مسؤولية الحماية بين الشرعية الإنسانية والتوظيف السياسي: دراسة تحليلية للحالة الليبية

الملخص 

تتناول هذه الدراسة إشكالية العلاقة بين مبدأ مسؤولية الحماية وحدود توظيفه العملي في الحالة الليبية من خلال اختبار الفجوة بين التفويض الأممي المعلن لحماية المدنيين وبين مسار التنفيذ العسكري الفعلي. وتنطلق من فرضية مفادها أنَّ الإشكال لا يكمن في البنية الأخلاقية أو القانونية المجردة للمبدأ، بل في الانزياح الذي قد يحدث عند تطبيقه عملياً، بحيث يتجاوز حماية السكان إلى التأثير في موازين الصراع الداخلي وإعادة تشكيل الواقع السياسي.

اعتمدت الدراسة المنهج التحليلي، عبر قراءة القرارين S/RES/1970 و S/RES/1973 الصادرين عن مجلس الأمن، ومقارنة ما أجازاه قانونياً بما نُفذ على الأرض من قبل حلف شمال الأطلسي وحلفائه. كما استعانت بمقاربة نقدية مستلهمة من التمييز السقراطي بين الحقيقة والخطابة، لتفكيك العلاقة بين الخطاب الإنساني والوظيفة السياسية للتدخل.

وتخلص الدراسة إلى أنَّ التدخل في ليبيا استند، من حيث الخطاب والتفويض إلى حماية المدنيين، لكنه لم يبقَ منحصراً في هذا الهدف عند مستوى الممارسة. فقد اتجه تدريجياً إلى دعم أحد أطراف النزاع، وإضعاف النظام الليبي، والمساهمة في إسقاطه. وبذلك، تكشف الحالة الليبية أنَّ مبدأ مسؤولية الحماية، رغم أساسه الإنساني، يظل قابلاً للتوظيف السياسي بما يتجاوز الغاية التي شُرِّع من أجلها.

 المؤلف المراسل: فيصل براء المرعشي  [email protected]  العلوم السياسية، معهد الشرق الأوسط، جامعة سكاريا، سكاريا، تركيا.

لاقتباس المقالة: المرعشي، فيصل براء. (2026). مسؤولية الحماية بين الشرعية الإنسانية والتوظيف السياسي: دراسة تحليلية للحالة الليبية. مجلة مؤشر للدراسات الاستطلاعية، 8(22)، 10-34.

© 2026 المؤلف(ون). منشورٌ مِن قِبَل المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية.

تَخضع هذه المقالة لشروط رخصة المشاع الإبداعي الدولية: نسب المصنف – غير تجاري 4.0 (CC BY-NC 4.0)، التي تُتِيح الاستعمال غير التجاري، والمشارَكة، والتكييف، والتوزيع، وإعادة الإنتاج في أي وسيط أو صيغة، بشرط الإشارة المناسِبة إلى المًؤَلِّف الأصلي/المؤلِّفين الأصليين وإلى المصدر، مع تضمين رابط الرخصة، وبيان ما إذا أُدخلت أي تعديلات على العمل.

مقدمة

بعد نهاية الحرب الباردة، تصاعد الجدل في حقلي القانون والعلوم السياسية حول حدود السيادة الوطنية وإمكانية إعادة تعريفها في ضوء التحولات التي شهدها النظام الدولي. وقد اكتسب هذا الجدل زخماً أكبر مع بروز مبدأ مسؤولية الحماية ‘The Responsibility to Protect’  ، الذي قُدِّم بوصفه تحوّلاً معيارياً ينقل مركز الثقل من حماية الدولة وسيادتها إلى حماية الإنسان وكرامته، لا سيما في حالات الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية. ومع إصدار تقرير اللجنة الدولية المعنية بالتدخل وسيادة الدول ‘ICISS عام 2001، بدأ مبدأ مسؤولية الحماية في اكتساب ملامحه المؤسسية الأولى، ثم سرعان ما تكرّس سياسياً في وثيقة القمة العالمية لعام 2005 التي أكدت أنَّ مسؤولية حماية السكان تقع أولاً على عاتق الدولة نفسها، وأنَّ المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية جماعية عندما تعجز الدولة عن الاضطلاع بهذا الواجب أو تمتنع عنه.

ومع ذلك، لم تؤدِّ هذا التطورات إلى حسم موضوع النقاش الدائر حول السيادة الوطنية ومسؤولية الحماية الإنسانية، بل زادت من تعقيدها. فقد بدأت الأدبيات السياسية والقانونية تتساءل عما إذا كان المجتمع الدولي أمام نقلة أخلاقية وقانونية فعلية في فهم السيادة، أم أمام إعادة صياغة أكثر قبولاً لفكرة التدخل الخارجي تحت لغة إنسانية ذات جاذبية معيارية. ومن هنا برز السؤال المتمثل فيما إذا كان مبدأ مسؤولية الحماية قد مثَّل قيداً على استخدام القوة باسم الإنسان، أم وفر إطاراً خطابياً جديداً يمكن توظيفه لتبرير تدخلات تتجاوز حدود الحماية الإنسانية المعلنة؟ انطلاقاً من هذه الإشكالية، تطرح هذه الدراسة سؤالها المركزي على النحو الآتي: إلى أي مدى التزمت تطبيقات مبدأ مسؤولية الحماية بحدود حماية الإنسان دون أنْ تتحول إلى غطاء لتوسيع أهداف التدخل الدولي؟

تنبع أهمية هذا السؤال من أنَّ الإشكال لا يكمن فقط في البنية الأخلاقية أو القانونية المجردة للمبدأ، بل في المسافة التي قد تنشأ بين التفويض الدولي كما يُصاغ في النصوص والقرارات الأممية، وبين التنفيذ الفعلي على الأرض. فالمشكلة، في كثير من الأحيان، لا تتعلق باللغة المعيارية التي تُقدَّم بها الحماية، بل بما قد يرافقها من انزياح عملي نحو أهداف سياسية أو عسكرية أوسع، كإعادة تشكيل موازين القوى أو تغيير النظام السياسي أو خدمة مصالح خارجية لا تندرج ضمن الغاية الإنسانية الأصلية. فعلى سبيل المثال، أثارت بعض النقاشات الأكاديمية السابقة المتعلقة بحالة كوسوفو جدلاً مبكراً حول حدود الشرعية الدولية بعد تدخل الناتو عسكرياً تحت مبررات إنسانية وغياب تفويض صريح من مجلس الأمن (Francioni, 2000, p. 118). كما أثارت حالة التدخل الغربي في العراق عام 2003 جدلاً بشأن تبريرات التدخل ذات الطابع الإنساني أو الأخلاقي، ومدى تداخلها مع مسوغات أخرى محل نزاع قانوني وسياسي واسع (Simuziya, 2023, pp. 15-16). في حين أعادت الحالة الليبية طرح الإشكال نفسه من زاوية مغايرة، إذ لم يعد الجدل مقتصراً على أصل التفويض، بل امتد إلى ما إذا كان التنفيذ العملي قد بقي ملتزماً بحدود حماية المدنيين أم انزاح نحو أهداف أوسع (Zifcak, 2012, pp. 7-8).

وبناءً على ذلك، تنطلق هذه الدراسة من أنَّ مشروعية التدخل تثير إشكالاً يتجاوز البعدين القانوني والأخلاقي، ليشمل بنية الخطاب الذي يبرره، وآليات اشتغال اللغة الإنسانية في بناء شرعيته السياسية. وفي هذا السياق تحديداً، تكتسب العودة إلى محاورة سقراط Socrates مع جورجياس Gorgias قيمة تحليلية خاصة، فهذه المحاورة لا تقف عند الخطابة بوصفها فناً لغوياً وحسب، بل تطرح تمييزاً أعمق بين المعرفة القائمة على الحقيقة، والخطاب القادر على الإقناع من دون أنْ يرتكز بالضرورة إلى معرفة حقيقية بحقيقة الموضوع (أفلاطون، 1970، ص 35-46). ومن هذا المنظور، تفترض هذه الدراسة أنَّه على الرغم من أنَّ مبدأ مسؤولية الحماية يمكن اعتباره خطاباً سياسياً وقانونياً ذو صفة أخلاقية تهدف إلى حماية الإنسان، إلَّا أنَّه في ذات الوقت يبقى قادراً على إضفاء بعض الصفات أخلاقية على ممارسات قد تتجاوز حدود التفويض الأصلي. ولذلك، تركز هذه الدراسة على اختبار هذا المبدأ في المجال الذي تتقاطع فيه الدوافع الإنسانية مع الاستخدام السياسي، وتلتقي فيه الصياغة القانونية مع الممارسة العملية. وضمن هذا المسار، ينصرف هدف الدراسة إلى تتبع الفجوة التي قد تنشأ بين حدود التفويض الأممي وآليات تنفيذه على أرض الواقع.

ولتحقيق ذلك، تعتمد هذه المقالة منهجاً تحليلياً يقوم على قراءة القرارات الأممية ذات الصلة بالتدخل الدولي الإنساني في الأزمة الليبية، ولا سيما قرارَي مجلس الأمن S/RES/1970  و S/RES/1973 لعام 2011، ثم مقارنة ما أُجيز قانونياً في إطار مسؤولية حماية المدنيين بما نُفذ فعلياً على الأرض في سياق العمليات العسكرية التي قادها حلف شمال الأطلسي. وتختار الدراسة الحالة الليبية بوصفها الحالة التطبيقية الأبرز لاختبار مبدأ مسؤولية الحماية في صيغته المؤسسية المعاصرة، إذ مثلت أول تطبيق عملي واضح للمبدأ بعد إقراره عام 2005، وسط تفويض صريح من مجلس الأمن باستخدام القوة لحماية السكان المدنيين. وتنبع أهمية هذه الحالة من أنَّها تكشف، بدرجة عالية من الوضوح، طبيعة التوتر القائم بين الغاية الإنسانية المعلنة وحدود الممارسة العسكرية الفعلية، كما تتيح فحص ما إذا كان التدخل قد ظل ملتزماً بإطار الحماية الإنسانية، أم أنَّه انزاح تدريجياً نحو أهداف أوسع اتصلت بإعادة تشكيل موازين الصراع الداخلي.

  1. إشكالية البحث

تتمحور إشكالية هذه الدراسة حول اختبار الفجوة بين البنية المعيارية لمبدأ مسؤولية الحماية وبين ممارسته الفعلية في الحالة الليبية. فعلى المستوى النظري، طُرح هذا المبدأ بوصفه إطاراً أخلاقياً وقانونياً مُحدّثاً لمفهوم التدخل الدولي الإنساني، يهدف إلى حماية السكان من الفظائع الجماعية عندما تعجز الدولة عن أداء هذا الدور أو تمتنع عنه. غير أنَّ تطبيقاته السابقة تحت مفهوم التدخل الدولي الإنساني، وكذلك تطبيقه الأخير في ليبيا تحت مبدأ مسؤولية الحماية، أثارت تساؤلات متزايدة بشأن حدود الالتزام الفعلي بمضمونه الإنساني، وعدم تجاوزها نحو أهداف أوسع اتصلت بالتأثير في موازين الصراع الداخلي وإعادة تشكيل البنية السياسية للدول.

