المدينة الفاضلة في القرن 21

د. محمد العباسي

 

المدينة الفاضلة كما تم التعارف عليها هي أحد أحلام الفيلسوف المشهور “أفلاطون” وهي مدينة تمنى أن يحكمها الفلاسفة، وذلك ظناً منه أنهم لحكمتهم سوف يجعلون كل شيء في هذه المدينة معيارياً، وبناءً عليه ستكون فاضلة.. فالمدينة الفاضلة عبارة عن مجتمع متكامل يجد فيه المواطن والمقيم والزائر أرقى وأكمل أنواع الخدمات وبأسلوب حضاري بعيداً عن التعقيد وبعيداً عن الروتين ومن غير تسويف، وبعيداً عن سوء التعامل أو التفرقة أو التركيز على الاختلافات والمفارقات.. وهكذا مقترح عبارة عن فكرة سامية لمدينة جديدة ومختلفة عن كل مجتمعاتنا، وليس الاختلاف في المظهر العمراني فقط، بل في كل شيء.. في المستوى الحضاري والسكاني والأداء الخدمي سواء كان حكومياً أو خاصاً أو اشتراكياً.

المدينة الفاضلة.. عبارة عن مقترح أو حلم لمدينة أساسها الإنسان نفسه سواء كان مسؤولاً أو موظفاً أو عاملاً أو مراجعاً، كبيراً أم صغيراً، رجلاً أو امرأة، مواطناً أو مقيماً أو ضيفاً زائراً، وبكل ما تحمله كلمة “الفاضلة” من معانٍ سامية في الشارع، في العمل الحكومي، في العمل الخاص، في المراكز التجارية، عند المسجد، والكنيسة والمعبد، وفي المطاعم، في الأسواق.. في كل موقع نجد معاني “الفاضلة” والكاملة والمثالية والواعية والراقية هي سماتها وتتجسد في كل وقت وبأرقى صورها.

ربما وعيت شخصياً لهذا المفهوم قبل أكثر من أربعين سنة مضت وبدأت أخط الأفكار فيما لو قُدر لي أن أتولى هذا الأمر بأن أشيّد هكذا مجتمع يتسم بالسمو والمثالية.. فكان الهم الأول لي حينها كيفية الدعوة لكل من يود خوض التجربة، وعمن سيكونون المؤهلين لنشأتها وتأسيسها والسكن فيها.. فهل سيكون مبدأ الحرية (المطلقة) هو أساسها، حيث يكون الجميع سواسية ويتمتعون بحرية كاملة في كل أمورهم دون حسيب أو رقيب؟ حرية المعتقد والآراء والممارسات بلا قيود ولا قوانين ولا رقابة ولا حاجة لرجال الشرطة والخدمات الأمنية كافة؟ ومنذ اللحظة الأولى تيقنت أننا نحن البشر يستحيل علينا التأقلم مع الحريات المطلقة بحكم نشأتنا عبر قرون ممتدة من الاختلافات والصراعات والأهواء الغير متجانسة.. بل يبدو أن وضع شرط الحرية كأساس للفكرة هو في حد ذاته “كشرط” يناقض فكرة الحرية المطلقة المرجوة.. فكيف نطالب بالحرية التامة للجميع بذات التوقعات وبحيث لا تتصادم الممارسات وتتعدي على حقوق وحريات الآخرين الآخرين.

لنأخذ مسألة العبادة مثلاً.. فهل ستحتوي المدينة شتى أشكال دور العبادة من مساجد وحسينيات وكنائس ومعابد ومزارات، وشتى أنواع دور العبادة لكافة معتقدات البشر؟ فأتباع المذاهب الإسلامية كمثال يختلفون ويتنوعون بين مذاهب السنة الأربعة الرئيسية وتلك الصوفية والإسماعلية والدرزية والبهائية وغيرها من جماعات وأحزاب ومجموعات دينية سياسية، وكذلك بين الشيعة وتفرعاتها والأباضية والزيدية، وهم جميعهم يتبعون نبياً واحداً وقرآناً واحداً.. ورغم ذلك هم عاجزون عن الاتفاق فيما بينهم.. وكذلك الأمر مع الكنائس المسيحية بين الكاثوليكية والبرتستانتية والأرثوذكسية والمعمدانية والمورمونية والقبطية، وهكذا دواليك مع كافة المعتقدات على كوكب الأرض ومنها البوذية والهندوسية والسيخية الكونفشيوسية وغيرها المئات من الأديان.. وبحسب الموسوعة المسيحية العالمية “باريت” طبعة 2001، فإن عدد الديانات في العالم عبر التاريخ بلغ حوالي 10000 دين متميز، منها 150 ديانة بلغ عدد المؤمنين بكل منها مليون فرد أو أكثر، أما بقية الأديان فعدد التابعين لها لم يتجاوز المليون عبر التاريخ، وقد تم رصد وحصر الديانات المعروفة بحوالي 4200 ديانة وعقيدة، ما بين ملل وفرق وكنائس ومعابد وطوائف ومذاهب وعشائر. فالمسيحيين على مختلف مذاهبهم ومللهم (2 بليون نسمة)، ثم الإسلام (1.3 بليون)، ثم الهندوسية (900 مليون)، ثم من غير المؤمنين بأي دين محدد ويشكلون (850 مليون)، ثم البوذية (360 مليون)، ومتبعو المذاهب القومية حول العالم (228 مليون)، فالأديان الوثنية الأفريقية (95 مليون)، ثم السيخ في الهند (23 مليون) ثم اليهودية (19 مليون).

