صدى مُتكرر: قراءة في وثيقة السياسة الخارجية الجديدة للاتحاد الروسي

داليا يسري

 

وقع الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، 31 مارس 2023، وثيقة بشأن الموافقة على مفهوم السياسة الخارجية للاتحاد الروسي. ينطوي المرسوم على تحديث بخصوص المجالات التي تمثل أولوية على أجندة السياسة الخارجية الروسية. وتمثل الوثيقة نظام التوجهات الخارجية للدولة الروسية، من حيث المحتوى والمبادئ، وهي وثيقة يتم تحديد بنودها من قِبل رئيس الدولة بنفسه، فيما يُعهد بإعداد وتنفيذ الوثيقة إلى وزارة الخارجية الروسية.

وعادة ما تتناسب أحكام هذه الوثيقة وتتغير وفقًا لطبيعة ومقتضيات اللحظة السياسية على المستوى الإقليمي والدولي. وفيما نجد أن الظروف الدولية التي فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية قد وضعت السياسة الروسية في محل صدارة على قائمة اهتمامات الجمهور العالمي؛ من حيث المنشغلين بالسياسة أو غيرهم. نجد أنه، لهذا السبب، يكون من الضروري النظر بعين البحث والتأمل لأحكام هذه الوثيقة بين يدينا، ووضع مقارنة موجزة بين أبرز ما يميزها عما سبقها من وثائق مماثلة من ناحية، وإلقاء نظرة تحليلية على مضمونها من جهة أخرى.

الوثيقة في التاريخ الروسي المعاصر

عرفت روسيا عبر تاريخها المعاصر خمس وثائق معنية بالسياسة الخارجية، وتلك تم إصدارها في السنوات التالية: 1993، و2000، و2008، و2013، و2016. واحتوت الوثائق المختلفة على نمط يمكن رصده بصفته ردًا للإجابة على سؤال بكيف تطورت الشخصية الدولية لروسيا من جهة؟ وكيف استجابت مع متغيرات العالم من جهة أخرى؟

وثيقة عام 1993: صدرت في عهد الرئيس الروسي الأسبق، “بوريس يلتسين”، وربما من الأجدر القول إنها كانت تحمل بعضًا من سمات عصره الرئيسة. حيث عكست ميول السياسة الخارجية الروسية، آنذاك، نحو بناء علاقات جيدة مع دول الغرب. حيث سعت الوثيقة إلى الحفاظ على مسار الحد من التسلح، ونزع السلاح، والتعاون مع القوى العالمية الرائدة بما في ذلك هياكل الدفاع الغربية. بالإضافة إلى تحقيق تنمية مستدامة في العلاقات مع الولايات المتحدة، والتركيز على الشراكة الاستراتيجية معها؛ أملًا في تحقيق تحالف مستقبلي.

وثيقة عام 2000: جاءت هذه الوثيقة بصفتها الأولى في عهد الرئيس الجديد الواعد، “فلاديمير بوتين”، وقد جاءت كذلك لتحمل معها أولى سمات رؤيته للمجتمع الدولي والدور الروسي المرجو تحقيقه دوليًا. حيث نوهت الوثيقة إلى أن روسيا تعلمت الدرس وعرفت أن حساباتها بشأن تشكيل علاقات شراكة جديدة على أسس المساواة والمنفعة المتبادلة مع الغرب لم تتحقق. لذلك، وضعت الوثيقة ضمن أولوياته؛ تشكيل نظام عالمي عادل ومستقر ويقوم على أسس وقواعد القانون الدولي المعترف بها عالميًا، بالإضافة إلى إنشاء ما يمكن تسميته بحزام من حسن الجوار على طول محيط الحدود الروسية. واعتبرت الوثيقة أن الاتجاه نحو تشكيل نظام عالمي أحادي القطب وسط هيمنة اقتصادية وعسكرية أمريكية على رأس مهددات الدولة.

وثيقة عام 2008: تم توقيعها في عهد الرئيس الروسي السابق، “ديميتري ميديفيدف”، وورد في ديباجة الوثيقة أنها تعد تكملة لسابقتها. ونصت الوثيقة على أن محاولات التقليل من دور الدول ذات السيادة، وتقسيم الدول إلى نطاقات مختلفة من حيث الحقوق والالتزامات، تعد من ضمن المهددات الرئيسة للأمن الدولي.