ومن هنا تنطلق الدراسة من السؤال الرئيس الآتي: إلى أي مدى التزم تطبيق مبدأ مسؤولية الحماية في الحالة الليبية بحدود حماية السكان المدنيين، من دون أن يتحول إلى غطاء لتوسيع أهداف التدخل الدولي؟

ويتفرع عن هذا السؤال عدد من التساؤلات الفرعية:

  • ما حدود التفويض الأممي الذي أقره مجلس الأمن في الحالة الليبية عام 2011؟
  • هل بقي التنفيذ العملي للتدخل العسكري منسجماً مع حدود هذا التفويض؟
  • ما طبيعة العلاقة بين الخطاب الإنساني المعلن للتدخل وبين النتائج السياسية والعسكرية التي ترتبت عليه على أرض الواقع؟
  • إلى أي مدى كشفت الحالة الليبية عن قابلية مبدأ مسؤولية الحماية لأن يُوظَّف في اتجاهات تتجاوز الغاية الإنسانية التي شُرِّع من أجلها؟
  1. 2. أهمية البحث

تنبع أهمية هذه الدراسة من اعتبارات نظرية وعملية متداخلة. فمن الناحية النظرية، تسهم هذه المقالة في مناقشة واحدة من أكثر القضايا إشكالاً في الفكر السياسي المعاصر والقانون الدولي، وهي العلاقة بين السيادة والتدخل، وبين الشرعية الإنسانية واستخدام القوة في إطار مبدأ مسؤولية الحماية. كما تتجلى أهميتها في سعيها إلى تجاوز القراءات التبسيطية التي تنظر إلى هذا المبدأ إما بوصفه إنجازاً أخلاقياً وقانونياً خالصاً، أو بوصفه مجرد أداة مصلحية لتبرير التدخلات الخارجية، وذلك من خلال مقاربة نقدية تختبره في ضوء التطبيق العملي في الحالة الليبية، لا في حدود بنيته النظرية المجردة فحسب.

أما من الناحية العملية، فتنبع أهمية الدراسة من تناولها للحالة الليبية بوصفها من أبرز الحالات التطبيقية التي شكّلت اختباراً حاسماً لمبدأ مسؤولية الحماية في صورته المؤسسية المعاصرة. فقد مثّل التدخل الدولي في ليبيا عام 2011 لحظة مفصلية في الجدل الدولي حول حدود الحماية الإنسانية ومشروعية استخدام القوة، ولا سيما في ظل وجود تفويض صريح من مجلس الأمن لحماية المدنيين. ومن خلال تحليل هذه الحالة، تتيح الدراسة فهماً أعمق للكيفية التي يمكن أنْ تتشكل بها الفجوة بين القرار الأممي كما يُصاغ قانونياً، وبين آليات تنفيذه الفعلية على الأرض، كما تساعد في الكشف عن طبيعة التوتر بين الاعتبارات الإنسانية المعلنة والنتائج السياسية والعسكرية التي أفرزها التدخل.

وتزداد أهمية هذا البحث أيضاً في كونه يوظف مدخلاً تحليلياً أقل تداولاً في دراسة هذا الموضوع، يتمثل في الاستفادة من البعد الفلسفي المستمد من محاورة سقراط مع جورجياس، بما يتيح تفكيك الخطاب الإنساني من زاوية العلاقة بين الحقيقة والإقناع، وبين المعيار الأخلاقي والوظيفة السياسية. ومن ثم، فإنَّ هذه الدراسة لا تقتصر على تحليل قانوني أو سياسي مباشر للتدخل في ليبيا، بل تمتد إلى مساءلة البنية الخطابية التي أُنتجت من خلالها شرعية هذا التدخل، والكيفية التي يمكن بها للغة الإنسانية أنْ تصبح أداةً لتوسيع المعنى السياسي للتفويض الدولي.

  1. 3. أهداف البحث

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية:

أولاً: اختبار مدى الالتزام العملي بحدود مبدأ مسؤولية الحماية في الحالة الليبية، من خلال تحليل مضمون قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولا سيما القرارين S/RES/1970 و S/RES/1973 لعام 2011، ومقارنة ما أُجيز قانونياً بما نُفذ فعلياً على الأرض في سياق التدخل العسكري.

ثانياً: الكشف عن مدى انسجام التدخل الدولي في ليبيا مع الغاية الإنسانية المعلنة المتمثلة في حماية المدنيين، أو انفتاحه على أهداف أوسع اتصلت بالتأثير في مسار الصراع الداخلي، وإعادة تشكيل التوازن السياسي، بما قد يتجاوز مقتضيات الحماية الإنسانية.

ثالثاً: تفكيك العلاقة بين الخطاب الإنساني والممارسة الجيوسياسية في الحالة الليبية، من خلال بيان الكيفية التي يمكن أنْ يتحول بها مبدأ مسؤولية الحماية من إطار معياري يهدف إلى حماية السكان إلى أداة قابلة لإعادة التوظيف السياسي في سياق التدخل الدولي.

  1. 4. فرضية البحث والمنهج المعتمد

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أنَّ الإشكال في تطبيق مبدأ مسؤولية الحماية في الحالة الليبية لا يكمن في بنيته الأخلاقية أو القانونية المجردة، بقدر ما يكمن في المسافة التي قد تنشأ بين حدود التفويض الأممي المقرر لحماية المدنيين من جهة، ومسار التنفيذ العملي للتدخل العسكري من جهة أخرى. وبعبارة أكثر تحديداً، تفترض الدراسة أنَّ التدخل الدولي في ليبيا، على الرغم من استناده إلى خطاب إنساني وغطاء قانوني صادر عن مجلس الأمن، لم يبق منحصراً بالضرورة في حدود حماية السكان المدنيين، بل انفتح، في سياق ممارسته العملية على أهداف أوسع اتصلت بالتأثير في موازين الصراع الداخلي، وبإعادة تشكيل الواقع السياسي الليبي، بما يتجاوز الغاية الإنسانية المعلنة للتفويض.

وللتحقق من هذه الفرضية، تعتمد الدراسة المنهج التحليلي، من خلال قراءة قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالأزمة الليبية، ولا سيما القرارين S/RES/1970 و S/RES/1973 لعام 2011، وتحليل مضامينها القانونية والسياسية، ثم مقارنة ما أُجيز فيها من تدابير لحماية المدنيين بما نُفذ فعلياً على الأرض في سياق العمليات العسكرية. كما تستعين الدراسة بمقاربة نقدية تستفيد من التمييز السقراطي بين المعرفة والخطابة، بوصفه مدخلاً فكرياً يساعد في تفكيك العلاقة بين الخطاب الإنساني المعلن والوظيفة السياسية التي قد تنطوي عليها الممارسة الفعلية للتدخل. ومن خلال هذا التداخل بين التحليل القانوني والتفسير السياسي والتفكيك الخطابي، تسعى الدراسة إلى بيان ما إذا كانت الحالة الليبية تمثل تطبيقاً منضبطاً لمقتضيات الحماية الإنسانية، أم تكشف عن انزياح تدريجي من حماية الإنسان إلى توظيف مبدأ مسؤولية الحماية ضمن حسابات القوة والمصلحة.

أولاً: مبدأ مسؤولية الحماية بين الغاية الإنسانية وإشكال التوظيف السياسي

لم يظهر مبدأ مسؤولية الحماية بوصفه مفهوماً منفصلاً عن التطورات التاريخية والفكرية التي شهدها النظام الدولي، بل جاء نتيجة مسار طويل من الجدل حول حدود السيادة ومشروعية التدخل الخارجي لغايات إنسانية. فمنذ ترسيخ مفهوم الدولة الحديثة بعد معاهدة ويستفاليا ‘Westphalia’ عام 1648، استقر التصور القانوني والسياسي لمفهوم السيادة على أنْ يكون لكل دولة سلطة عليا داخل إقليمها، وأنْ لا يجوز لأي طرف خارجي التدخل في شؤونها الداخلية، إلا في حالة وجود انتهاك صريح للمعاهدة، أو في حالات الدفاع عن النفس (Osiander, 2001, p. 206).

وعلى الرغم من أنَّ مفهوم السيادة المطلقة هذا قد شكّل أهم أحد المرتكزات الأساسية للنظام الدولي في ذلك الوقت، إلَّا أنَّ الحالات التاريخية تكشف أنَّ هذا المبدأ لم يكن مُطبقاً بصورة كاملة، إذ استمرت الدول الكبرى في التدخل بشؤون الدول الأخرى عبر استخدام الذرائع الإنسانية كلما اقتضت مصالحها السياسية أو الاستراتيجية ذلك (Kabbara, 2015, p. 14). وقد رصد باحثون من كلية ويتون Wheaton College في هذا الشأن، امتدادات ارتبط بها مفهوم التدخل الدولي الإنساني بمفهوم الدولة الحديثة الذي تلى معاهدة ويستفاليا، كان أبرزها تدخل بريطانيا وروسيا وفرنسا في حرب الاستقلال اليونانية عام 1821 لمساعدة اليونانين على نيل استقلالهم عن الإمبراطورية العثمانية (Heraclides & Dialla, 2015, p. 105). وكذلك التدخل الفرنسي في بلاد الشام عام 1860 بحجة حماية الموارنة المسيحيين من زعماء الدروز في لبنان. مؤكدين على أنَّ البعد الإنساني الذي استخدم لإضفاء الشرعية على التدخلات آنذاك، لم يكن منفصلاً تماماً عن توازنات القوة ومصالح الدول، بل كان متداخلاً معها (Pogany, 1986, pp. 182-186).

ومع استقرار النظام الدولي بعد حربين عالميتين وقيام الأمم المتحدة عام 1945، أعاد ميثاق الأمم في ديباجته التأكيد على مبدأ المساواة في السيادة، وحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، لكنه أبقى في الوقت نفسه على صلاحيات مجلس الأمن في اتخاذ تدابير جماعية بموجب الفصل السابع عند وجود تهديد للسلم والأمن الدوليين (United Nations, 1945, Arts. 2(1), 2(4), ch. VII). وبهذا المعنى، لم يُنهِ ميثاق الأمم المتحدة التوتر بين مبدأي السيادة والتدخل، بل أعاد صياغتهما ضمن منظومة مؤسسية جعلت مشروعية التدخل مرتبطة بإرادة مجلس الأمن والاعتبارات المتصلة بحفظ السلم الدولي.

