

 

منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة بقيادة رجب طيّب أردوغان، مثّلت القضية الفلسطينية عامل التوتر الأساسي في العلاقة بين إسرائيل وتركيا (صور الأمم المتحدة)

 

منظومة التحدي التركي لإسرائيل

تُشير التحليلات الإسرائيلية إلى أن تركيا تبني منظومة متكاملة من التهديد لإسرائيل، وطبقاً لهذه التحليلات فقد حلّ “الهلال التركي” محل المحور الإيراني المُهدِّد لإسرائيل، ولكن بأدوات فيها دمج بين السياسة الناعمة (العزل الاقتصادي ونزع الشرعية) والسياسة الصلبة (النفوذ العسكري والتسلح). ووفق التقديرات الإسرائيلية، يَكمُن التهديد التركي في الجوانب الآتية:

 

التهديد العسكري

طبقاً لوجهة النظر الإسرائيلية، فإن تركيا تنفق موارد مالية هائلة في تطوير ترسانتها العسكرية، وبرنامجها النووي للوصول إلى مكانة دولة “عتبة نووية”. وفي يونيو 2025 أصدر الرئيس أردوغان قراراً بتطوير منظومة الصواريخ التركية متوسطة وبعيدة المدى، وفي يوليو من العام نفسه، صرّح الرئيس أردوغان بأنه لن يقبل أن تكون إسرائيل هي الدولة النووية الوحيدة في المنطقة، وأنه إذا وصلت إيران إلى السلاح النووي، فإن ذلك سيُسرِّع سباق تسلح نووي في المنطقة.

 

ومما لفت الانتباه في إسرائيل ارتفاع الإنفاق العسكري في تركيا، والذي وصل في العام 2025 إلى 30 مليار دولار، لتتحول تركيا إلى المرتبة 18 في العالم من حيث حجم ميزانيتها العسكرية، كما أن الإنتاج العسكري التركي أصبح متطوراً، فهناك أكثر من 3500 شركة تركية تعمل في مجال الصناعات العسكرية، ووصل حجم عوائدها السنوية إلى حوالي 20 مليار دولار، ووصلت صادراتها إلى 10 مليارات دولار، بارتفاع يصل إلى 48% مقارنة بالعام 2024. وتتمحور الصادرات التركية في مجالات المسيّرات، والرادارات، والصواريخ، ومنظومات قتال إلكترونية وغيرها.

 

وحول التهديد العسكري التركي، يورد العميد المتقاعد غابي سبيوني، الباحث في معهد القدس للأمن والاستراتيجية اليميني، ما يأتي: “في السياق الإسرائيلي، هذا التسلح ليس نظرياً. فالدمج بين صواريخ بعيدة المدى، ومسيّرات متقدمة، وقوة نووية مستقبلية يُحول تركيا إلى قوة سُنية صناعية، وعدوانية، وراديكالية، لا تهدد استقرار المنطقة فقط، بل أيضاً التفوق العسكري الإسرائيلي في حوض البحر المتوسط”. ويضيف سبيوني أن تركيا “لم تعد شريكة استراتيجية، كما كانت في السابق، وإنما قوة عسكرية ناهضة ترى في إسرائيل عائقاً مركزياً أمام طموحها العثماني الجديد. والتسلح المتسارع والطموحات النووية ليس للدفاع عن النفس، بل هي أدوات لتحقيق حلم توسعي، ويجب على إسرائيل الاستعداد لمواجهته”.

 

التهديد الاستراتيجي

تَرى التحليلات الإسرائيلية أن تركيا حوّلت إسرائيل إلى تهديد استراتيجي، ووفق هذه التحليلات لم يعد موقف أنقرة تجاه إسرائيل يتعلق بالحرب على غزة أو الاحتلال الإسرائيلي لأراض فلسطينية، بل بنظرتها إلى إسرائيل بوصفها “تهديداً إقليمياً وحتى أمنياً على تركيا”. ويمكن القول إن التوتر تَعمَّق بين البلدين بسبب التنافس الإقليمي بينهما، والذي تجلى في الآتي:

 

