لماذا انتصر اليمين القومي في انتخابات السويد؟

 إيهاب عمر

 

شهدت مملكة السويد شمال أوروبا زلزالًا سياسيًا جديدًا، وذلك حينما حقق اليمين القومي نتائج غير مسبوقة في الانتخابات العامة التي جرت يوم 11 سبتمبر 2022. واعترفت السيدة ماجدالينا أندرسون رئيسة الوزراء بالهزيمة وقدمت استقالتها من أجل إفساح المجال لائتلاف اليمين أن يشكل الحكومة الجديدة مع افتتاح أعمال البرلمان الجديد في وقت لاحق من سبتمبر 2022. وكانت أندرسون قد أصبحت أول سيدة تتولى رئاسة الحكومة السويدية في 30 نوفمبر 2021، بعد أن تولت رئاسة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وترأست ائتلافًا من اليسار في الانتخابات قبل الخسارة أمام اليمين.

ويتكون ائتلاف اليمين من 4 أحزاب هي:

1 – حزب المعتدلين (حزب المحافظين) برئاسة أولف كريسترسون، يمثل اليمين المحافظ.

2 – حزب ديمقراطيي السويد برئاسة جيمي أكيسون، يمثل اليمين القومي الجديد وصاحب الزلزال الذي رجح انتصار اليمين، حيث حصد عددًا من المقاعد أكبر من الأحزاب الثلاثة الأخرى في ائتلاف اليمين. وكان يفترض أن يشكل رئيس الحزب جيمي أكيسون الحكومة الجديدة، ولكن نظرًا لعدم قدرته على توحيد الرؤى بين الأحزاب الأربعة فإن رئاسة الحكومة سوف تذهب إلى أولف كريسترسون رئيس حزب المحافظين.

3 – حزب الليبراليين (حزب الشعب الليبرالي) برئاسة يوهان بيرسون.

4 – الحزب المسيحي الديمقراطي برئاسة إيبا بوش.

أسباب صعود اليمين القومي

كانت السويد قد شهدت جدالًا عنيفًا على مدار الأشهر الماضية؛ في ضوء دعم الحكومة الاشتراكية لرؤية الغرب في الحرب الأوكرانية والعقوبات على روسيا، بالإضافة إلى محاولة الانضمام إلى حلف الناتو. وتشهد السويد كذلك حالة عنيفة من الانفلات الأمني بسبب العصابات المنظمة التي شكلها اللاجئون القادمون من الشرق الأوسط.

فقد أصبحت قضية اللاجئين وما تمثله من تلاعب بالتركيبة السكانية والخصوصية الثقافية وحتى الدينية للسويد بمثابة عامل فزع عام وطني للشعب السويدي؛ في ضوء السلوكيات غير المتحضرة والجريمة المنظمة التي ضربت السويد منذ عام 2015 بفعل وصول الأفواج الأولى للمهاجرين من الشرق الأوسط. وتعد السويد معقل حقوق الإنسان في أوروبا، مما أثار دهشة المراقبين من تحول المزاج الانتخابي للشعب السويدي، والتصويت بكثافة لليمين القومي الجديد.

وكان الغرب قد شهد موجة من صعود اليمين القومي ما بين عامي 2016 و2020، قبل أن تبدأ موجة من الانحسار ما بين عامي 2020 و2022، ولكن مع بدء الحرب الأوكرانية بدأ اليمين القومي في أوروبا وأمريكا يسجل حضورًا قويًا في صناديق الاقتراع.

ويمثل ذلك إشارة إلى تعلق الشعوب الغربية بنموذج الدولة الوطنية القومية بوجه نموذج دولة العولمة، ورفض سياسات الهجرة غير المسؤولة التي أدت إلى إغراق المجتمعات الغربية بالمهاجرين دون ردع للسلوكيات الإجرامية التي انتشرت في تلك المجتمعات الموازية، بما في ذلك موجة من الأعمال الإرهابية ما بين عامي 2014 و2016.

وتعكس نتائج الانتخابات كذلك حالة من يأس الشعوب الغربية من فكرة الوحدة الأوروبية وآليات عمل الاتحاد الأوروبي، وعدم جدوى حرب تكسير العظام بين روسيا والغرب، إضافة إلى حالة من التعاطف مع روسيا موجودة في صفوف اليمين القومي في أوروبا وامريكا.

وشهد عام 2022 انتخاب رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان للمرة الرابعة على التوالي، وصعود حزب التجمع الوطني برئاسة مارين لوبان في الانتخابات البرلمانية الفرنسية، وسقطت الحكومة الليبرالية في بلغاريا خلال أغسطس 2022 وتم حل البرلمان وإعلان التوجه إلى انتخابات مبكرة في أكتوبر، وهي رابع انتخابات مبكرة في بلغاريا التي شهدت ثلاثة انتخابات عام 2021 في أبريل ويوليو ونوفمبر.

ورغم أن حزب ديمقراطيي السويد كان منبوذًا في العمل السياسي منذ دخوله الأول للبرلمان عام 2010، إلا أن ارتفاع شعبيته جعل كافة قوى اليمين المحافظ والمسيحي والليبرالي تقرر التحالف معه واستيعاب شعبيته عام 2019؛ من أجل خوض انتخابات 2022 على قائمة موحدة.

ولا توجد خلافات تذكر بين حزب ديمقراطيي السويد وحزب المعتدلين، ولكن الخلاف الحقيقي سوف يكون مع الحزب الليبرالي والحزب المسيحي، وإن كانت الحصة الضئيلة للمقاعد للحزبين المسيحي والليبرالي مقارنة بالمحافظين والقوميين سوف تجعلهم بدون خطر حقيقي داخل الائتلاف الحاكم.