وثيقة عام 2013: وقع “بوتين” على الوثيقة التي لم تخضع بنودها لتغييرات جذرية بالمقارنة مع الوثائق السابقة لها. اشتملت الوثيقة، لأول مرة، على تعريف لكلمة “القوة الناعمة”، والتي تم تفسيرها بكونها “مجموعة الأدوات الشاملة لحل مشكلات السياسة الخارجية بناءً على قدرات المجتمع المدني، والمعلومات، والاتصالات، والأساليب الإنسانية، وغيرها من الأساليب والتكنولوجيات البديلة للدبلوماسية الكلاسيكية”. وأوردت الوثيقة أن التحالفات العسكرية السياسية لم تعد قادرة على توفير ردود فعل مواتية للتحديات والتهديدات العابرة للحدود. وأشارت إلى أنه يجب الاعتماد بدلًا عن ذلك على الدبلوماسية المرنة وأساليبها. وتحدثت الوثيقة بشكل خاص عن ضرورة تعزيز مشاركة أوكرانيا في عمليات التكامل العميقة مع الاتحاد الروسي.

وثيقة عام 2016: تم إصدار الوثيقة الجديدة التي تضمنت الإشارة إلى وجود أزمة خطيرة في العلاقات بين روسيا والغرب على خلفية التوسعات الجيوسياسية للولايات المتحدة، وحلف الناتو، والاتحاد الأوروبي في مناطق النفوذ الروسي. وتضمنت الوثيقة، “أن روسيا لا تعترف بممارسة الولايات المتحدة لولاياتها القضائية خارج إطار القانون الدولي، ولا تقبل المحاولات لممارسة هيمنة عسكرية أو سياسية أو اقتصادية أو أي ضغوط أخرى، وتحتفظ لنفسها بالحق في الرد بقوة على الأعمال غير الودية”. ووضعت الوثيقة، ضمن أولوياتها الإقليمية، أنه من الضروري التوصل إلى تسوية سلمية سياسية في سوريا بشكل يضمن الحفاظ على وحدة واستقرار هذا البلد وسلامة أراضيه. من ناحية أخرى، أوردت الوثيقة أن روسيا مستعدة بالتعاون مع جميع الدول والهياكل الدولية المهتمة لبذل كل الجهود الممكنة من أجل التوصل لتسوية سياسية دبلوماسية للنزاع الدائر في أوكرانيا.

المعالم الرئيسية لوثيقة 2023: في عالم ما بعد الحرب

تُحدد هذه الوثيقة بعضًا من أحكام استراتيجية الأمن القومي للاتحاد الروسي، وتأخذ في الحسبان الأحكام الرئيسة لوثائق التخطيط الاستراتيجي الأخرى التي تؤثر على مجال العلاقات الدولية.

روسيا قوة عظمى في عالم متعدد الأقطاب: ورد في البند الخامس، أن روسيا تؤدي مهمة تاريخية في الحفاظ على توازن القوى العالمي، وبناء النظام الدولي متعدد الأقطاب. وورد في البند السابع، أن العالم يمر بحقبة من التغيير الثوري، وأن العالم الأحادي القطب صار جزءًا من الماضي بشكل لا لبس فيه. فيما انتقد البند الثامن، رفض الغرب الاعتراف بحقائق العالم متعدد الأقطاب والاتفاق على معايير ومبادئ النظام العالمي الجديد. وفي البند السادس عشر، تم تصنيف “تشكيل نظام عالمي عادل ومستدام” كأحد المصالح الوطنية والأولويات الاستراتيجية التي تهدف أنشطة السياسة الخارجية للدولة لتحقيقها.