فهل سيتفق أهل المدينة الفاضلة المرجوة فيما بينهم ويتمسكون أو يلتزمون باحترام حريات الآخرين، أم سيتفقون على نبذ كافة المعتقدات وتبني فكرة “اللادين” ومسح كل موروثاتهم القديمة من الذاكرة؟ وهل ستكون أية مدينة فاضلة بلا الإيمان المشترك والمتفق عليه بمسألتي الثواب والعقاب وفكرة الحياة الدنيا والآخرة والعبادة المشتركة القابلة للتطبيق؟.. فكل الحضارات البشرية عبر التاريخ اعتمدت على الأديان لسن قوانينها وبناء مجتمعاتها والجمع بين أفرادها، وهي موروثات لن تختفي بجرة قلم.

ماذا عن اللغة المعتمدة في هذه المدينة الفاضلة؟ أي لغات الأرض ستكون أداة التواصل بين هذا المجتمع الجديد؟ فبمجرد الأخذ بأن لغة الأغلبية ستكون هي اللغة المعتمدة يتعارض مع مبدأ الحريات وحقوق الأقليات، مما يفسد الفكرة من أساسها.. فهل يجب التوافق على إنشاء لغة جديدة ويتوجب على الجميع تعلمها واكتسابها ونبذ كل ما دون ذلك؟ كم من الزمن ستحتاجها هذه المدينة الفاضلة حتى تتجاوز هذه المعضلة فقط، ومن سيتحمل مسئولية “اختراع” لغة التواصل والتعامل هذه من الصفر؟ نعم، لقد شهد التاريخ محاولات في إيجاد لغات مشتركة بالذات بين اللغويين في أوروبا للجمع بين تلك المجتمعات مع الأمل في توسعة رقعتها لتشمل العالم أجمع، لكنها ظلت محدودة وفشلت في الانتشار والتقبل من الجميع.

فقد وضع “لودفيغ أليعزر زامنهوف” لغة أسماها “الإسبرانتو” في أواخر عام 1870 وبدايات عام 1880 بعد ما يقارب العشر سنوات من التطوير، وطبع “زامنهوف” أول كتاب له نحو الإسبرانتو في1887 وازداد عدد المتحدثين بسرعة في العقود التالية، في البداية في الامبرطورية الروسية وأوروبا الشرقية، ثم أوروبا الغربية والأمريكيتين والصين واليابان.. الإسبرانتو لم تصبح قط لغة رسمية في أية دولة، لكنها باتت تُدرس في بعض الدول.. وربما تبنتها بعض المجتمعات لفترة كلغات رسمية لبعض الأقليات لبعض الوقت أو كلغات دولية إضافية بين بعض المجتمعات البهائية.. وهذه اللغة اعتمدت بطبيعة الوضع حينها على أبجديات معينة في أوروبا، دون أن تشمل أبجديات اللغات العالمية الأخرى كالعربية والهندية والصينية وغيرها، مما قد يكون العامل الأقوى في عدم تقبلها من الجميع وعدم اتساع رقعتها.. وعملية اختراع لغة جديدة جامعة للمدينة الفاضلة لا بد لها أن تشمل قدراً كبيراً من كافة لغات أهل الأرض ويجب أن تتميز بسهولة في قواعدها ونطقها حتى يتقنها الجميع بلا استثناء، وهذا قد يتطلب تنميتها وتعليمها وممارستها عبر أجيال حتى تصبح لغة عملية وناجحة ويتقبلها الجميع.

يبدو جلياً بعد النظر في مسألتين فقط تتعلقان بالمعتقدات واللغة، أن فكرة المدينة الفاضلة تبدو خيالية وغير واقعية في عالم موجود بالفعل ويتمتع بموروثات تاريخية وتجارب عبر آلاف السنين.. ربما يكون للموقع المزمع لهكذا مدينة نواة واقعية لنشأتها.. أن تكون في جزيرة نائية ليس بها أحد أصلاً وبحيث يتم إعداد شعبها في مواطنهم الأصلية قبل انتقالهم لربوع هذه “الجنة” الخيالية.. وهذا الأمر سيصطدم بشتى أشكال المعوقات، وأهمها تكمن في كيفية مسح كل الموروثات الفكرية والعقائدية واللغوية من ذاكرة الجميع بنفس القدر والتمكن قبل الانتقال الفعلي للعالم الجديد !!