ومع نهاية الحرب الباردة، اكتسب هذا الجدل أهمية متزايدة في ظل تصاعد الأزمات الإنسانية والانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق المدنيين. فقد كشفت أزمات تلك المرحلة عن قصور الفهم التقليدي للسيادة عن استيعاب ظاهرة الفظائع الجماعية واسعة النطاق. وفي هذا الإطار، برز الخطاب الإنساني بوصفه أحد المداخل الرئيسة لتبرير أنماط متعددة من التدخل الخارجي، إذ شهدت تسعينيات القرن العشرين ما يقارب أحد عشر تدخلاً دولياً قُدمت لها مبررات إنسانية، من بينها: تدخل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا ECOWAS في ليبيريا عام 1990 لإعادة فرض القانون والنظام، والتدخل الأمريكي البريطاني الفرنسي في شمال العراق عام 1991 لإنشاء مناطق آمنة وفرض حظر جوي لحماية آلاف الأكراد المعرضين للخطر، والتدخل الذي قادته الولايات المتحدة في الصومال عام 1992 لفتح ممرات إنسانية، والتدخل الذي قادته الولايات المتحدة في هايتي عام 1994 لإعادة الرئيس المنتخب ديمقراطياً جان برتران أريستيد Jean-Bertrand Aristide  إلى السلطة، وقصف حلف شمال الأطلسي ‘NATO مواقع صرب البوسنة عام 1995 في سياق إنهاء الحرب في يوغوسلافيا السابقة، وتدخل ECOWAS في سيراليون عام 1997 لاستعادة السلام والاستقرار، وتدخل NATO في كوسوفو عام 1999 لحماية ألبان كوسوفو من التطهير العرقي، والتدخل الذي قادته أستراليا في تيمور الشرقية عام 1999 عقب أعمال العنف الواسعة، إضافة إلى عمليات الأمم المتحدة في الجزء الشرقي من جمهورية الكونغو الديمقراطية عام 1999، ثم تدخل المملكة المتحدة في سيراليون عام 2000 لدعم بعثة الأمم المتحدة بعد تعثرها (Almarashi, 2020, pp. 3-4).

وفي ظل هذا التوسع في ممارسة التدخلات الدولية تحت مسميات إنسانية، برزت الحاجة إلى ضبط مفهوم التدخل الدولي الإنساني من الناحية المفاهيمية. فقد أسهمت كثرة التدخلات التي جرى تبريرها باعتبارات إنسانية في إثارة نقاش واسع داخل الأدبيات السياسية والقانونية حول ماهية هذا المفهوم وحدوده وأدواته وشروط مشروعيته. الأمر الذي دفع عدداً من الباحثين إلى تقديم تعريفات متعددة له، عكست تبايناً في فهم طبيعته ونطاقه وأبعاده القانونية والسياسية. وفي هذا السياق، يبرز تعريف ج. ل. هولزغريف J. L. Holzgrefe للتدخل الدولي الإنساني على أنَّه: ”التهديد باستخدام القوة أو استخدامها عبر حدود الدولة من قبل دولة أو مجموعة دول بهدف منع أو إنهاء انتهاكات واسعة النطاق وجسيمة لحقوق الإنسان الأساسية لأفراد من غير مواطنيها، دون إذن الدولة التي تُطبَّق القوة داخل أراضيها“ (Holzgrefe & Keohane, 2003, p. 1). ويكشف هذا التعريف عن تركيز واضح على عنصر القوة بوصفه الأداة المركزية للتدخل، وعلى جسامة الانتهاكات الإنسانية بوصفها المبرر الرئيس له.

في حين يُقدم آدم روبرتس Adam Roberts تعريفاً أكثر ارتباطاً بالطابع العسكري والقسري للتدخل، إذ يصف التدخل الدولي الإنساني بأنَّه ”فعل قسري تقوم به الدول يتضمن استخدام القوة المسلحة في دولة أخرى من دون موافقة حكومتها. سواء أكان ذلك بإذن من مجلس الأمن أو بدونه، وذلك بغرض منع انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق لحقوق الإنسان أو للقانون الدولي الإنساني أو وضع حد لها“. ويكتسب هذا التعريف أهمية خاصة لأنَّه لا يكتفي بإبراز الغاية الإنسانية المعلنة، بل يربط المفهوم أيضاً بإشكالية المشروعية الدولية، ولا سيما في ما يتعلق بمسألة تفويض مجلس الأمن (Roberts, 2000, p. 5).

أما توني بريمز كنودسن Tonny Brems Knudsen، فيطرح تعريفاً أوسع نسبياً من حيث الصياغة المفاهيمية، إذ يرى أن التدخل الإنساني ”تدخل ديكتاتوري أو قسري في مجال اختصاص دولة ذات سيادة، يكون مدفوعاً أو مبرراً باعتبارات إنسانية“ (Knudsen, 1996, p. 146). وعلى الرغم من أهمية هذا التعريف في إبراز الطبيعة القسرية للتدخل، إلَّا أنَّه يظل أقل دقة من تعريفَي هولزغريف وروبرتس السابقين، وذلك لأنَّه لا يحدد بوضوح نوع الوسائل المستخدمة، ولا يضع حدوداً فاصلة بين التدخل العسكري وغيره من صور الضغط أو الإكراه الخارجي (Kardaş, 2003, pp. 26-27).

ويرى بهيكو باريك Bhikhu Parekh، أنَّ التدخل الدولي الإنساني يجب أنْ يأخذ بعداً أكثر اتساعاً إذ يعرفه بأنَّه ”تدخلاً في الشؤون الداخلية لدولة أخرى بهدف إنهاء المعاناة الجسدية الناجمة عن تفكك الدولة أو إساءة استخدامها الجسيمة للسلطة، والمساعدة في تهيئة الظروف التي يمكن أنْ تنشأ فيها بنية قابلة للحياة للسلطة المدنية“ (Parekh, 1997, p. 53). ويعكس هذا التعريف تصوراً أكثر توسعاً للمفهوم، لأنَّه لا يقتصر على وقف الانتهاكات المباشرة، بل يمتد إلى الإسهام في إعادة بناء الشروط السياسية والمؤسسية داخل الدولة المعنية.

تكشف هذه التعريفات عن حد أدنى مشترك يتمثل في ثلاثة عناصر رئيسة تخص التدخل الدول الإنساني يمكن شملها بـــــ: وجود فاعل خارجي يتجاوز حدود الدولة المستهدفة، ووجود معاناة إنسانية جسيمة أو انتهاكات واسعة النطاق تُقدَّم بوصفها مبرراً للتدخل، فضلاً عن حضور عنصر قسري، ظاهر أو مضمر، في الفعل التدخلي. ومع ذلك، يمكن القول أنَّ هذا الاتفاق لا يحجب وجود تباينات مهمة تتصل بطبيعة الأداة المستخدمة، وحدود الغاية الإنسانية، ومدى اشتراط المشروعية الدولية، إلى جانب الاختلاف بشأن ما إذا كان التدخل يقتصر على وقف الانتهاكات واسعة النطاق، أم يمتد إلى الإسهام في إعادة بناء النظام السياسي الداخلي للدولة المستهدفة. ومن ثم، فإنَّ تعدد هذه التعريفات لا يعكس مجرد تنوع اصطلاحي، بل يكشف عن خلاف أعمق يتصل بطبيعة التدخل الإنساني ذاته، وبالحد الفاصل بين الضرورة الإنسانية من جهة، واحتمالات التوظيف السياسي والاستراتيجي لهذا المفهوم من جهة أخرى.

ومع اتساع الجدل الأدبي المستمر في توصيف التدخل الدولي الإنساني، عبّرت اللجنة الدولية المعنية بالتدخل وسيادة الدول أنَّ مفهوم التدخل الدولي الإنساني لم يعد مفهوماً قادراً على توفير إطار قانوني وأخلاقي مستقر للتعامل مع الجرائم ضد الإنسانية من خلال تفسيره عبر إطار ”الحق في التدخل“، وأنَّه من الأنسب الانتقال إلى مقاربة جديدة تقوم على ”مسؤولية الحماية“. ولهذا أعلن تقرير اللجنة لعام 2001 بوضوح: ”نحن نفضّل ألا نتحدث عن حق في التدخل، بل عن مسؤولية الحماية“. وقد مثّلت هذه الصياغة تحولاً مفاهيمياً أساسياً، لأنَّها نقلت النقاش من فكرة امتياز الدولة المتدخلة إلى فكرة مسؤولية المجتمع الدولي على التدخل عندما تعجز الدول أو تمتنع عن أداء واجبها تجاه شعبها (ICISS, 2001, p. 11).

وبناء على ذلك، أعاد تقرير اللجنة الدولية المعنية بالتدخل وسيادة الدول لعام 2001 تعريف نقطة التحول الأبرز في بلورة مبدأ مسؤولية الحماية من خلال تفسيره للسيادة بوصفها مسؤولية، لا مجرد حصانة من التدخل الخارجي. كما عمل على بناء تصور متدرج للحماية يبدأ بالوقاية والمساعدة، ولا يجعل اللجوء إلى القوة إلا خياراً أخيراً تحكمه شروط صارمة (ICISS, 2001, p. 13). ثم كرّس هذا التحول سياسياً في وثيقة القمة العالمية لعام 2005، التي أقرت بأنَّ لكل دولة مسؤولية عن حماية سكانها من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية، وأنَّ المجتمع الدولي من خلال أجهزة الأمم المتحدة، يتحمل مسؤولية استخدام الوسائل السلمية المناسبة لمساعدة الدول على الوفاء بهذا الالتزام، وأنَّه قد يلجأ إلى عمل جماعي من خلال مجلس الأمن، وفقاً لأحكام الميثاق، عندما تفشل الوسائل السلمية وتعجز السلطات الوطنية بوضوح عن حماية سكانها (United Nations General Assembly, 2005, paras. 138-139).

ومع ذلك، لم تستطع جميع هذه التطورات الخاصة بتفسير التدخل الدولي الإنساني أنْ تنهِ الإشكال النظري المتصل بحدود إنسانيته ومشروعيته، بل أعادت طرحها في كل مرّة بصيغٍ قانونية جديدة. فإذا كان مبدأ مسؤولية الحماية قد ظهر في الأصل بوصفه محاولة لتقييد منطق التدخل الإنساني وإخضاعه لإطار معياري وقانوني أكثر انضباطاً، إلَّا أنَّ تطبيقاته العملية ظلّت تثير تساؤلاً جوهرياً حول مدى بقائه ملتزماً بغاية حماية السكان وعدم انفتاحه على توظيف القوة لتحقيق أهداف تتجاوز المبررات الإنسانية المعلنة (Cater & Malone, 2016, p. 192). ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة هذا التطورات بوصفها تميزاً واضحاً بين الخطاب المؤسس على معرفة حقيقية بالعدل والخير، والخطاب القادر على الإقناع من دون أنْ يستند بالضرورة إلى الحقيقة ذاتها. فالانتقال من مفهوم التدخل الإنساني إلى مبدأ مسؤولية الحماية لا يبدوا وكأنَّه انتقالاً قد ألغى إشكال التبرير الأخلاقي لاستخدام القوة بقدر ما مثَّل إعادة صياغته ضمن لغة معيارية أكثر قبولاً في الوعي القانوني والسياسي المعاصر. وبدلاً من من مناقشة فكرة مشروعية التدخل ومدى تحوله لغايات تحقيق الأهداف التي تتجاوز المبررات الإنسانية، جرى إسناده إلى واجب الحماية ومسؤولية المجتمع الدولي، وهو تحول منح الخطاب الإنساني قوة تبريرية أكبر، من دون أنْ يضمن بالضرورة انضباط الممارسة الفعلية دائماً بحدود الغاية الإنسانية.

