تأثير الرأي العام على الإعلام

بهاء النجار

 

عادة يتم تناول تأثير الإعلام على الرأي العام ، ولكننا نريد أن نسلط الضوء على التأثير الآخر (الرأي العام على الإعلام) والذي لا يبتعد كثيراً عن التأثير الأول (الإعلام على الرأي العام) ، وندعو المختصين في مجال الإعلام وعلم النفس والاجتماع الى التركيز عليه لأن فيه فوائد كثيرة وثماراً جمة .
إن وظيفة الإعلام المعلنة والظاهرية هو إيصال الحقيقة ، ولكن الوظيفة الحقيقية هو صناعة الرأي العام ، فوسائل الإعلام ليست جمعيات خيرية حتى تقدم المساعدة ( إيصال الحقيقة ) الى الآخرين من دون مقابل ، بل هي أشبه بالشركات التجارية التي تريد أن تربح مقابل الخدمة التي تقدمها ، ولحد الآن الهدف مشروع ومقبول .
على أية حال ،كيف يصنع الإعلام رأياً عاماً والرأي العام يؤثر عليه ؟
سيكون حديثنا عن الإعلام المستند الى دراسات علمية وليس الإعلام الفوضوي أو الذي يقوم به الهواة ، فمثل هذا الإعلام ليس من السهل أن ينفق الملايين بل المليارات من الدولارات من دون أن تقتحم رسائله الإعلامية قلوب المستهدَفين كي يصنّع رأيهم الجديد ويلغي رأيهم القديم ، لذا على القائمين على هذا الإعلام كخطوة أولى أن يعرفوا ماذا يجذب المتلقي او المستهدَف الى وسائلهم كي يحققوه وينفذوه ، بعدها تأتي الخطوة الثانية وهي بث الرسائل الإعلامية التي تتحكم بقرارته وآرائه .
فمثلاً ، إذا كان المستهدَف لا يريد أن يستمع الى التحاليل الإخبارية وإنما يريد سرداً للأحداث حتى وإن لم تُسند بمصادر فإن على الوسيلة الإعلامية أن توفّر له ذلك ، وإن كان بالعكس ، أي أن المستهدَف يريد تحليلاً ومعرفة مصدر كل خبر فعلى الوسيلة الإعلامية أن تراعي هذا الموضوع .
مثال آخر ، أن المستهدَف يريد من الإعلام أن ينقل أخباراً وتحليلات تبيّن أن جهة سياسية ما مخطئة او فاسدة او منحرفة او غيرها من الصفات ولا يعنيه مدى دقة الخبر او مصداقيته ، فتسعى الوسيلة الإعلامية الى تلبية هذه الرغبة ، أما إذا أراد المستهدَف أن تكون الأخبار والتحليلات غير مسيسة ولا تميل الى دعم جهة معينة وإنما المهم عنده أن تكون علمية مهنية مهما كانت النتائج التي توصلت إليها ، فنرى الوسيلة الإعلامية تجهد نفسها لفعل ذلك .
بل حتى على المستوى الظاهري والإخراجي ، فإذا كان المستهدَف ينجذب الى الجنس الآخر تقوم الوسيلة الإعلامية بوضع مقدمي البرامج ممن يجذبون من يخالفهم في الجنس (الرجل يجذب المرأة وبالعكس) ، بينما إذا كان المستهدَف لا يريد الانجذاب الى الجنس الآخر فمن الغباء أن تضع الوسيلة الإعلامية مقدمي البرامج جذابين للجنس المخالف .
او على المستوى الديني ، إذا كان للمستهدَفين رموز وطقوس مقدسة ومناسبات معينة فمن غير الصحيح أن تقوم الوسيلة الإعلامية بمس هذه الرموز والطقوس للمستهدَفين ، أما إذا كان المستهدَفون متهاونون في تقديس رموزهم وطقوسهم تجد من السهل على الوسيلة الإعلامية أن تتجاوز على هذه الرموز والطقوس للمستهدَفين إن تطلبت الرسالة الإعلامية ذلك .
وغيرها من الأمثلة العديدة التي تبين تأثير الرأي العام على الإعلام ، فالوسيلة الإعلامية تنظر الى الخطوط العامة التي يريدها المتلقي أو المستهدَف فتوفرها له كي تجذبه لها ، بعدها تتكفل بإيصال الأخبار التي تراها مؤثرة في صنع رأيه ، والتي ستكون في المستقبل خطوطاً عامة تراعيها الوسيلة الإعلامية كي تجذب الجمهور الجديد .
كما يمكن أن نستفيد من هذا التأثير الجماهيري على الإعلام أن نعرف الخطوط العامة للرأي العام من خلال الإعلام ، فمثلاً إذا وجدنا أن غالبية وسائل الإعلام المؤثرة تنقل أخباراً سردية من دون ذكر مصادر او تنقل تحليلات سياسية عبارة عن كلام سياسي وليس علمي فنعرف أن الجمهور والرأي العام يفضّل الأخبار السردية والتحليلات غير العلمية ، أما إذا كانت وسائل الإعلام هذه تراعي دقة المعلومة ومصدرها وأن تكون التحليلات علمية غير سياسية فنعرف أن الجمهور يهتم بذلك .
مما تقدم نستنتج أن للجمهور والرأي العام تأثير على الإعلام ، مما يعني بإمكان أن يجبر الرأيُ العام الإعلامَ على السير وفق خطوط عامة معينة ومن دونها يكون مرفوضاً ، وهذا يحمّل الرأي العام مسؤولية أن يكون قيّماً على الإعلام لا العكس .

 

رابط المصدر:

https://www.facebook.com/BahaaaAlnajjar/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M