أولاً، الصراع التركي-الإسرائيلي في سورية ما بعد الأسد؛ ففي إثر سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وصعود أحمد الشرع رئيساً لسورية، نظرت تركيا إلى سورية باعتبارها منطقة نفوذ لها من الناحية الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية. وفي المقابل، خشيت إسرائيل أن تستبدل سورية الجديدة النفوذ الإيراني بنفوذ تركي، فبادرت إلى التدخل في سورية، واحتلال مناطق في جنوب سورية عَدَّتها منطقة أمنية عازلة، ولم تتوانَ عن قصف قواعد عسكرية كانت تركيا تخطط لنشر أنظمة دفاع جوي فيها.

 

وهنا ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب داعماً للدور التركي في سورية، وكابحاً لجماح العمليات العسكرية الإسرائيلية، ليُعلن في لقاء مع نتنياهو  في أبريل 2025، أن أردوغان صديق مقرب له، وطالَب نتنياهو بأن يكون منطقياً في سورية، الأمر الذي فُهم منه أن أردوغان هو “المسؤول” عن سورية. وأدَّت تركيا دوراً مهماً في التقريب بين أحمد الشرع والرئيس ترمب، وإقناع الأخير برفع العقوبات الاقتصادية عن سورية، وهي خطوات لقيت امتعاضاً من إسرائيل.

 

وفي هذا الصدد، يشير إيلي كرمون، الباحث في المعهد الدولي لمكافحة الارهاب في هرتسليا، إلى أن “الهدف الاستراتيجي لأردوغان/تركيا هو تعميق التأثير التركي على الخريطة السياسية والاقتصادية والعسكرية المستقبلية في سورية. تطمح تركيا لاستبدال إيران كلاعب مناهض لإسرائيل في سورية، وبناء محور إسلامي سُني يحيط بإسرائيل من الشمال والشمال الشرقي”.

 

ثانياً، الدور التركي في قطاع غزة بعد خطة ترمب؛ فقد كانت تركيا شريكة في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، ووقّعت، بوصفها دولة وسيطة وضامنة، على اتفاق شرم الشيخ الذي تضمن خطة ترمب لغزة ما بعد الحرب. وعبّرت تركيا عن استعدادها لإرسال قوات تركية ضمن قوة الاستقرار الدولية، وحظيت هذه الخطوة بدعم من ترمب في البداية، ولكن معارضة إسرائيل لدخول القوات التركية إلى غزة لقيت تفهُّماً أمريكياً في وقت لاحق. لم يؤد الموقف الإسرائيلي المعادي لتركيا إلى وقف المحاولات التركية لنيل دور في مستقبل غزة، وهو ما تَعدُّه إسرائيل تمدداً للنفوذ التركي في الساحة الجنوبية لها. وبرز الدور التركي أيضاً في جهود الوساطة التي قادت إلى اتفاق بين حركة حماس ومجلس السلام على خطة لنزع سلاح الحركة، والذي من المفروض أن يتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي من غزة. وقد أبدت إسرائيل معارضتها مرة أخرى لإدراج تركيا وقطر كدول أعضاء في لجنة التحقق من تنفيذ الاتفاق.

 

ثالثاً، التنافس في القرن الأفريقي؛ إذ تَرى إسرائيل أن الدور والنفوذ التركي في القرن الأفريقي يعوق بسط نفوذها في المنطقة، وقد عمَّقت تركيا نفوذها في الصومال عسكرياً واقتصادياً، كجزء من توسيع نفوذها في القرن الأفريقي، وهو ما عَدَّته إسرائيل جزءاً من الاستراتيجية التركية لمحاصرة التمدد والنفوذ الإسرائيليًّين. وفي المقابل، عَدَّت تركيا اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في جزء منه محاولة لمحاصرة النفوذ التركي وتحدّيه في المنطقة، عبر تعزيز علاقاتها بدول مشاطئة للبحر الأحمر وباب المندب.