وعلى هذا الأساس، بات من الممكن القول أنَّ الإشكال لا يكمن في البنية المعيارية المجردة لمبدأ مسؤولية الحماية بقدر ما يكمن في المسافة التي قد تنشأ بين منطقه القانوني والأخلاقي من جهة، وكيفية تفعيله السياسي والعسكري من جهة أخرى. فالمسألة، في جوهرها، ليست مسألة نصوص فقط، بل مسألة علاقة بين خطاب يُنتج الشرعية، وممارسة قد تنحرف عن الحدود التي يعلنها ذلك الخطاب. ومن ثم، فإنَّ اختبار القيمة التفسيرية الحقيقية لهذا المبدأ لا يتحقق عند مستوى بنائه النظري وحده، بل عند مستوى تطبيقه العملي في حالات الدراسة، حيث تظهر بوضوح حدود الاتساق أو التباعد بين مقتضيات الحماية الإنسانية وبين مسارات التنفيذ الفعلي على الأرض.

ثانياً: التدخل الدولي الإنساني في الحالة الليبية

حظيت الأزمة الليبية في عام 2011 باهتمام واسع من قبل الأدبيات السياسية والقانونية، إذ تمثلت في أنَّها أول وأبرز الحالات التي فُعِّل فيها التدخل الدولي العسكري تحت مظلة حماية المدنيين بعد إقرار مبدأ مسؤولية الحماية. ومع أول اختبار واقعي لمبدأ مسؤولية الحماية، انقسمت الأدبيات ذات الصلة إلى اتجاهين رئيسين. إذ تمثل الاتجاه الأول في الدراسات التي قاربت الأزمة الليبية من زاوية مؤسسية أممية، وركزت على آليات صنع القرار داخل الأمم المتحدة، وطبيعة التفاعلات التي أسهمت في دعم قرار التدخل أو عرقلته. وتبرز دراسة مارتن بيندر (Binder, 2016) في هذا الصدد مثالاً واضحاً على هذا الاتجاه، إذ انصرف إلى تحليل كيفية استجابة الأمم المتحدة للأزمة الليبية، انطلاقاً من تطورات عام 2011 وبالتركيز على شروط الدعم الدولي للتدخل وحدود فعالية المنظمة في إدارة الأزمة.

أما الاتجاه الثاني، فقد تناول التدخل الدولي في ليبيا من منظور قانوني ومعياري، مركزاً على مدى اتساق هذا التدخل مع قواعد الشرعية الدولية ومتطلبات مبدأ مسؤولية الحماية. وفي هذا السياق، تندرج دراسة آلان ج. كوبرمان (Kuperman, 2013)، التي ناقشت طبيعة المبررات التي استند إليها التدخل وحدود مشروعيتها، كما تبرز كذلك دراسة باتريك سي. آر. تيري (Terry, 2011) بوصفها من الدراسات المهمة التي انشغلت بفحص التدخل من زاوية قانونية، مع التركيز على مدى التزامه بالشروط التي يفرضها مبدأ مسؤولية الحماية في صيغته المعاصرة. ويكشف هذا الاتجاه عن اهتمام واضح بحدود التفويض الأممي، وبمسألة ما إذا كان استخدام القوة قد ظل منضبطاً بالإطار الذي أُجيز في ظله.

ومع ذلك، لم يقدّم أيٌّ من الاتجاهين تفسيراً مكتملًا للحالة الليبية. فالاتجاه المؤسسي، كما يظهر في دراسة بيندر، ينطلق أساساً من لحظة انفجار الأزمة عام 2011 وآليات التفاعل الأممي معها، من دون أنْ يمنح الخلفية الدولية الأوسع للأزمة ما تستحقه من عناية تحليلية. أما الاتجاه القانوني، كما يتجلى في أعمال كوبرمان وتيري، فإنّه ينشغل أساساً بالسؤال القانوني المباشر، من دون أنْ يتوسع بالقدر الكافي في تحليل أثر موازين القوى الغربية، ولا سيما الأوروبية، في تشكيل القرار الدولي وتوجيه مسار التدخل. ومن ثم، فإنَّ فهم التدخل الإنساني الدولي في الحالة الليبية لا يكتمل بالاكتفاء بتحليل آليات الأمم المتحدة، أو بقصر الدراسة على حدود المشروعية القانونية، بل يستدعي مقاربة أوسع تربط بين الخلفية الدولية للأزمة، والخطاب الإنساني الذي بُرِّر به التدخل، والبنية السياسية والاستراتيجية التي أسهمت في صياغة أهدافه ونتائجه على أرض الواقع.

  1. لمحة عامة عن الأزمة الليبية

على الرغم من أنَّ أغلب الدراسات ذات الصلة تُرجِع فهم الأزمة الليبية التي انفجرت عام 2011 إلى كونها نتيجة مباشرة للاحتجاجات التي رافقت موجة الربيع العربي، إلَّا أنَّ هذه الدراسة تنطلق من أنَّ تحليل هذه الأزمة يقتضي ردّها إلى سياق أوسع تشكّل عبر عقود من التوتر بين النظام الليبي والقوى الغربية من جهة، والتراكمات الداخلية السياسية والاقتصادية والأمنية من جهة أخرى. فالأزمات بوجه عام، لا تنشأ بوصفها أحداثاً طارئة أو معزولة، بل تمثل حصيلة تفاعل طويل بين اعتبارات دولية ضاغطة وبنية داخلية متأزمة. ومن ثم، فإنَّ لحظة الانفجار في فبراير/شباط 2011 لم تكن نقطة بداية مستقلة بقدر ما كانت تعبيراً عن مسار سابق وممتد.

وفي هذا السياق، يمكن ربط الأزمة الليبية بجملة من السياسات التي أثارت قلقاً متزايداً على المستوى الدولي منذ السنوات الأولى لحكم معمر القذافي، ولا سيما ما تعلق منها بسعي النظام إلى امتلاك قدرات تسليحية غير تقليدية، شملت الأسلحة الكيميائية والنووية. فعلى الرغم من توقيع ليبيا على معاهدات عدم انتشار الأسلحة النووية وتصديقها عليها، إلَّا أن معمر القذافي سعى في عامه الأول في السلطة، إلى الحصول على سلاح نووي مباشر من الصين (Jentleson & Whytock, 2005, p. 56). ومع رفض طلبه، حاول لاحقاً إقامة تواصل مع باكستان عام 1977، ومع الهند عام 1979 دون أنْ يحقق النتيجة المرجوة. وإزاء ذلك، اتجهت ليبيا إلى تطوير برنامج نووي محلي بالاعتماد على معدات وتقنيات رئيسة من الاتحاد السوفيتي، شمل بناء مفاعل أبحاث بقدرة عشرة ميغاواط في تاجوراء، واستيراد أكثر من ألفي طن من مركزات خام اليورانيوم، فضلاً عن العمل على تطوير قدرات ذات طابع بيولوجي (Almarashi, 2020, p. 30).

أفضت المخاوف من توجهات السياسة الخارجية الليبية إلى إدراج ليبيا تدريجياً ضمن دوائر الاستهداف والاحتواء في السياسة الغربية، ولا سيما الأمريكية. ففي عام 1973، فرضت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون Richard Nixon قيوداً على مبيعات الأسلحة إلى ليبيا، ثم تعزز هذا المسار بفرض عقوبات اقتصادية عليها بعد تصنيفها دولة راعية للإرهاب خلال إدارة جيمي كارتر Jimmy Carter. وبعد ذلك، شهدت مرحلة الثمانينيات مزيداً من التصعيد، إذ فرضت إدارة رونالد ريغان Ronald Reagan عام 1982، حظراً على واردات النفط الخام الليبي، قبل أنْ يتوسع هذا الحظر عام 1985 ليشمل المنتجات البترولية المكررة. ولم يقتصر الضغط الأمريكي على الأدوات الاقتصادية، بل امتد إلى استعراضات عسكرية متكررة في خليج سرت، انتهت إلى عمليات قصف واسعة استهدفت منشآت عسكرية ليبية. وبلغ هذا التصعيد ذروته في 15 أبريل/نيسان 1986، عندما شنت الولايات المتحدة غارات جوية على ليبيا بعد اتهام نظام القذافي بالمسؤولية عن تفجير ملهى لا بيل La Belle الليلي في برلين في 5 أبريل/نيسان من العام نفسه، وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم جنديان أمريكيان، وإصابة أكثر من مئتي شخص، من بينهم أكثر من سبعين أمريكياً (Jentleson & Whytock, 2005, pp. 57-58).

لا تكتسب هذه الغارات الأمريكية على ليبيا أهميتها من البعد العسكري المباشر وحسب، إذ تكشف دلالتها السياسية أيضاً عن انتقال العلاقة بين ليبيا والولايات المتحدة من مستوى الردع والضغط التدريجي إلى مستوى أكثر مباشرة في استهداف رأس النظام نفسه. فقد أُفيد بأنَّ القذافي أُصيب في هذه الغارات، كما ذُكر أن إحدى بناته قُتلت خلالها، وهو ما أضفى على الحدث طابعاً بالغ الحساسية في ذاكرة النظام الليبي. وعلى الرغم من أنَّ الهدف الأمريكي المعلن كان دفع طرابلس إلى تغيير سلوكها السياسي، إلَّا أن استهداف منزل القذافي كشف أنَّ منطق الاحتواء لم يعد منفصلاً تماماً عن منطق إضعاف النظام ذاته (Erlanger, 2001).

ومع الانتقال إلى أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، دخلت ليبيا مرحلة جديدة من العزلة الدولية، وهذه المرة في ظل اتهامها بالضلوع في عمليتي تفجير ذواتي صدى دولي واسع، هما تفجير الطائرة الأمريكية Pan Am Flight 103 فوق لوكربي في 21 ديسمبر/كانون الأول 1988، وتفجير طائرة الخطوط الجوية الفرنسية UTA Flight 772 فوق النيجر في 19 سبتمبر/أيلول 1989. وقد ترتب على ذلك أنَّه في عام 1991 وجهت هيئة محلفين كبرى في الولايات المتحدة اتهامات إلى الأمين خليفة فحيمة، المدير السابق للخطوط الجوية العربية الليبية في مالطا، وعبد الباسط علي المقرحي، وهو ضابط مخابرات ليبي رفيع المستوى. وفي هذا السياق، سعت الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، بدعم من فرنسا، إلى ممارسة ضغوط سياسية وقانونية على ليبيا في إطار اتهام المواطنين اليبيين بالتورط في هاتين العمليتين، وتحركت هذه الدول عبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لفرض عقوبات على ليبيا (Zoubir, 2002, p. 35).