نحن نعلم عبر كل علومنا الأنثروبولوجية (علم دراسة الإنسان) بأنه العلم الذي يدرس البشر في جميع أنحاء العالم، وتاريخهم التطوري، وسلوكهم، وكيفية تكيفهم مع البيئات المختلفة وتواصلهم واختلاطهم معاً. في الواقع، هذا تعريف محير، فمن الصعب استخلاص تصور واضح لماهية الأنثروبولوجيا اعتماداً على موضوعها وحده، الذي هو الإنسان، إذ تتخذ العديد من العلوم بالفعل من هذا الكائن موضوعاً لها، كما أن الجوانب المذكورة تنتمي إلى علوم شديدة التنوع والاختلاف، منها الدراسات العرقية والتاريخ والأحياء وعلم النفس واللغة والاجتماع! لكن الأنثروبولوجيا بالفعل أكثر العلوم التي تدرس الإنسان شمولية، تتقاطع مع كثير من العلوم الأخرى، منها الأحياء والتاريخ والمجتمعات والأدب والفلسفة والأديان، ولها اليوم فروع وتخصصات عدة، شديدة الثراء، فيها ما يتطلب بحوثا ميدانية، ومنها ما يتطلب جهودا تحليلية، ومنها ما يتطلب أبحاثا معملية طويلة الأمد.. وكل هذه البحوث تتفق أن كل فرد يتميز “بفرديته” وبالفروق الفردية بينه وبين الآخرين.. سواء بطبيعته البشرية أو عبر ما قد يكتسبه من معارف وتجارب ومدى تأثيرها عليه بشكل شخصي.. لذا كيف لنا أن نتجاوز هذه الفروق الفردية والجمع بين أفراد المدينة الفاضلة الجديدة رغماً عن كل محاولات تنميتهم وتدريبهم على الأفكار والمبادئ الجديدة المرجوة في مجتمعهم الجديد؟ كيف نمسح من ذاكرة الجميع بلا استثناء كل تاريخهم الإنساني ليتأقلموا مع واقعهم الجديد؟ كيف نتفادى في مستقبلهم أن لا تتغير أو تتطور مفاهيمهم الجديدة ونأمل بأن يتعايشوا دون روح المنافسة مثلاً، أو نمو الرغبة في التميز عن بعضهم البعض؟

ربما تكون الفكرة بشكل عام مجرد خيال وأماني نشأت بسبب ما شهده التاريخ البشري من ويلات وحروب ومجازر ومن ثم يأمل البعض في إيجاد مخارج لمستقبل البشرية بعد عصور من العبودية والمظالم وتسلط البعض وسوء التعامل بسبب اختلافات عقائدية أو اثنية أو حتى تلك المتعلقة بلون البشرة!! فالمدينة الفاضلة قد لا تحتاج لتنشئة عالم جديد بقدر ما تحتاج منا جميعاً إيجاد تلك النزعة والإرادة في أن نتقبل بعضنا البعض رغماً عن كل اختلافاتنا وطبائعنا.. فالمدينة الفاضلة تكمن فينا جميعنا وما علينا سوى التنقيب في دواخلنا لنكتشف كم نحن أسباب عدم الرضى عن بعضنا البعض فقط لأن هذا يؤمن بكذا وذاك قد هداه عقله وقناعته بما هو مخالف.. أو أليست هذه هي الحرية التي نرجوها من الحياة الفاضلة في ربوع “مدينة فاضلة” تجمع بيننا نحن معشر البشر.. بل الأجدى منطقياً أن نرضى بتقبل بعضنا البعض كنواة أولى لهذ الفكرة وأن نتعايش مع جمال تنوعنا وثراء لغاتنا وروعة اختلافاتنا.. فكيف لنا إذن فصل حياتنا عن كل ما قد مر بحياتنا وتاريخنا وإرثنا وتجاربنا لننسلخ عن كل ماضينا بحلوه ومره ونتوقع أن لا يعيد التاريخ نفسه، ولو خلقنا لأنفسنا تلك المدينة الفاضلة؟ وها نحن في القرن 21 ولم نزل في خضم حروب ومجازر وخلافات ونعاني من الجور والظلم والاستبداد والأوبئة والمجاعة والعطش والفاقة وموت الملايين من البشر بسبب نقص الغذاء والدواء !

رابط المصدر:

https://www.almothaqaf.com/a/qadaya/954909#.YHwgA0aamFM.twitter

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M