ومرة أخرى تأتي الوثيقة على ذكر النظام العالمي متعدد الأقطاب، وذلك في البند التاسع عشر، والذي ينص على الإجراءات التي تعتزم روسيا اتخاذها لتيسير مهام التكيف مع النظام العالمي متعدد الأقطاب؛ ويأتي من ضمنها: أولًا القضاء على آثار هيمنة الولايات المتحدة والدول الأخرى غير الصديقة في الشؤون العالمية وخلق الظروف المواتية لرفض أي دولة طموحات الاستعمار الجديد والهيمنة، ثانيًا تحسين الآليات الدولية الخاصة بضمان الأمن والتنمية على المستويين العالمي والإقليمي، ثالثًا توحيد الجهود الدولية الهادفة إلى ضمان واحترام القيم الروحية والأخلاقية العالمية والتقليدية وتحييد محاولات فرض المواقف الأيدولوجية الإنسانية الزائفة وغيرها.

ويناقش البند التاسع والثلاثون تفرعات الهيمنة الدولية في عالم القطب الواحد، ويشير إلى أنه ينبغي من أجل ضمان الأمن الاقتصادي الدولي أن يتم تكييف التجارة العالمية والنظم النقدية والمالية مع واقع متعدد الأقطاب. ويهدف ذلك في المقام الأول إلى الحد من قدرة الدول غير الصديقة على إساءة استخدام مركزها الاحتكاري أو المهيمن في مناطق معينة للاقتصاد العالمي، وتوسيع مشاركة الدول النامية في الحوكمة الاقتصادية العالمية. وأتت الوثيقة على ذكر النظام العالمي متعدد الأقطاب في البنود التالية “البند الثالث والعشرين، والبند الرابع والأربعين، والنقطة رقم “3” في البند السابع والأربعين التي انتقدت سياسة الكيل بمكيالين في التعاملات الدولية بمجال حقوق الإنسان.

مُهددات القانون الدولي: انتقد البند الحادي عشر دور عامل القوة الآخذ في الازدياد في العلاقات الدولية؛ بما في ذلك اتساع حيز الصراعات في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، وتحديث الإمكانيات العسكرية الهجومية للدول، وتدمير نظام معاهدات تحديد الأسلحة بشكل يقوض الاستقرار الاستراتيجي، واستخدام القوة العسكرية في انتهاك واضح للقانون الدولي.

وأولت الوثيقة عناية خاصة بالحديث عن القانون الدولي وأوضاعه الحالية وموقف روسيا منه، وورد ذلك في مواطن عدة من الوثيقة، مثال على ذلك: يصنف البند العشرون ضرورة ضمان سيادة القانون في العلاقات الدولية كأساس للنظام العالمي العادل والمستدام، وفي البند الواحد والعشرين تعبر روسيا عن تأييدها المستمر لتعزيز الأسس القانونية للعلاقات الدولية وتفي بالتزاماتها القانونية الدولية بحسن نية، وفي البند الثالث والعشرين يعبر الاتحاد الروسي عن نيته اتخاذ عدد من الإجراءات لتأكيد استقرار النظام القانوني الدولي ومنع تجزئته وإضعافه، واشتمل البند الرابع والعشرون على نقاط تنطوي على نفس المحتوى.

الخطر النووي: تضمن البند الحادي عشر نمو نزاعات مسلحة بين الدول الكبرى التي تمتلك قوة نووية بشكل يزيد من احتمالية تصاعد هذه الصراعات إلى حروب محلية، أو إقليمية، أو عالمية. تضمنت النقطة المتفرعة رقم “4” من البند السابع والعشرين “ضرورة منع سباق التسلح واستبعاد نقله إلى بيئات جديدة، وتهيئة الظروف للمزيد من الخفض التدريجي للإمكانيات النووية، مع مراعاة جميع العوامل التي تؤثر على الاستقرار الاستراتيجي”. وفي النقطة رقم “6” من البند نفسه، تتضمن الوثيقة ضرورة الوفاء بالضمانات الأمنية أمام الدول المشاركة في المعاهدات الإقليمية بشأن المناطق الخالية من الأسلحة النووية.

وفي سياق متصل، أورد البند الثالث والستون ما يختص باهتمام روسيا بالحفاظ على التكافؤ الاستراتيجي والتعايش السلمي مع الولايات المتحدة وإقامة توازن في المصالح بين البلدين، مع مراعاة مركزهما كقوتين نوويتين رئيستين في العالم ومسؤولين بشكل خاص عن الاستقرار الاستراتيجي وحالة الأمن الدولي بوجه عام. ويفسر البند آفاق تشكيل مثل هذا النموذج للعلاقات الروسية الأمريكية بأنه يعتمد على درجة استعداد الولايات المتحدة للتخلي عن سياسة الهيمنة العنيفة، ومراجعة المسار المناهض لروسيا في سبيل التعامل معها على أساس مبادئ المساواة في السيادة والاستقلال والاحترام المتبادل لبعضهما البعض.