وفي هذا الإطار، أصدر مجلس الأمن القرارين S/RES/731 و S/RES/748 في يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 1992، مطالباً ليبيا بتسليم المشتبه بهم، والتعاون مع فرق التحقيق في حادث الطائرتين، وتقديم تعويضات لأسر الضحايا، ووقف جميع أشكال الدعم للإرهاب (United Nations Security Council, 1992). ثم تعزز هذا المسار بصدور القرار S/RES/883 في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1993، الذي فرض عقوبات إضافية بسبب عدم امتثال ليبيا لقرارات مجلس الأمن، وشملت هذه العقوبات حظر السفر الجوي، وتقييد بيع قطع غيار صناعة النفط، وفرض حظر على توريد الأسلحة، وتجميد الأموال والموارد المالية الخاضعة لسيطرة الحكومة الليبية، فضلاً عن تقليص التمثيل الدبلوماسي (United Nations Security Council, 1993). وبذلك، انتقلت ليبيا من كونها محل قلق سياسي وأمني إلى كونها هدفاً لعقوبات دولية مؤسسية، وهو ما رسّخ اندراجها في بنية ممتدة من العزل الدولي.

وعلى الرغم من تصاعد الطابع المؤسسي للعقوبات الدولية المفروضة على ليبيا، إلَّا أنَّ هذا المسار لم يكن يعكس إجماعاً غربياً كاملاً. إذ  فشلت الولايات المتحدة في إقناع حلفائها الأوروبيين بتوسيع نطاق العقوبات ليشمل شراء النفط الليبي، وتمسك الأوروبيون، ولا سيما فرنسا وإيطاليا، باعتباراتهم الاقتصادية وباعتمادهم النسبي على النفط الليبي. وعلى الرغم ضوء محدودية فعالية العقوبات الدولية، نتيجة تباين المواقف الغربية وخضوعها لاعتبارات المصلحة، إلَّا أنَّ أثرها التراكمي مقترناً بانخفاض أسعار النفط، ترك انعكاسات عميقة على الداخل الليبي. فقد أدى ذلك إلى تراجع ملحوظ في الاستثمارات وقطاع النفط، كما ألحق ضرراً بالمكاسب الاجتماعية التي حققتها ليبيا في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والمساواة الاقتصادية (Zoubir, 2002, p. 35). ومع مرور الوقت، لم تعد آثار الضغوط الخارجية محصورة في المجال الاقتصادي، بل أخذت تتفاعل مع اختلالات البنية الداخلية نفسها، بما في ذلك تنامي السخط الشعبي، وصعود المعارضة الإسلامية، وتزايد النزعة الأمنية للنظام في تعامله مع خصومه. ومن ثم، فإنَّ التوتر الخارجي لم يبق منفصلاً عن الأزمة الداخلية، بل أسهم بصورة غير مباشرة في تعميق شروطها.

وفي هذا السياق الداخلي المتوتر، برزت مجزرة سجن أبو سليم عام 1996 بوصفها محطة مفصلية في تراكم الاحتقان الشعبي ضد النظام، إذ قُتل أكثر من 1200 سجين على خلفية احتجاجهم على أوضاعهم المعيشية داخل السجن. ولم يكن أثر هذه المجزرة مقتصراً على حجمها المأساوي فحسب، بل امتد إلى ما أحدثته من تحول عميق في الذاكرة السياسية والاجتماعية داخل ليبيا، إذ غدت رمزاً مركزياً لانتهاكات السلطة، ومصدراً دائماً لإعادة إنتاج المطالبة بالمحاسبة والعدالة. وفي هذا الإطار، تشكلت في بنغازي روابط غير رسمية لعائلات القتلى والمغيبين قسرياً، وكان من بين من تولّى تمثيلهم قانونياً محامي حقوق الإنسان فتحي تربل، الذي اضطلع بدور مهم في الدفاع عن عائلات ضحايا الاختفاء القسري المرتبطين بأحداث عام 1996 (Human Rights Watch, 2003). وبهذا المعنى، فإنَّ احتجاجات عام 2011 لم تكن منفصلة عن ذاكرة القمع السابقة بل استندت جزئياً إلى مظالم متراكمة ظلّت كامنة إلى أنْ وجدت لحظة الانفجار المناسبة.

وفي ظل هذا الإرث الداخلي المثقل بالمظالم، ومع اندلاع الثورات والاضطرابات في عدد من الدول العربية، ولا سيما في تونس ومصر، دخلت ليبيا بدورها مرحلة جديدة من التوتر السياسي. ففي 15 فبراير/شباط 2011، أثار اعتقال المحامي فتحي تربل احتجاجات شعبية أمام مقر الشرطة في بنغازي، وسرعان ما تحولت إلى مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن، قبل أنْ يمتد العنف إلى مناطق أخرى من البلاد (Terry, 2015, p. 164). لم يكن هذا الحدث سوى الشرارة المباشرة لتفجر وضع كانت شروطه التراكمية قد نضجت بالفعل. ولذلك، تصاعدت الاحتجاجات سريعاً، وخرج آلاف المتظاهرين إلى شوارع بنغازي خلال أيام قليلة مطالبين بإسقاط النظام. كما تشير منطمة هيومن رايتس ووتش ‘Human Rights Watch’ إلى أنَّ الدعوة إلى احتجاجات 17 فبراير/شباط، التي عُرفت بيوم الغضب، كانت قد جرى التمهيد لها مسبقاً من قبل مجموعات معارضة، حتى قبل حادثة اعتقال المحامي فتحي تربل، الأمر الذي يدل على أنَّ الحراك لم يكن وليد لحظة عفوية خالصة، بل كان أيضاً ثمرة استعدادات معارضة سابقة (Human Rights Watch, 2011).

وفي سياق هذا التصاعد السريع للاحتجاجات، اكتسب يوم 17 فبراير/شباط دلالة رمزية إضافية، إذ ارتبط بذكرى الاشتباكات التي وقعت في بنغازي عامي 2006 و2007 بين قوات الأمن الليبية ومتظاهرين هاجموا القنصلية الإيطالية احتجاجاً على الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية المسيئة للنبي محمد التي نُشرت في أوروبا (Amnesty International, 2011, p. 14). وقد أسهم هذا البعد الرمزي في تعبئة المتظاهرين ومنح الحراك بعداً تاريخياً يتجاوز لحظته الآنية. غير أنَّ هذا الزخم الاحتجاجي ما لبث أنْ انزلق إلى طور أكثر عنفاً، إذ يشير كوبرمان إلى أنَّ المتظاهرين قاموا في 20 فبراير/شباط، بطرد أنصار القذافي من الساحات، وإحراق مقر جهاز الأمن الداخلي، ومهاجمة قواعد الشرطة والجيش والاستيلاء على أسلحتها، بما أسهم في تسريع انتقال الأزمة من طور الاحتجاج المدني إلى طور الصدام المسلح (Kuperman, 2013, p.109). وعند هذه النقطة تحديداً، بدأت الأزمة الليبية تفقد طابعها المحلي المحدود وتتحول تدريجياً إلى نزاع مفتوح ذي أبعاد أمنية وسياسية وإنسانية متشابكة.

وقد تعزز هذا التحول مع الخطاب الذي ألقاه معمر القذافي في 22 فبراير/شباط 2011، والذي مثّل علامة فارقة في مسار الأزمة. ففي هذا الخطاب، ميّز القذافي بين من اعتبرهم شباباً تأثروا بما جرى في تونس ومصر، وبين من وصفهم بأنهم ”جرذان“ و ”إرهابيون“ يتلقون دعماً من جهات أجنبية ويسعون إلى جر البلاد إلى صراع مسلح. كما دعا أنصاره إلى التحرك لتطهير المناطق من خصومه، مستخدماً لغة تصعيدية حادة عكست انتقال السلطة من محاولة احتواء الاحتجاجات إلى تبني خطاب تعبوي مفتوح على الحسم العنيف (Al Jazeera, 2011). ومن ثم، فإنَّ هذا الخطاب لم يكن مجرد توصيف سياسي للأحداث، بل كان مؤشراً على أنَّ السلطة اختارت التعامل مع الحراك باعتباره تهديداً وجودياً يستدعي المواجهة الشاملة، وهو ما عجّل في نقل الأزمة إلى مرحلة جديدة أكثر قابلية للتدويل.

وعليه، فإنَّ الأزمة الليبية لم تنشأ من فراغ، ولم تكن مجرد نتيجة آنية لاحتجاجات فبراير/شباط 2011 وحسب، بل كانت حصيلة تفاعل طويل بين إرث من التوتر الدولي والعقوبات والاتهامات الأمنية من جهة، وتراكم داخلي من القمع والاحتقان الاجتماعي والسياسي من جهة أخرى. ومن هذا المنظور، فإنَّ سرعة تحول الاحتجاجات إلى أزمة وطنية مفتوحة، ثم إلى موضوع للتدويل والتدخل الدولي تحت مبررات إنسانية، لا يمكن فهمها إلا بوصفها نتيجة لمسار سابق تداخلت فيه الضغوط الخارجية مع هشاشة الداخل الليبي، وهو ما هيأ الأرضية لانتقال الأزمة من المجال المحلي إلى المجال الدولي في فترة زمنية وجيزة.

  1. كيف استجاب مجلس الأمن للأزمة الليبية؟

في اليوم الذي ألقى فيه معمر القذافي خطابه التصعيدي، بدأت الأزمة الليبية تفرض نفسها بصورة غير مسبوقة على الأجندتين الإقليمية والدولية، إذ تزايدت المؤشرات على تحولها من اضطراب داخلي إلى أزمة ذات أبعاد إنسانية وسياسية متسعة. وفي هذا السياق، عقد مجلس الأمن أولى مشاوراته لبحث تصاعد المخاوف من اتساع نطاق العنف الممارس ضد المدنيين في ليبيا. وقد عبّر أعضاء المجلس عن قلق بالغ إزاء التطورات الجارية، وأدانوا العنف واستخدام القوة ضد المدنيين، مؤكدين ضرورة مساءلة السلطات الليبية عن الهجمات المرتكبة، ومشددين في الوقت نفسه على وجوب احترام حقوق التجمع السلمي والتعبير، بما في ذلك حرية الصحافة (United Nations Security Council, 2011).

من خلال هذا التصريح يمكن استشفاف أنَّ موقف المجلس لم يقتصر على الإدانة السياسية للعنف، بل امتد إلى إبراز البعد الإنساني للأزمة منذ وقت مبكر. إذ دعا أعضاؤه أيضاً إلى تسهيل وصول المساعدات الإنسانية الدولية إلى الشعب الليبي، معربين عن قلقهم إزاء التقارير التي تحدثت عن نقص الإمدادات الطبية اللازمة لعلاج الجرحى، وحاثّين السلطات الليبية على ضمان المرور الآمن للمساعدات الطبية والعاملين في المجال الإنساني إلى داخل البلاد (United Nations Security Council, 2011). ويدل ذلك على أنَّ المقاربة الدولية للأزمة بدأت، منذ مراحلها الأولى تتأسس على تداخل منطق الإدانة السياسية مع منطق الحماية الإنسانية، وهو ما مهّد لاحقاً للانتقال إلى إجراءات دولية أكثر إلزاماً.