ومن المتوقع أن تتشدد السويد في ظل حكومة اليمين في سياسات اللجوء، ومعاملة اللاجئين في الداخل، والذهاب إلى معالجات وطنية حاسمة في ملف الجريمة المنظمة بعد تكرار عمليات إطلاق النار والسلب والنهب وإشعال النيران في بعض المنشآت الخاصة.

وسوف يحاول ائتلاف اليمين أن يظهر تميزًا عن أداء ائتلاف اليسار في الحكم، وذلك برفض إملاءات الولايات المتحدة الأمريكية في ملف الطاقة مع روسيا، والدعم المباشر لأوكرانيا، وكذلك رفض سياسات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالهجرة واستيعاب اللاجئين. ومن المتوقع كذلك أن يُستأنف التوتر بين السويد وتركيا في ضوء إيواء السويد لبعض عناصر حزب العمال الكردستاني. وبناء على كل ما سبق، فإن التقارب بين السويد وروسيا هو أمر واقع منذ اليوم الأول لإعلان تشكيل الحكومة الجديدة.

الأصول الأيديولوجية لليمين في السويد

انبثق حزب ديمقراطيي السويد من حركات النازيين الجدد خلال التسعينيات، ثم شكلوا حركة “حافظوا على هوية السويد”، قبل التحول إلى حزب سياسي ودخلوا البرلمان للمرة الأولى عام 2010. ولا يمكن تجاهل الربط بين صعود ديمقراطيي السويد وصعود حركات النازيين الجدد في الحرب الأوكرانية، سواء النازيين الجدد بمرجعية كاثوليكية الذين يحاربون في صفوف الجيش الأوكراني، أو النازيين الجدد بمرجعية أرثوذكسية الذين يحاربون في صفوف شرق أوكرانيا الموالي لروسيا الاتحادية.

الحزب السويدي الذي تشكل من فلول النازيين الجدد جاءت نتيجته وحده لتتجاوز ما حصلت عليه الأحزاب الثلاثة مجتمعة، مما يجعل الحكومة المقبلة أشبه بمرحلة انتقالية للحزب قبل أن يرأس الحكومة، ما لم تنهر شعبيته خلال أعمال الحكومة والبرلمان الجديدين.

أما حزب المعتدلين، فهو الحزب المحافظ الأول في البلاد، تأسس عام 1904، وكان في بادئ الأمر معقل اليمين القومي والمحافظ والديني. وقد مر حزب المعتدلين بأكثر من مراجعة فكرية، فتحول إلى حزب التجمع ثم حزب اليمين ولاحقًا حزب التجمع المعتدل.

شكل انتخاب الإصلاحي (اليمين الليبرالي) فريدريك رينفلت رئيسًا للحزب في أكتوبر 2003 انطلاقة جديدة للحزب؛ فقد قام رينفلت بنقل الحزب من اليمين القومي إلى اليمين الليبرالي المحافظ، وقاد الحزب للحصول على الأغلبية في الانتخابات عامي 2006 و2010، فشكل الحكومة منذ أكتوبر 2006 حتى أكتوبر 2014 حينما استقال عقب نتائج انتخابات 2014، وقد اتهمه حلفاؤه بالتسرع في الاستقالة، حيث كان يمتلك المناورة الكافية لتشكيل ائتلاف حزبي موسع يجعله قادرًا على تشكيل الحكومة للمرة الثالثة على التوالي.

رينفلت كان أكثر من حكم السويد من اليمين منذ إريك جوستاف بوستروم (1842 – 1907) المنتمي إلى “حزب أهل الريف” المعبر عن اليمين المحافظ في السويد في القرن التاسع عشر، وشكل بوستروم الحكومة ما بين عامي 1891 و1900 ثم ما بين عامي 1902 و1905.

وفى يناير 2015 عقب 3 أشهر من استقالته من الحكومة ورئاسة الحزب، اختار السيدة آنا كينبيرج باترا رئيسة للحزب، ولكنها فشلت في إعادة الحزب للحياة وقدمت استقالتها، ما فتح الباب امام أولف كريسترسون لاعتلاء سدة الحزب في أكتوبر 2017.

أزال أولف كريسترسون الاسم والشعار الليبراليين للحزب، وأعاده إلى حزب المعتدلين بدلًا من حزب التجمع المعتدل، وعاد بالحزب إلى اليمين المحافظ بدلًا من اليمين الليبرالي، ما رمم شعبية الحزب في أوساط السويديين الذين عزفوا عن الوسط الليبرالي بعد بدء كوارث الهجرة والجريمة المنظمة عام 2015.

إن صعود اليمين القومي في السويد للمرة الأولى في تاريخ هذه الدولة التي عُرفت بمناخها الليبرالي يعني أن السويد التي نعرفها منذ مئة عام قد تحولت إلى دولة أخرى على ضوء المبادئ النيوليبرالية والتماهي مع العولمة الذي فرضته الحكومة الاشتراكية على البلاد ما بين عامي 2014 و2022، ما جعل الناخب السويدي يحاول الهروب من إملاءات الصوابية السياسية والاتحاد الأوروبي ودوائر العولمة إلى نموذج الدولة الوطنية، حتى لو كان ذلك على يد فلول النازيين الجدد والمحافظين سياسيًا ودينيًا.

 

.

رابط المصدر:

https://marsad.ecss.com.eg/72956/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M