المصالح الاستراتيجية للاتحاد الروسي: نص البند الخامس عشر على أنه، ومع “مراعاة الاتجاهات طويلة الأجل في تطور الأوضاع العالمية”، فإن المصالح الخارجية للاتحاد الروسي يمكن تصنيفها في عدة نقاط، من ضمنها: “حماية النظام الدستوري للاتحاد الروسي وسيادته، واستقلاله، وسلامته الإقليمية من التأثير الأجنبي المدمر. والحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي وتعزيز السلم والأمن الدوليين. بالإضافة إلى تطوير فضاء معلوماتي آمن، وحماية المجتمع الروسي من المعلومات الأجنبية والتأثير النفسي المدمر.”

التحدي الدولي للهيمنة الغربية: يظهر ذلك جليًا حيث يشير البند الثاني عشر إلى أن الاستجابة الطبيعية لأزمات النظام العالمي القائم هي تعزيز التعاون بين الدول المعرضة للضغوط الخارجية. علاوة على ذلك، يشير البند نفسه إلى أنه يجري اتخاذ خطوات أخرى بما في ذلك أحادية الجانب لحماية المصالح الوطنية. ويؤكد أن تكاتف الجهود الدولية للعالم بأسره على أساس توازن القوى والمصالح هو وحده الذي يمكنه أن يوفر حلًا فعالًا للعديد من المشكلات.

وفي البند السابع عشر، يشار إلى أنه يندرج ضمن الأهداف الاستراتيجية لسياسة الاتحاد الروسي الخارجية تطوير التعاون المتبادل المنفعة مع الدول الأجنبية، وإقامة علاقات حسن جوار مع دول الجوار، وتقديم الدعم لحلفاء وشركات روسيا في تعزيز المصالح المشتركة، وضمان أمنهم وتنميتهم المستدامة، وذلك بغض النظر عما إذا كان الحلفاء والشركات يتلقون الاعتراف الدولي ويتمتعون بالعضوية في المنظمات الدولية. وتضمنت النقطة رقم “2” من البند الرابع والعشرين نفس المحتوى. وكذلك يناقش البند الثامن والعشرون السياق نفسه، من حيث تعزيز الأمن الإقليمي من خلال تقديم الدعم للحلفاء لضمان الدفاع والأمن، وتحييد التدخلات الخارجية في شؤونهم، وتطوير التعاون العسكري والسياسي والتقني مع الحلفاء والشركاء.. إلخ.

وتتضمن النقاط رقم “1”، و”2″، و”4″، و”8″، و”9″ من البند التاسع والأربعين محتوى ذا صلة. وبالإضافة إلى ذلك، أولت الوثيقة اهتمامًا خاصة بالتعاون الوثيق بشكل واضح ومحدد مع كُل من الصين والهند، وذلك يتم وصفه بإمعان في البنود الـ “الواحد والخمسين، والثاني والخمسين، والثالث والخمسين”؛ والتي تصف اعتزام روسيا زيادة التعاون مع البلدان على أساس المنفعة المتبادلة لأجل ضمان الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي. وذهبت الوثيقة كذلك بروسيا إلى التعاون مع مناطق أخرى في العالم، مثل أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي اللتين تم الإتيان على ذكرهما بشكل مفصل في البند الثامن والخمسين.