وقد تزامن هذا التحرك داخل مجلس الأمن مع مواقف إقليمية بدت، في خطوطها العامة منسجمة مع الاتجاه الدولي المتصاعد نحو إدانة سلوك النظام الليبي. ففي ذات اليوم قررت جامعة الدول العربية خلال اجتماع طارئ على مستوى المندوبين في القاهرة، مطالبة النظام الليبي بوقف الجرائم المرتكبة بحق الشعب الليبي، كما قررت تعليق مشاركة وفد الحكومة الليبية في اجتماعات مجلس الجامعة، فضلاً عن تعليق مشاركة الجماهيرية العربية الليبية في المنظمات التابعة لها إلى حين استجابة السلطات الليبية لمطالب وقف العنف وضمان أمن المجتمع الليبي واستقراره (البوابة، 2011). ثم جاء موقف مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في اليوم التالي ليعزز هذا الاتجاه، إذ أدان الاستخدام العشوائي والمفرط للقوة ضد المتظاهرين السلميين، واعتبره انتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وفي أوائل مارس/آذار، انضمت كل من دول مجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي إلى هذا المسار، من خلال إدانة الجرائم المرتكبة بحق المدنيين والدعوة إلى اتخاذ تدابير دولية لحمايتهم، بما في ذلك فرض منطقة حظر جوي فوق الأراضي الليبية (Walling, 2016, p. 218).

وفي موازاة هذا التصاعد في الضغوط الدولية والإقليمية، بدأت الأزمة الداخلية نفسها تشهد تحولات كان لها أثر كبير في إضعاف تماسك النظام الليبي. فقد بدأت الانشقاقات تضرب صفوفه مع إعلان وزير العدل الليبي السابق مصطفى عبد الجليل انشقاقه في 21 فبراير/شباط 2011، وهو ما اكتسب أهمية إضافية في ضوء تصريحاته المتعلقة بامتلاكه أدلة تدين القذافي شخصياً في قضية لوكربي. ثم تبع ذلك انشقاق عبد الفتاح يونس في 22 فبراير/شباط، وهو أحد أبرز الشخصيات الأمنية والعسكرية المرتبطة بالنظام. غير أنَّ الانشقاق الأشد دلالة تمثل في موقف عبد الرحمن شلقم، مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة، الذي أعلن في 26 فبراير/شباط 2011 انشقاقه، ودعا مجلس الأمن إلى اتخاذ قرار لحماية ليبيا من الجرائم المرتكبة بحق شعبها، بما في ذلك عبر التدخل الدولي المباشر (Sharrock, 2011). وقد أسهمت هذه الانشقاقات، ولا سيما على المستوى الدبلوماسي في تعزيز صورة النظام الليبي بوصفه نظاماً فاقداً للتماسك الداخلي والشرعية السياسية، وهي صورة كان لها أثر واضح في تسريع الاستجابة الدولية.

وفي ظل هذا التصعيد المتزامن داخلياً وخارجياً، لم تُظهر الأزمة الليبية مؤشرات على الانحسار، بل اتجهت نحو مزيد من التدويل. ولهذا، اعتمد مجلس الأمن، في 26 فبراير/شباط 2011 القرار S/RES/1970 الذي مثّل أول استجابة أممية ملزمة للأزمة. وقد نص القرار على فرض حظر على توريد الأسلحة إلى ليبيا، وفرض عقوبات محددة الأهداف شملت حظر السفر وتجميد الأصول على عدد من كبار المسؤولين في النظام الليبي، كما أحال الوضع في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية (United Nations Security Council, 2011). وتكمن أهمية هذا القرار في أنَّه عبّر عن انتقال مجلس الأمن من مرحلة الإدانة السياسية والتحذير إلى مرحلة استخدام أدوات قانونية وإجرائية ذات طابع إلزامي، بما يعكس إدراكاً متزايداً لخطورة الوضع.

وفي أعقاب صدور القرار S/RES/1970، اتسعت دائرة التفاعل الدولي مع الأزمة الليبية، وهو ما عكس انتقالها التدريجي من إطار المعالجة الدبلوماسية إلى البحث في أدوات تنفيذية أكثر فاعلية. ففي هذا السياق، عقد حلف شمال الأطلسي اجتماعاً في بروكسل على مستوى وزراء الدفاع لبحث تطورات الوضع في ليبيا. وخلال هذا الاجتماع، أكد الأمين العام للحلف، أندرس فوغ راسموسن (Anders Fogh Rasmussen) أهمية أنْ يعمل الناتو، بوصفه منظمة دفاعية وأمنية، في تنسيق وثيق مع المنظمات الدولية والإقليمية الأخرى من أجل الاستجابة للأزمة الإنسانية. كما خلص الاجتماع إلى ضرورة تعزيز الوجود البحري في المنطقة وتسريع الاستجابة للاحتياجات الإنسانية، بما يسهم في حماية المدنيين ودعم تنفيذ حظر الأسلحة الذي فرضه مجلس الأمن بموجب القرار S/RES/1970 (NATO, 2011). ويشير هذا التطور إلى أنَّ الأزمة الليبية بدأت تتحول تدريجياً من ملف يُدار أساساً داخل أروقة الأمم المتحدة إلى ملف يجري التحضير فيه أيضاً لخيارات تنفيذية وعسكرية أوسع.

وفي موازاة هذا التحول على المستوى الدولي، شهدت الساحة الليبية إعادة تشكّل في البنية السياسية للمعارضة، تمثلت في إنشاء المجلس الوطني الانتقالي بوصفه إطاراً سياسياً يمثل قوى مناهضة للنظام. وقد سارعت فرنسا إلى الاعتراف به في 10 مارس/آذار 2011، في خطوة كشفت عن انتقال بعض القوى الغربية من مرحلة الضغط على النظام إلى مرحلة الانفتاح على بديل سياسي محتمل. ثم تعزز هذا المسار في 12 مارس/آذار، عندما عقد مجلس جامعة الدول العربية اجتماعاً استثنائياً على المستوى الوزاري في القاهرة، أعاد فيه الوزراء التأكيد على مطالبتهم النظام الليبي بوقف الجرائم وسحب قواته من المدن والمناطق التي دخلها بالقوة. والأهم من ذلك أنَّ قرار الجامعة العربية رقم 7360 دعا مجلس الأمن إلى فرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا، وإنشاء مناطق آمنة لحماية المدنيين (Walling, 2016, p. 220). وقد شكّل هذا الموقف العربي نقطة تحول بالغة الأهمية لأنَّه وفر غطاءً إقليمياً مهماً لأي تحرك دولي لاحق، وأسهم في تقليص الاعتراضات المحتملة على تدخل أوسع تحت عنوان الحماية.

وفي ضوء هذا التراكم في الضغوط الدولية والإقليمية، اعتمد مجلس الأمن، في 17 مارس/آذار 2011، القرار رقم S/RES/1973 بأغلبية الأصوات، مع امتناع خمسة أعضاء عن التصويت، هم روسيا والصين والبرازيل وألمانيا والهند. وقد صدر القرار بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ونص على فرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا، وعلى اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية المدنيين والمناطق المأهولة المعرضة لخطر الهجوم، مع استبعاد نشر أي قوة احتلال أجنبية على أي جزء من الأراضي الليبية، وإعادة التأكيد على حظر الأسلحة المفروض بموجب القرار S/RES/1970. وبذلك، انتقلت استجابة مجلس الأمن من مرحلة العقوبات والضغوط السياسية إلى مرحلة الإذن باستخدام القوة تحت مظلة حماية المدنيين، وهو ما جعل الحالة الليبية تمثل أول اختبار عملي واسع النطاق لتفعيل مبدأ مسؤولية الحماية في إطاره المؤسسي الأممي.

  1. هل كانت حماية المدنيين الهدف الأول للتدخل في ليبيا؟

يرى بعض الباحثين أنَّ تفويض مجلس الأمن بالتدخل العسكري في ليبيا استند في الأساس، إلى اعتبارات إنسانية ارتبطت بتدهور الأوضاع الميدانية واتساع نطاق الخطر الذي بات يهدد المدنيين. فقد أشار تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعام 2011 إلى أنَّ عدد النازحين داخلياً تجاوز 550 ألف شخص، في حين غادر البلاد أكثر من 900 ألف من الليبيين ومواطني دول أخرى حفاظاً على سلامتهم، وهو ما عكس حجم الانهيار الأمني والإنساني الذي رافق تصاعد النزاع (UNHCR, 2011). كما أعرب تقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان في يونيو/حزيران 2011 عن قلقه إزاء تزايد حالات الاختفاء القسري في ليبيا، مشيراً إلى أنَّ مثل هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. وفي ضوء هذه المعطيات، بدا أنَّ اللجوء إلى إجراءات قسرية، من قبيل فرض منطقة حظر طيران، قد قُدِّم بوصفه استجابة ضرورية لمنع مزيد من التصعيد وحماية السكان المدنيين من أخطار وشيكة.

وفي هذا السياق، فإنَّ فرض منطقة حظر طيران لم يكن، من الناحية العملياتية إجراءً تقنياً محدود الأثر، بل كان يفترض تدمير منظومات الدفاع الجوي الليبية، بما في ذلك القواعد الجوية والمدارج وطائرات الهليكوبتر الهجومية. كما انطوى بحكم طبيعته العسكرية، على جعل القوات البرية التابعة للنظام عرضة للهجوم متى ما تقدمت نحو المدن أو استهدفت المناطق المأهولة، فضلاً عن استهداف القطع البحرية الليبية إذا استُخدمت في عمليات القصف. ولذلك، فإنَّ منطق الحماية، كما عُرض في هذا السياق، لم يكن منفصلاً عن استخدام واسع النطاق للقوة العسكرية، بل كان يستبطن منذ البداية إمكان الانتقال من حماية المدنيين إلى إضعاف القدرات القتالية للنظام نفسه (Binder, 2016, p.210).

غير أنَّ الاستناد إلى المبرر الإنساني لا يحسم وحده مسألة الغاية الفعلية للتدخل. فالتقديرات المتعلقة بحجم الخسائر البشرية خلال المراحل الأولى من الأزمة ظلت متفاوتة إلى حد بعيد. إذ قدّرت الأمم المتحدة عدد القتلى بنحو ألف شخص، في حين رفعت منظمة الصحة العالمية العدد إلى نحو ألفي قتيل، بينما أشارت المحكمة الجنائية الدولية إلى رقم يناهز عشرة آلاف. ومع ذلك، فإنَّ هذه التقديرات، ولا سيما منذ أوائل مارس/آذار 2011، أصبحت أكثر ندرة وأقل دقة، وهو ما أضعف من إمكان بناء تقدير حاسم ومتفق عليه لحجم الكارثة الإنسانية في لحظة اتخاذ قرار التدخل (UNHCR, 2011). ومن ثم، فإنَّ الحجة الإنسانية، وإنْ بدت قوية في مستوى الخطاب السياسي والأخلاقي، ظلت في مستوى التقدير الواقعي محاطة بدرجة من عدم اليقين.

