فيما يتخطى حزام العفة والطريق العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية في عصر منافسة القوى العظمى

 أساف أوريون

 

أثارت العلاقات بين إسرائيل والصين مخاوف في واشنطن ، لكن يجب السماح بنشاط ثنائي محدد في سياق تحالف لا بديل له بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

في إطار العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، إلى أي حد تشكّل الصين مشكلة كبيرة؟ يشكو بعض الأمريكيين من الودّ الكبير الذي تُظهره إسرائيل إزاء الصين ومن الخضوع لنفوذها. وتُسلّط هذه الشكاوى الضوء على المشاريع الضخمة التي بنتها الشركات الصينية في إسرائيل. وقد قال بعض النقّاد إن إسرائيل عليها الاختيار بين أمريكا والصين.

لكنّ إسرائيل اتخذت القرار بشأن هذا الخيار منذ زمن طويل. فحليفتها الاستراتيجية التي لا يمكن استبدالها هي الولايات المتحدة. إلا أن ذلك لا يمنعها من إنشاء علاقات اقتصادية مع الصين. وتتمتع الولايات المتحدة نفسها بوفرة من هذه العلاقات. وليس هناك سبب يدفع إلى مطالبة إسرائيل بتبني ما يمكن دعوته سياسة “حزام العفة والطريق”.

منذ عام 2001، نمت تجارة إسرائيل مع الصين اثنَي عشر ضعفاً إلى أكثر من 12 مليار دولار. لكن في السنوات الثلاث الماضية، كانت صادرات إسرائيل إلى الصين تتراجع وهو الأمر بالنسبة لاستثمارات الصين في إسرائيل. وتبلغ هذه الاستثمارات 8-10 في المائة من الاستثمار الأجنبي المباشر في إسرائيل، ما يوازي حوالي سدس حصة أمريكا. وفي عام 2020، سجّلت الصين أقل من 11 في المائة من إجمالي التجارة الخارجية في إسرائيل، وهي نسبة أدنى بكثير من الاتحاد الأوروبي (36 في المائة) والولايات المتحدة (16 في المائة).

وفي السنوات الخمس إلى العشر الماضية، تغيّرت سياسة الولايات المتحدة إزاء الصين بشكل حاد، فأصبحت أكثر حذراً ومقاوَمةً، وتتبع إسرائيل حذو واشنطن إلى حدٍ ما لكن ليس تماماً. وشكّلت “استراتيجية الأمن القومي” الأمريكية لعام 2017 نقطة التحول، وربما جاءت الاستراتيجية الخاصة بالقدس مع تغيير الحكومة، إن لم يكن قبل ذلك. وتعيد الحكومة الجديدة النظر في سياسات الحكومة السابقة، من بينها تلك المتعلقة بالصين، وتسعى إلى “إعادة ضبط” علاقاتها مع واشنطن لتحسينها. وهي بحاجة إلى الوقت للتكيف. ويقول المسؤولون الإسرائيليون إنهم يأخذون القلق الأمريكي بشأن الصين على محمل الجد كمسألة أمن قومي. ويبدو أنهم يفهمون ذلك.

وأثارت إدارة ترامب الهواجس بشأن الصين مع رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، فركّزت على ثلاث مسائل أساسية هي: تقنية “الجيل الخامس”، حيث حذّرت الولايات المتحدة وفقاً لبعض التقارير من استخدام المعدات الصينية في شبكة الاتصالات الإسرائيلية (خيار “إما ما أريده وإما هواوي“). وفي الواقع، على عكس بعض شركاء الاستخبارات الآخرين الأقرب إلى أمريكا، كانت إسرائيل قد تفادت التعرض لمثل هذه المخاطر في شبكتَيها من “الجيل الرابع” و”الجيل الثالث”. ولم تكن بحاجة إلى تحذير الولايات المتحدة. ووصف النقّاد قيام شركة صينية بتشغيل جزء من ميناء خليج حيفا على أنه خطر أمني جدي يمكن أن يجعل الميناء غير قابل للاستخدام من قِبل سفن البحرية الأمريكية. لكنّ إسرائيل حدّت من المخاطر. فلا يستطيع رصيف الحاويات أن يخدم البحرية الصينية. ودور الصين لا يعطيها نفوذاً غير مبرر على إسرائيل، كما تتمتع وكالات الأمن الإسرائيلية بصلاحيات تفتيش واسعة هناك ضد تهديدات التجسس. وأظهر توقُّف مدمرة الصواريخ “يو أس أس اوكين” التابعة لـ”الأسطول الأمريكي الخامس” في الميناء في تشرين الأول/أكتوبر أن بحرية الولايات المتحدة راضية عن أمن الميناء.