 

التهديد الاقتصادي

تَعتقد إسرائيل أن تركيا تحاول عزلها اقتصادياً عن المنطقة وذلك بمحاولتها إفشال التعاون الإسرائيلي-القبرصي-اليوناني في البحر المتوسط، من طريق تعزيز العلاقات بليبيا لتي وقّعت معها عام 2019 اتفاقاً لتحديد الحدود البحرية بين البلدين، وأيضاً عبر معارضة أنقرة لمشروع “الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي” (IMEC)، الذي أُعلن في خلال إدارة الرئيس بايدن عام 2023. وتعمل تركيا، وفقاً للتصورات الإسرائيلية، على تحييد إسرائيل من ممرات التجارة وخطوط نقل الطاقة، وإدخال سورية بدلاً منها بوصفها حلقة وصل مع تركيا ومنها إلى أوروبا، وتجلى هذا أكثر بعد إغلاق مضيق هرمز في خلال حرب إيران.

 

العلاقة القوية بين الرئيسين أردوغان وترمب رفعت منسوب القلق الإسرائيلي، لأنها قد تمنح تركيا هامش نفوذ إقليمي وعسكري أكبر (أ.ف.ب)

 

القلق الإسرائيلي من العلاقات التركية-الأمريكية

ظهرت المفارقة بالنسبة لإسرائيل عموماً، ونتنياهو خصوصاً، في العلاقات الحسنة بين ترمب وأردوغان، فعلى الرغم من أن نتنياهو يُكرر أن ترمب هو الصديق الأفضل لإسرائيل في البيت الأبيض، فإنه تربطه علاقات خاصة بأردوغان، في حين كان الرئيس بايدن متحفظاً إزاءه، وألغى زيارته لواشنطن في مايو 2024 بسبب موقفه من الحرب في غزة وخطابه العدائي لإسرائيل.

 

حدّت العلاقات القريبة بين ترمب وأردوغان من تحقيق مصالح أمنية وسياسية إسرائيلية في سورية، وفي أرض الصومال، فقد كان للتأثير التركي دور في عدم ذهاب الرئيس ترمب إلى الاعتراف بأرض الصومال في إثر الاعتراف الإسرائيلي. كما ظهر ذلك في إفشال تركيا الخطة الإسرائيلية لدعم قوى كردية معارضة للنظام الإيراني في خلال الحرب على إيران، والتي كانت مكوناً أساسياً في الخطة الإسرائيلية لإسقاط النظام، حيث تشير المصادر الإسرائيلية إلى أن ترمب تراجع عن تنفيذ الخطة تحت تأثير تركي. وتجلَّت ذروة تأثير هذه العلاقة في موافقة ترمب على صفقة بيع تركيا طائرات “إف 35″، التي عدّتها إسرائيل تهديداً لتفوقها العسكري في المنطقة، لاسيّما على مستوى سلاح الجو. ورد ترمب على المعارضة الإسرائيلية بالقول: “تركيا حليفة جيدة، لا أحد يقول لنا ماذا نبيع”. كما صرَّح ترمب في خلال عقد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة في يوليو، بأنه يفكر بإلغاء العقوبات الأمريكية التي فرضت على تركيا في العام 2020 في أعقاب شراء تركيا لمنظومات الدفاع الجوي الروسية “إس 400”.

 

التوقُّعات

تُرجمَت الرؤية الإسرائيلية للتحدي التركي في وثيقة رسمية تتمثل بتقرير “لجنة نيغل” لفحص موازنة الأمن في إسرائيل، والتي قدَّمت توصياتها إلى الحكومة في يناير 2025. عَدَّت اللجنة أن تركيا تمثل “تهديداً استراتيجياً” على إسرائيل في المستقبل، ولم تستبعد اللجنة حدوث مواجهة عسكرية معها في سورية. وأشارت اللجنة إلى مساعي تركيا لتطوير قدراتها العسكرية على المستويين الهجومي والدفاعي. ويشير بعض التقديرات الإسرائيلية إلى أن تركيا قد تتبنى نمطاً إيرانياً في تفعيل تنظيمات مسلحة في سورية تابعة لها من أجل استنزاف إسرائيل، وهو واحد من الخيارات التي أشارت له “لجنة نيغل”.