ويزداد هذا الإشكال وضوحاً إذا ما أُخذ في الاعتبار أنَّ القرار S/RES/1973 لم يربط حماية المدنيين بتهديد صادر عن طرف واحد حصراً، بل إنَّ مقتضى الحماية، من حيث الأصل، يفترض شمول جميع المدنيين الليبيين، سواء كانوا معرضين لخطر الهجوم من جانب قوات النظام أو من جانب القوات المعارضة. ومن هنا، فإنَّ اختزال التهديد الإنساني في بقاء نظام القذافي وحده، من دون النظر إلى الطبيعة المركبة للنزاع المسلح وما قد يرافقه من مخاطر صادرة عن أطراف متعددة، ينطوي على تبسيط لا ينسجم تماماً مع النص الأممي نفسه ولا مع منطق الحماية المفترض فيه (Terry, 2015, p. 167).

ومن هذه الزاوية تحديداً، بدأت تبرز مؤشرات توحي بأنَّ الممارسات العملية للتدخل في ليبا لم تعد محكومة باعتبارات الحماية الإنسانية وحدها. فقد ظهر انحياز دول حلف شمال الأطلسي إلى جانب قوى المعارضة بصورة مبكرة، وهو ما تجلّى بوضوح في الإعلان البريطاني الصادر في 4 مارس/آذار 2011 بشأن نشر خبراء عسكريين لتقديم المشورة المتعلقة بالمعلومات العسكرية والاستخباراتية السرية إلى الثوار في شرق ليبيا. وقد وصفت الصحافة هذا الإجراء بأنَّه تدخل واضح على الأرض لدعم الانتفاضة ضد القذافي (Wintour, 2017). وتكشف هذه الخطوة أنَّ بعض القوى المتدخلة لم تنتظر مباشرةً لحظة تنفيذ القرار S/RES/1973 كي تنخرط في التأثير في ميزان الصراع، بل بدأت مبكراً في اتخاذ إجراءات ترجح كفة أحد أطراف النزاع، الأمر الذي يثير تساؤلاً جدياً حول ما إذا كانت حماية المدنيين قد ظلت بالفعل الهدف الأول والحصري للتدخل، أم أنَّها شكّلت مدخلاً لغاية أوسع اتصلت بإضعاف النظام والمساهمة في إسقاطه منذ بداياته المبكرة.

وعليه، فإنَّ الجدل حول التدخل في ليبيا لا يدور حول إنكار وجود بُعد إنساني حقيقي للأزمة، بل حول تحديد موقع هذا البعد في سلم أولويات القوى المتدخلة. فبينما يصعب تجاهل حجم المعاناة الإنسانية التي رافقت تصاعد النزاع، يصعب أيضاً تجاهل أنَّ بعض الممارسات المبكرة للقوى الغربية قد كشفت عن انزياح متدرج من منطق حماية المدنيين إلى منطق التأثير المباشر في مجريات الصراع الداخلي. ومن ثم، فإنَّ السؤال لا يتمثل في ما إذا كانت الحماية الإنسانية قد حضرت ضمن مبررات التدخل، بل في ما إذا كانت قد بقيت الغاية العليا الحاكمة له، أم أنها اندمجت سريعاً ضمن أهداف سياسية وعسكرية أوسع تجاوزت حدود التفويض الإنساني المعلن.

  1. ما هو الأثر الرئيسي لمسؤولية الحماية في ليبيا؟

بعد وقت قصير من اعتماد مجلس الأمن القرار S/RES/1970، بدأت فرنسا، إلى جانب دول أخرى، بتقديم دعم عسكري للثوار الذين كانوا يقاتلون قوات القذافي. ومن الناحية القانونية، بررت فرنسا تصرفاتها بالاستناد إلى ما أورده القرار من إجازة اتخاذ ”جميع التدابير اللازمة“ لحماية المدنيين والمناطق المأهولة بالسكان. وانطلاقاً من هذا التفسير، عُدّ تسليح الثوار، ولو بأسلحة خفيفة، إجراءً مشروعاً في نظر بعض الدول المتدخلة، على أساس أنه يندرج ضمن منع تعرّض المدنيين لمجازر محتملة (BBC News, 2011).

ومع ذلك، أظهرت المعطيات اللاحقة أنَّ طبيعة هذا الدعم لم تكن محصورة في حدود التسليح الخفيف. فقد ذكرت صحيفة لو فيغارو (Le Figaro) الفرنسية أنَّ الأسلحة التي نُقلت إلى قوات المعارضة لم تقتصر على البنادق، بل شملت أيضاً قاذفات صواريخ وصواريخ مضادة للدبابات. كما أشارت إلى الاطلاع على خريطة دفاعية سرية تُظهر وجود مهبطين مؤقتين للطائرات في بلدات خاضعة لسيطرة المعارضة، أُنشئا خصيصاً لهبوط طائرات صغيرة قادمة من دول خليجية لنقل الأسلحة إلى مواقع الثوار (Nougayrède, 2011). وتكشف هذه الوقائع أنَّ التدخل منذ مراحله المبكرة تجاوز مجرد تعطيل قدرة النظام على مهاجمة المدنيين، وأتجه نحو تعزيز القدرات القتالية لأحد أطراف النزاع الداخلي.

ومن جهة أخرى، سعى حلف شمال الأطلسي إلى إبراز البعد الإنساني لعملياته، مؤكداً أنَّ تدخله ساهم في الحد من الأضرار الجانبية المباشرة وغير المباشرة التي قد تلحق بالبنية التحتية، وفي تيسير الاستجابة الإنسانية لمنع وقوع أزمة واسعة النطاق، فضلاً عن دعم رعاية جرحى الحرب من خلال الحفاظ على التواصل مع منظمات إنسانية، من قبيل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة أطباء بلا حدود. وفي الإطار نفسه، أمر الأمين العام للناتو بتشكيل فريق للتفاعل المدني العسكري، يضم أفراداً مدربين خصيصاً للتعامل مع المنظمات الإنسانية، على أنْ يتولى هذا الفريق استقبال الطلبات الواردة منها والعمل على معالجتها (Harvard, 2013, pp. 21-22).

كما عزز الاتحاد الأوروبي هذا المنحى الإنساني المعلن. فقد صرّحت كريستالينا جورجيفا ‘Kristalina Georgieva، مفوضة التعاون الدولي والمساعدات الإنسانية والاستجابة للأزمات في المفوضية الأوروبية، في 24 أغسطس/آب 2011، بأنَّ أوروبا قامت بتخزين مساعدات إنسانية في مناطق يسهل الوصول إليها داخل ليبيا، ونسّقت جهودها مع شركائها الإنسانيين، مؤكدة استعدادها لمواصلة تقديم المساعدة بكفاءة ودون تمييز لجميع الليبيين المحتاجين إليها. كما أشارت إلى أنَّ المفوضية الأوروبية قدمت ما يقارب 60 مليون يورو كمساعدات إنسانية لليبيا، وسهّلت خلال المدة من مارس/آذار إلى مايو/أيار 2011 إعادة أكثر من 31,700 شخص من الدول المجاورة لليبيا (European Commission, 2011). ويبيّن ذلك أنَّ التدخل لم يكن خالياً من أبعاد إنسانية فعلية، سواء في مستوى الخطاب أو في مستوى بعض الإجراءات التنفيذية المصاحبة له.

ومع ذلك، فإنَّ الأثر الرئيسي للتدخل لا يمكن استخلاصه من هذه الجوانب الإنسانية المعلنة وحدها، بل من خلال تحليل طبيعة التنفيذ العسكري للقرار 1973 ومساره الفعلي. ففي الفترة من 19 إلى 20 مارس/آذار 2011، بدأت عملية عسكرية بقيادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، استهدفت في ظاهرها فرض منطقة حظر طيران، لكنها سرعان ما توسعت لتشمل ضربات ضد قوات القذافي في مناطق مختلفة من البلاد. وبحلول نهاية مارس/آذار، كانت أكثر من أربع عشرة دولة من دول الناتو تشارك عسكرياً في المهمة، إلى جانب دول غير أعضاء، مثل السويد وقطر والإمارات العربية المتحدة. وفي 31 مارس/آذار، تولى الناتو القيادة الكاملة لجميع العمليات العسكرية الرامية إلى تنفيذ القرار 1973 (Terry, 2015, pp. 165-166). ومنذ هذه اللحظة، أخذت العمليات العسكرية تتجاوز منطق الردع المحدود إلى نمط أكثر شمولاً في استهداف البنية العسكرية للنظام.

وقد تجسد هذا التوسع بصورة أوضح في سلسلة الإجراءات اللاحقة. ففي أواخر مارس/آذار 2011 قُصفت مدينة سرت، التي كانت تعد معقلاً رئيساً للقذافي. وبحلول 6 أبريل/نيسان، كان مسؤولون عسكريون واستخباراتيون بريطانيون موجودين في بنغازي لمساعدة الثوار في إنشاء هيكل قيادة ووزارة دفاع (BBC News, 2012). وفي منتصف أبريل/نيسان، كانت قطر ترسل صواريخ فرنسية مضادة للدبابات إلى الثوار في شرق ليبيا (Black, 2011). كما قامت قوات خاصة بريطانية وفرنسية وغيرها بتدريب الثوار وتزويدهم بالمعلومات الاستخباراتية (Serafimov, 2012). ويشير هذا النمط من السلوك إلى أنَّ التدخل لم يعد مقتصراً على حماية المدنيين من هجمات مباشرة، بل اتجه نحو بناء قدرة عسكرية وسياسية لقوات المعارضة بما يعزز قدرتها على حسم الصراع.

ويزداد هذا الانطباع قوة عند النظر إلى نوعية الأهداف التي تعرضت للقصف. فقد قُصفت محطة تلفزيونية ليبية في 7 يونيو/حزيران، وثلاثة أجهزة إرسال تلفزيوني في 30 يوليو/تموز (Al Arabiya, 2011). وفي 22 يوليو/تموز استهدفت قوات الناتو مصنع أنابيب البريقة، الذي كان يزود شبكة المياه المرتبطة بمشروع النهر الصناعي العظيم (Ahmed, 2015). كما استهدفت الضربات الجوية في 21 أبريل/نيسان مركز قيادة وسيطرة معروفاً للقذافي في طرابلس، وفي 25 أبريل/نيسان منشأة عسكرية كان يستخدمها، ثم في 30 أبريل/نيسان مبنى في طرابلس أسفر قصفه عن مقتل أحد أبنائه وثلاثة من أحفاده (Denyer & Fadel, 2011). ومن الصعب، في ضوء هذه الأمثلة، ربط جميع هذه العمليات ربطاً مباشراً وحصرياً بحماية المدنيين أو بالمناطق المأهولة المعرضة لخطر هجوم وشيك.