تبريرات استخدام القوة العسكرية: ورد في البند الخامس والعشرين أن الاتحاد الروسي ينطلق من حقيقة إمكانية استخدام قواته المسلحة وفقًا لمبادئ وقواعد القانون الدولي المعترف بها دوليًا، والمعاهدات الدولية للاتحاد الروسي، وتشريعات الاتحاد الروسي. ويشير البند نفسه إلى أنه من الممكن استخدام القوات المسلحة الروسية لصد ومنع هجوم مسلح على روسيا أو حلفائها؛ بغرض حل الأزمات والحفاظ على استعادة السلام وذلك وفقًا لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ويرفق معها في البند السادس والعشرين، إذا ارتكبت دول أجنبية أو جمعياتها أعمالًا غير ودية تشكل تهديدًا لسيادة الاتحاد الروسي وسلامته الإقليمية؛ بما في ذلك التدابير التقييدية -العقوبات- ذات الطابع السياسي أو الاقتصادي وغيره، فإن الاتحاد الروسي يعتبر أنه من حقه استخدام التدابير المتماثلة وغير المتكافئة واللازمة لكبح هذه الأعمال العدائية وكذلك لمنع تكرار حدوثها في المستقبل.

المجال البحري للاهتمامات الروسية: يحتوي البند السادس والثلاثون على النقاط المتعلقة بطرق تيسير دراسة المحيطات العالمية وتطويرها واستخدامها ومن أجل ضمان أمن روسيا وتنميتها والتصدي للتدابير التقييدية الانفرادية التي تتخذها الدول المعادية في مواجهة الأنشطة البحرية الروسية، فإن الاتحاد الروسي يعتزم الالتزام بالنقاط التالية: أولًا ضمان الوصول المجاني والآمن والكامل أمام روسيا للفضاءات الحيوية والمهمة وضمان وصولها لاتصالات النقل وموارد المحيط العالمي، ثانيًا التطوير المسؤول والعقلاني للموارد البيولوجية والمعدنية والطاقة والموارد الأخرى للمحيط العالمي وتطوير أنظمة خطوط الأنابيب البحرية والبحث العلمي وحماية البيئة البحرية والحفاظ عليها.

روسيا والعالم الإسلامي: تنطلق الوثيقة في البند السادس والخمسين لتصف كيف ترى روسيا دول الحضارة الإسلامية دولًا صديقة في واقع عالم متعدد الأقطاب. وتضيف على ذلك بأن تنص على أن “روسيا تسعى إلى تعزيز التعاون الشامل على أساس المنفعة المتبادلة مع الدول أعضاء منظمة التعاون الإسلامي”. وتقوم بعد ذلك الوثيقة بتفسير نوايا روسيا بشكل مفصل في النقاط الفرعية من نفس البند السابق، النقطة “1” والتي تختص بوصف التعاون مع إيران ودعم الجمهورية العربية السورية، وتركيا، والمملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية. والنقطة “2”، حول تشكيل بنية شاملة مستقرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للأمن الإقليمي والتعاون على أساس المنظمات الإقليمية المشتركة بما في ذلك جامعة الدول العربية. وتشير النقطة الفرعية نفسها إلى اعتزام روسيا تنفيذ المفهوم الروسي لضمان الأمن الجماعي في الخليج العربي كطريقة نحو تطبيع مستدام وشامل للوضع في الشرق الأوسط.

روسيا والقارة الإفريقية: مرة أخرى وليس أخيرة تأتي الوثيقة على تكرار لفظة “عالم متعدد الأقطاب” في البند السابع والخمسين، بالاقتران مع الحديث عن الدول الأفريقية التي تسعى روسيا إلى التعاون معها في سبيل القضاء على التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الذي يتزايد بسبب السياسة الاستعمارية الجديدة المعقدة التي يتبعها العديد من الدول المتقدمة تجاه أفريقيا.

نظرة تحليلية

نجد بالنظر إلى ما تقدم أن هناك عدة عوامل تسيطر على الملامح العامة للوثيقة، تلك العوامل نرى أن أبرزها يتجسد في الطريقة التي تركت بها شخصية “بوتين” نفسه وكيانه المؤثر ورؤيته التي اصطحبها معه منذ أول أيام توليه الرئاسة في العام 2000 وصولًا إلى الحظة الراهنة، ببصماتها على نمط تطور وثائق اتجاهات السياسة الخارجية للاتحاد الروسي.

