- أظهرت أزمة التصعيد الأخيرة في المنطقة أن معيار القوة في النظام الدولي أخذ يتحول من “الردع والتأثير” إلى الحفاظ على “الاستمرارية التشغيلية تحت الضغط”.
- أوضح النموذج الإماراتي بجلاء أن الانكشاف الاقتصادي، إذا أُدير ضمن بنية مؤسسية مرنة، يمكن أن يتحول من مصدر للهشاشة إلى أداة امتصاص للصدمات الجيوسياسية.
- بالاعتماد على مرونتها الاستراتيجية وبنيتها المضادة للهشاشة، نجحت الإمارات في احتواء تداعيات التصعيد الناتج عن حرب إيران، ومنْع تحوله إلى تعطّل بنيوي في التجارة أو النقل أو الثقة السوقيَّة.
- لا تقتصر أهمية الاستمرارية الاقتصادية على تحصين الأداء الداخلي للدول ذات الاقتصادات النشطة في البيئات الجيوسياسية المتقلبة، بل تتجاوز ذلك لتتحول إلى نفوذ سياسي وموقع تفاوضي مُتقدِّم.
يميل التحليل السريع في أعقاب الأزمات إلى البحث عن إجابات لأسئلة حاسمة: مَنْ ربح، ومَنْ خسر؟ ومَنْ صمد، ومَنْ تراجع؟ وقد أعاد وقف إطلاق النار المرتبط بإيران إنتاج هذا النمط من التساؤلات، حيث سارع بعض المراقبين إلى تصنيف المشهد ضمن ثنائيات تختزل التعقيد في خلاصات فورية. غير أن هذا الإطار يُخطئ في تحديد موضوع القياس؛ ففي البيئات الجيوسياسية شديدة التقلُّب، لا يكون معيار تقييم الدول قدرتها على تفادي الصدمات، وهي في الغالب خارج نطاق تحكُّمها، بل بقدرتها على الاستمرار في ظلّها؛ أي صون استمرارية وظائفها الأساسية، الاقتصادية والمؤسسية، تحت ضغط مباشر دون أن تتآكل قدرتها على الأداء أو تنزلق إلى تعطُّل بنيوي.
بهذا المعنى، لا تكمن أهمية الأزمة الأخيرة في مستوى التوتر الذي بلغته، بل في نوع الاختبار الذي فرضته؛ اختبار استمرارية الأداء تحت شروط عدم يقين مرتفع. وعلى هذا المقياس، تُقدِّم حالة الإمارات نموذجاً لافتاً، ليس لأنها بقيت بمنأى عن الاضطراب، بل لأنها احتوته ضمن حدود قابلة للإدارة، ومنعت انتقاله من احتكاك طبيعي في نظام مفتوح إلى اختلال وظيفي واسع. فالاختبار، إذاً، لم يكن في تفادي الصدمة، بل في إبقائها ضمن نطاق لا يُعطِّل النظام.
الانكشاف بوصفه رافعةً للمرونة
لطالما ارتبط النموذج الاقتصادي الإماراتي بدرجة عالية من الانكشاف المنظّم على الاقتصاد العالمي. فالدولة تعمل بوصفها عقدةً محوريةً في شبكات التجارة والمال، تعتمد على انسيابية حركة السلع والخدمات واستقرار سلاسل الإمداد وثقة الأسواق. ومن الناحية النظرية، فإن هذا الانكشاف يضُاعِف احتمالية التعرُّض للصدمات. إلا أن ما تكشفه الأزمة الراهنة هو مفارقةٌ أكثر تركيباً، فالانكشاف حين يُدار ضمن بنية مؤسسية متعددة المستويات، يمكن أن يتحول من مصدر هشاشة إلى رافعة للمرونة، أي أن التعرُّض للصدمات ذاته يصبح أداة امتصاص، بدلاً من أن يكون مجرد قناة لانتقالها.