 

بناءً على ذلك، فإن التقدير الإسرائيلي حول الخطر التركي مَبني على القدرات والنوايا، إذ تتوفر لتركيا القدرات العسكرية، فهي تملك واحداً من أقوى الجيوش في المنطقة، وإنتاجها العسكري يتطور بتسارع كبير، ولكن النوايا التركية لا تزال تندرج ضمن خطابات لأهداف سياسية، وليست هناك أدلة واضحة أو قطعية على أن أنقرة جادة في الدخول في مواجهة مع إسرائيل عسكرياً، فضلاً عن أن المواجهة العسكرية مع إسرائيل ستحظى بمعارضة القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

 

بالنسبة لإسرائيل، لا تكمُن المشكلة في التحدي العسكري فحسب، بل في التحدي الاستراتيجي، وفي تعميق النفوذ التركي في المنطقة وفي مواقع الصراع. ولا شك في أن سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية أعطت تركيا دفعة استراتيجية في المنطقة، وعززت علاقاتها بدول عربية، مثل مصر والسعودية، في مواجهة ما اعتبرته هذه الدول “سياسات عدائية إسرائيلية” في المنطقة.

 

لقد برز توجهان في إسرائيل بخصوص خيارات التعامل مع التحدي التركي:

 

الأول الذي يمكن تسميته بالعسكري، يرى أن مواجهة الخطر التركي تكون عبر تعزيز بناء القدرات العسكرية الإسرائيلية والحفاظ على التفوق النوعي لإسرائيل في المنطقة، لذلك يرى أنصار هذا التوجه بأن على إسرائيل المضيّ بمحاولاتها ثني ترمب عن قراره ببيع طائرات “إف 35” إلى تركيا، بمساعدة من المؤيدين لإسرائيل في الإدارة الأمريكية واللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. وتمثل لجنة “نيغل” الأساس النظري للتوجه العسكري الذي يَعتبر بناء القوة العسكرية، وتخصيص ميزانيات للدفاع، وتحسين الأداء العسكري، وتغيير أولويات خارطة التهديدات هو الرد على التحدي التركي.

 

والتوجه الثاني الذي يمكن تسميته بالاستراتيجي يرى أنه لمواجهة النفوذ التركي يتعين الاعتماد على رؤية استراتيجية أوسع من الاستعداد العسكري، وذلك من طريق الذهاب إلى تسويات سياسية لمناطق الصراع، وتحسين العلاقات مع البيئة الإقليمية، لاسيّما العربية. ويعتقد أنصار هذا التوجه أن ذلك ممكن من خلال التوصل إلى تسوية سياسية مع سورية على شكل اتفاق أمني، وقبول خطة ترمب في قطاع غزة وإنهاء هذا الملف، والمضيّ بتنفيذ الاتفاق مع لبنان بصورة جدية، وخفض حالة التصعيد والاحتقان في الضفة الغربية، وتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية بما يشمل السعودية أيضاً. بكلمات أخرى، ينطلق هذا التوجه من تغيير جوهري في السياسات الإسرائيلية الحالية المبنية على الحسم العسكري نحو الاختراق الاستراتيجي.

 

ويرتبط تبنّي أحد التوجهين بالتغيير السياسي في إسرائيل؛ فبقاء الحكومة المتطرفة الحالية سوف يؤدي إلى نزوعها نحو التوجه الأول، في حين أن تغيير الحكومة في انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر 2026، من المرجح أن يدعم التوجه الثاني.

 

استنتاجات

أسهمت الحرب في غزة بتعقيد العلاقات التركية-الإسرائيلية. ومن الصعوبة توقُّع حدوث أيّ تحسُّن في هذه العلاقات على المدى القصير أو المتوسط، بغض النظر عن أيّ تغيير قد يحدث في المشهد السياسي الإسرائيلي في الانتخابات المقبلة. ويتمحور التغيير، إذا حدث، في طريقة مواجهة التحدي التركي، نحو تبنّي توجه استراتيجي يرمي إلى محاصرة النفوذ التركي ومنع استغلاله لحالة العزلة التي تعيشها إسرائيل في الإقليم، عبر النزوع نحو تسويات سياسية لمناطق الصراع والتوتر.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M