ووفقًا لذلك، نرصد كيف تطورت توجهات السياسة الخارجية بدءًا من الطريقة التي تعلمت بها روسيا الدرس في عهد “يلتسين”، واستوعبت كيف يرفض الغرب التعامل معها على أساس متكافئ، ومن ثم قررت السير على خطى تحقيق نظام عالمي متعدد الأقطاب. بدأ طريقه بالمطالبة بهذا النظام، وسار على درب تحقيقه بالتدريج، وصولًا إلى الإقدام على تنفيذ الرؤية الروسية للنظام العالمي الجديد بفعل القوة من خلال الحرب الجارية في أوكرانيا. وعلى نفس المنوال، يظل كذلك في وسع المُتابع لكل خطابات الرئيس الروسي، “بوتين”، خلال الأعوام الأخيرة، ملاحظة كيف تشتمل الوثيقة على بنود مفصلة جميعها تصبو في النهاية إلى تحقيق آمال القائد العريضة التي لا ينفك يتوقف عن ترديدها والحديث العلني عنها في كل خطاباته.

وعند هذه النقطة، يطرح التساؤل نفسه حول ماذا وراء هذا التكرار الذي ليس هناك ثمة شك في أنه “تكرار مُتعمد” بشكل ملحوظ. حيث سلطنا الضوء آنفًا في النقاط الواردة أعلاه، بما يشتمل على أرقام البنود وتفرعاتها، كيف تتكرر الأفكار والمبادئ الواردة في الوثيقة ويعاد التركيز عليها مرات متكررة في نفس الوثيقة ولكن بصياغة مختلفة، بشكل طال معه التكرار معظم البنود في الوثيقة، وإن لم يكن جميعها، خاصة فيما يتعلق بمصطلحات مثل “التعددية القطبية” “والنظام العالمي المتعدد الأقطاب”، وسبل التعاون المشترك مع القوى الإقليمية الأخرى، ومخاطر نشوب حرب نووية وغيره.

ويلاحظ أيضًا أن هذا التكرار يتشابه إلى حد يقترب من التطابق مع محتوى خطابات “بوتين” أو لقاءاته التليفزيونية أو تصريحاته الإعلامية بوجه عام. علاوة على ذلك، يتشابه محتوى الوثيقة بشكل كبير أيضًا مع وثائق استراتيجية رسمية أخرى أبرزتها فترة الحرب الروسية الأوكرانية مثل وثيقة “العقيدة البحرية الروسية الجديدة”، الصادرة في يوليو 2022. في شكل يسلط الضوء على نوايا القيادة الروسية التي لا تنفك تتوقف عن هذا التكرار الذي لا يمكن تفسيره إلا بأنه ربما يكون إشارة للعالم بعدم نية روسيا التراجع عن أهدافها، إلى جانب وجود نية روسية عميقة على المضي قدمًا في هذا المسار حتى النهاية ومهما تكلف الأمر.

ومن الممكن أيضًا أن ينظر إلى هذا التكرار بكونه جزءًا من الدعاية الإعلامية الروسية التي تعمد فيها القيادة الروسية إلى جذب انتباه أكبر قدر ممكن من الجمهور العالمي وإقناعه بمشروعية مطالبها بتحقيق نظام عالمي جديد يكون فيه الكُل سواء؛ إذ أنه من البديهي لعين المُتابع معرفة كيف لا تختلف هذه الوثيقة عن أي شيء يقوله “بوتين” أو يفعله “بوتين”. وبمعنى أدق، من ينتهي من قراءة بنود الوثيقة سيعرف أنه ليس هناك أي شيء جديد يتحتم على العالم معرفته في نص الوثيقة المنشورة على موقع الكرملين. بشكل يُلقي تساؤلات محورية عن المغزى من هذه الوثيقة أو بمعنى أدق عن الجدوى من الإعلان عنها بوجه عام!

وختامًا، من الممكن النظر إلى هذه الوثيقة في ضوء توقيت الإعلان عنها عقب زيارة الرئيس الصيني، “شي جين بينج” الأخيرة إلى موسكو وعقد قمة ترقى لأن يتم وصفها بكلمة “تاريخية” بين رئيسي البلدين، بوصفها تأكيدًا روسيًا على أن النظام العالمي متعدد الأقطاب قد أصبح بالفعل أمرًا واقعًا. غير أن حتى هذا التأكيد يظل أيضًا جزءًا من جميع بنود الوثيقة التي يطبع التكرار ببصماته الواضحة عليها.

 

.

رابط المصدر:

https://marsad.ecss.com.eg/76539/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M