وطلبت واشنطن أيضاً تعزيز الرقابة الحكومية الإسرائيلية على الاستثمارات الأجنبية  – لا سيما الصينية – في إسرئيل، على غرار “اللجنة الأمريكية للاستثمار الأجنبي” في الولايات المتحدة. وأنشأت إسرائيل آلية استشارية في أوائل عام 2020. وهي ليست بالقوة التي كان يأملها الكثيرون، لكنها خطوةً في الاتجاه الصحيح، ومن المتوقع حدوث تحسينات.

التهديدات السيبرانية والتجسسية

بدأت رياح التغيير تهب في إسرائيل. فخسرت بعض الشركات الصينية أمام الشركات المنافسة في المناقصات الأخيرة، كما حصل في محطات تحلية المياه وتوليد الطاقة. إن ثقافة إسرائيل غير نظامية نسبياً، وإذا أُعطي التوجيه الصحيح، يتبين أن الأجهزة التي تبدو ضعيفة هي بالفعل قادرة تماماً، بينما تُفضّل تسوية القضايا الحساسة بهدوء. وفيما يخص كافة المسائل الثلاث، يبدو أن تركيز واشنطن ضيّق جداً لمعالجة هواجسها الخاصة. فبدلاً من الإشارة إلى صفقات وأعمال محددة، يجب أن ينخرط الشريكان في مستويات استراتيجية أعلى، بدءاً من الغايات بدلاً من السبل والوسائل.

وأحد الهواجس الأمريكية الكبيرة هو أن مساعي الصين في مجال التكنولوجيا الأجنبية تستهدف إسرائيل كمصدر محتمل. وكما تُظهر الأبحاث، يشمل المشروع الصيني العالمي لنقل التكنولوجيا جهوداً قانونية وغير شرعية، وعمليات تجسس وسرقة، وأنشطة تجارية، بالإضافة إلى علاقات أكاديمية، تتخطى بأشواط نطاق الاستثمار. وبينما تُطبّق الصين وفقاً لبعض التقارير مجموعة أدواتها في أنحاء العالَم عبر عمليات التكييف المحلية، يمكن أن تفترض إسرائيل أنها تواجه مخاطر مشابهة. ففي آب/أغسطس، أفادت شركة “فاير آي” (FireEye) الدولية للأمن السيبراني أن إسرائيل استُهدفت من قبل حملة تجسس إلكترونية وصناعية ضخمة على الإنترنت، ربما من قبل الصين، مما يشير إلى أن التحدي الذي تواجهه إسرائيل حقيقي ومباشر، بما يتجاوز مجرّد تحفظات واشنطن.

للقدس مصلحة حقيقية في إطار المنافسة بين القوى العظمى، إذ تشكّل قوة الولايات المتحدة ودعمها ركيزة أساسية في الأمن القومي الإسرائيلي. إلا أن الصين ليست عدو إسرائيل، ولا ترغب في أن تكون كذلك. لذا يجب أن تدمج سياسة إسرائيل بحكمة بين أمرين هما: دعم الولايات المتحدة بالتكنولوجيا والابتكار والأبحاث والتطوير في المجالات السيبرانية والدفاعية، فيما تتمتع بعلاقات اقتصادية مثمرة وانتقائية وآمنة مع الصين؛ وأخذ الهواجس الأمريكية على محمل الجد والمتاجرة مع الصين فيما تُخفف تَعرُّضها الخاص للمخاطر المبلَّغ عنها عالمياً، بما فيها التهديدات السيبرانية والتجسسية، ونقل التكنولوجيا، والتأثير الخارجي، وتحديات الإكراه الاقتصادي.

تُكيّف القدس وواشنطن تدريجياً شراكتهما الاستراتيجية مع عصر المنافسة بين القوى العظمى. وفيما تسعى الولايات المتحدة إلى تركيز انتباهها أكثر فأكثر على المحيط الهندي الهادئ، مكافِحةً لتحقيق التفوق في المراحل المتقدمة من التقنيات المتطورة والبيانات والفضاء الجوي، يمكن أن تؤدي إسرائيل دوراً داعماً مهماً. ويمكن أن تتشارك إسرائيل العبء الأمني في الشرق الأوسط فيما تُساهم في القاعدة الابتكارية الخاصة بالغرب وقوة ردعه السيبرانية. وكما قال الرئيس جون ف. كينيدي في أحد خطاباته، يجب أن يسأل القادة الإسرائيليون باستمرار ماذا يمكنهم أن يفعلوا لأمريكا بينما تواجه تحدياً تاريخياً.

 

.

رابط المصدر:

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/fyma-ytkhty-hzam-alft-waltryq-allaqat-alamrykyt-alasrayylyt-fy-sr-mnafst-alqwy

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M