وفي مطلع الشهر التالي، بدأت فرنسا بإسقاط أسلحة جواً لقوات المعارضة في غرب ليبيا، وهي قوات كانت تتلقى كذلك تدريباً من خبراء من المملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا، وهو ما اعترفت به هذه الدول لاحقاً أمام لجنة تابعة للأمم المتحدة (BBC News, 2012 & Nakhoul, 2011). وبهذا، أصبح التدخل عملياً دعماً مباشراً ومستمراً لأحد أطراف النزاع، لا مجرد عملية ردع جوية محايدة تهدف إلى حماية السكان من الأخطار المباشرة.

وبعد سبعة أشهر من تدخل الناتو، تمكنت قوات الثوار من السيطرة على البلاد، وانتهى الأمر بمقتل معمر القذافي في أكتوبر/تشرين الأول 2011. وعقب ذلك، سارعت وسائل إعلام وسياسيون غربيون إلى الإشادة بالتدخل، واعتباره نجاحاً إنسانياً حال دون وقوع حمام دم في بنغازي، كما أسهم في استبدال نظام القذافي بمجلس انتقالي ملتزم بالديمقراطية (Hehir & Murray, 2013, p. 191). غير أنَّ هذا التوصيف نفسه يكشف، بصورة غير مباشرة أنَّ تقييم نجاح التدخل لم يعد مقتصراً على معيار حماية المدنيين، بل ارتبط أيضاً بنتيجته السياسية المتمثلة في إسقاط النظام وتغيير البنية الحاكمة.

وعلى هذا الأساس، لا يبدو أنَّ الأثر الرئيسي للتدخل الإنساني في ليبيا اقتصر على منع هجمات محتملة ضد المدنيين، بل تمثل بدرجة كبيرة في إعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي على نحو انتهى إلى إسقاط نظام القذافي. فالتباين بين الأهداف الإنسانية المعلنة والإجراءات العسكرية والسياسية التي اتخذتها دول الناتو وحلفاؤها، بما في ذلك تسليح المعارضة، وتقديم الغطاء الجوي لها، واستهداف مواقع لا يظهر ارتباطها المباشر بحماية المدنيين، يكشف أنَّ التدخل انزاح عملياً من منطق الحماية إلى منطق الحسم. ومن ثم، فإنَّ الحالة الليبية توضح أنَّ التدخل الذي شُرعن باسم حماية السكان لم يفضِ فقط إلى وقف تهديدات قائمة، بل أسهم كذلك في إنتاج نتيجة سياسية وعسكرية أوسع، الأمر الذي يجعل أثره الرئيسي أقرب إلى تغيير النظام منه إلى الاكتفاء بحماية المدنيين في معناها الضيق.

أما إذا رُبط هذا المسار بالخلفية التاريخية للأزمة الليبية، وبالتوتر المتراكم بين النظام الليبي والقوى الغربية منذ عقود، فإنَّ التدخل يظهر بوصفه نتيجة لتقاطع الدافع الإنساني مع اعتبارات استراتيجية وسياسية أوسع، لا بوصفه استجابة إنسانية خالصة أو معزولة عن سياقها الدولي. وبذلك، فإنَّ الأثر الفعلي للتدخل لا يكمن فقط في ما أعلنه من حماية، بل فيما أفضى إليه من إعادة تشكيل جذري للسلطة والصراع داخل ليبيا.

الخلاصة

في ضوء ما تقدّم، يتبين أنَّ الحالة الليبية كشفت بوضوح أنَّ الإشكال الرئيس في مبدأ مسؤولية الحماية لا يكمن في بنيته المعيارية المجرّدة، بل في الكيفية التي يُفعَّل بها عملياً عندما ينتقل من مستوى التفويض الأممي إلى مستوى التنفيذ العسكري والسياسي على الأرض. فمن حيث الأصل، حدَّد مجلس الأمن من خلال القرارين S/RES/1970 و S/RES/1973 إطاراً قانونياً يقوم على حماية المدنيين، وفرض حظر السلاح، واتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع تعرّض السكان والمناطق المأهولة لهجمات تهدد حياتهم، مع استبعاد الاحتلال الأجنبي. وهذا يعني أنَّ حدود التفويض الأممي كانت في ظاهرها محكومة بمنطق الحماية الإنسانية لا بمنطق إعادة تشكيل النظام السياسي أو حسم الصراع الداخلي لصالح طرف بعينه.

ومع ذلك، يكشف تتبّع المسار العملي للتدخل نتيجة مغايرة جزئياً لهذا الإطار المعلن، إذ لم يبق التدخل منحصراً في صدّ الهجمات المباشرة على المدنيين أو في فرض منطقة حظر جوي بالمعنى الضيق، بل اتجه تدريجياً إلى إضعاف البنية العسكرية للنظام الليبي، وتعزيز القدرات القتالية والسياسية للمعارضة، عبر التسليح، والتدريب، وتقديم المشورة الاستخباراتية، والغطاء الجوي، واستهداف مواقع لا يظهر أنَّ ارتباطها بحماية المدنيين كان دائماً مباشراً وحاسماً. ومن ثم، فإنَّ التنفيذ العملي لم يظل منسجماً على نحو كامل مع حدود التفويض الأممي، بل عرف انزياحاً واضحاً من منطق الحماية إلى منطق التأثير في توازن الصراع ثم الإسهام في حسمه.

ومن هنا، تكشف الدراسة أنَّ العلاقة بين الخطاب الإنساني المعلن والنتائج الفعلية للتدخل كانت علاقة مركبة لا يمكن اختزالها في الإنكار أو التسليم المطلق. فالأزمة الليبية كانت تنطوي بالفعل على معطيات إنسانية خطيرة، ورافق التدخل بعض الأبعاد الإنسانية الواقعية، سواء من حيث تسهيل بعض عمليات الإغاثة أو التواصل مع المنظمات الإنسانية أو تقديم المساعدات. لكن هذه الحقيقة لا تنفي أنَّ الخطاب الإنساني نفسه تحوّل، في سياق التطبيق، إلى غطاء شرعي لعملية أوسع انتهت إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي، ثم إلى إسقاط النظام. وبذلك، لم تعد حماية المدنيين هي المعيار الوحيد الذي يُقاس به التدخل، بل غدت النتيجة السياسية والعسكرية جزءاً مركزياً من تقييمه وشرعنته.

وعليه، فإنَّ الإجابة على السؤال الرئيس للمقال تفضي إلى أنَّ تطبيق مبدأ مسؤولية الحماية في الحالة الليبية التزم جزئياً بحدود حماية المدنيين في بدايته الخطابية والقانونية، لكنه لم يبقَ محصوراً فيها عند مستوى الممارسة الفعلية. فقد أظهرت الحالة الليبية أنَّ المبدأ، وعلى الرغم من تأسيسه الأخلاقي والقانوني الهادف إلى حماية الإنسان، إلَّا أنَّه ظَلَّ قابلاً للتوظيف في اتجاهات تتجاوز الغاية الإنسانية التي شُرِّع من أجلها. وبهذا المعنى، تؤكد الحالة الليبية صحة فرضية الدراسة. فالفجوة بين التفويض الأممي كما صيغ قانونياً، وبين التنفيذ كما جرى عملياً، لم تكن فجوة هامشية، بل كانت فجوة مؤثرة أعادت تعريف مضمون التدخل نفسه. وما تكشفه هذه الحالة ليس فشل المبدأ بوصفه بناءً معيارياً فحسب، بل محدودية قدرته على ضمان انضباط الممارسة الدولية بحدوده الأصلية متى ما دخل في فضاء الصراع الجيوسياسي. لذلك، فإنَّ القيمة التفسيرية للحالة الليبية تتمثل في أنها أبرزت أنَّ مسؤولية الحماية قد تتحول من إطار لحماية الإنسان إلى أداة تمنح شرعية أخلاقية وقانونية لتدخلات تتجاوز مقتضيات الحماية، وهو ما يفرض إعادة التفكير في العلاقة بين النص الدولي، والخطاب الإنساني، والوظيفة السياسية لاستخدام القوة في النظام الدولي المعاصر.

الشكر والتقدير

يتقدم المؤلف بخالص الشكر والتقدير لكل من أسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنجاز هذه الدراسة، سواء من خلال الملاحظات العلمية أو التوجيهات المنهجية أو توفير المراجع والمصادر ذات الصلة بموضوع مسؤولية الحماية والتدخل الدولي الإنساني في الحالة الليبية. كما يثمن المؤلف جهود الباحثين والمؤسسات العلمية التي أتاحت الوثائق والدراسات التي اعتمدت عليها هذه المقالة في تحليل قراري مجلس الأمن S/RES/1970 وS/RES/1973 وتطبيقاتهما في الحالة الليبية.

الموافَقَة الأخلاقية

لا تنطبق متطلبات الموافقة الأخلاقية على هذه الدراسة، لأنها لا تتضمن تجارب ميدانية أو مقابلات أو استبيانات أو مشاركة مباشرة لأفراد من البشر أو الحيوانات. وقد اعتمدت الدراسة على تحليل وثائقي وقانوني وسياسي لمصادر منشورة ومتاحة، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن والأدبيات الأكاديمية ذات الصلة.

مُساهمات المُؤَلِّف

أُنجزت هذه الدراسة من طرف مؤلف واحد هو فيصل براء المرعشي. وقد تولى المؤلف جميع مراحل إعداد البحث، بما في ذلك اختيار الموضوع، وبناء الإشكالية والفرضية، وجمع المادة العلمية، وتحليل الوثائق والقرارات الأممية، وصياغة الإطار النظري والمنهجي، وكتابة المسودة الأولى، ومراجعة النص النهائي.

بيان الإفصاح

يُصرّح المؤلف بعدم وجود أي تضارب مصالح مالي أو أكاديمي أو شخصي يمكن أن يؤثر في مضمون هذه الدراسة أو نتائجها أو طريقة عرضها. كما يؤكد أن الآراء الواردة في المقالة تعبّر عن التحليل العلمي للمؤلف ولا تمثل بالضرورة موقف أي مؤسسة ينتمي إليها.

التمويل

لم تتلقَّ هذه الدراسة أي تمويل مالي مباشر أو غير مباشر من أي جهة عامة أو خاصة أو مؤسسة بحثية أو مانحة. وقد أُنجز البحث بجهد ذاتي من المؤلف.

نبذة عن المؤلف

فيصل براء المرعشي باحث في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة سكاريا الحكومية في تركيا. تتركز اهتماماته البحثية حول قضايا مسؤولية الحماية، والتدخل الدولي الإنساني، والقانون الدولي العام، والسياسة الدولية، ودراسات النزاعات والأزمات، مع اهتمام خاص بتحليل علاقة الخطاب الإنساني بالتوظيف السياسي للتدخل الدولي.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M