في خلال التصعيد، ظهرت مؤشرات ضغط واضحة: ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتزايُد المخاطر المرتبطة بمسارات الخليج بنسبة تقديرية تراوحت بين 20–35%، وقفزت أقساط التأمين على السفن العابرة لمناطق التوتر، فيما زادت مدة بعض الرحلات البحرية عبر مسارات بديلة بنحو 4 إلى 7 أيام. ومع ذلك، لم تتطور هذه الضغوط إلى تعطّل بنيوي. فقد أعادت شركات الشحن توجيه جزء من الحاويات القادمة من شرق آسيا عبر مسارات أطول تمر بالمحيط الهندي وبحر العرب، مع الحفاظ على تدفقات مستمرة دون تراكم حاد في الموانئ. وبالتوازي، أعادت شركات الطيران الإماراتية رسم ممرات جوية فوق الخليج بشكل ديناميكي، مُتجنبةً نقاط الاحتكاك، مع الحفاظ على على أكثر من 90% من جداول الربط العابرة للقارات ، ودون موجة إلغاءات واسعة أو فقدان للموثوقية التشغيلية.
بعبارة أدق، حدث احتكاك محسوب لكن لم يحدث اختلال. ومرةً أخرى، لم يكن التحدي في منع الصدمة، بل في منعها من التحول إلى تعطيل.
بُنية مضادة للهشاشة
لفهم هذا الأداء، لا بد من العودة إلى تصميم النموذج ذاته. فعلى مدى عقود، لم تُبنَ البنية التحتية في الإمارات على افتراض الاستقرار، بل على افتراض العكس. فتعدُّد الموانئ، وتنويع المسارات اللوجستية، والاستثمار في الربط الجوي، وتطوير مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار بسرعة؛ كلُّها عناصر تشكّل ما يمكن تسميته “بنية مضادة للهشاشة الجزئية”. هذه البنية لا تمنع الصدمات، لكنها تقلّص قدرتها على التركز في نقاط اختناق، وتتيح إعادة توزيع الضغط عبر النظام بدل تراكمه في عُقّدٍ حرجة.
ويعكس هذا التصميم مفاضلةً واعية؛ قدرٌ أقل من الكفاءة القصوى في الظروف المثالية مقابل قدرة أعلى على تجنُّب الانهيار في الظروف المضطربة. أي أن الهدف ليس تعظيم الأداء في الحالة المستقرة، بل تقليص الخسارة في الحالة غير المستقرة، وهو تعريف عملي للاستمرارية بوصفها استراتيجية، لا نتيجة عرضية.
مع ذلك، لهذا النموذج حدود واضحة. فالصدمات الجيوسياسية غير خطيَّة بطبيعتها، ويمكن أن تتصاعد بسرعة تتجاوز التوقعات، كما أنها خارجية المصدر إلى حد كبير. وهذا يعني أن المرونة الداخلية، مهما بلغت، تظل مشروطة بسلامة البيئة الأوسع.
الاستمرارية باعتبارها أداة نفوذ
في سيناريو تصعيدي أكثر حدة، لا يكون الخطر في حدث واحد كبير، بل في تكرار الصدمات وتراكمها تحت مستوى الانفجار. إنّ إغلاقاً متقطعاً وغير قابلٍ للتنبؤ للممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، من شأنه أن يدفع شركات الشحن إلى إعادة احتساب المخاطر بشكل مستمر، لا استثنائي. ومع كل تكرار، ترتفع أقساط التأمين، وتتسع هوامش عدم اليقين، وتُعاد هيكلة الشبكات اللوجستية وفق منطق دفاعي على حساب الكفاءة التشغيلية.
بالتوازي، يؤدي استهداف محدود لكنه ممتد للبنية التحتية المرتبطة بالطاقة أو النقل إلى خلق حالة “إجهاد مزمن” للنظام، حيث لا يحدث الانقطاع الكامل، لكن تتآكل القدرة التشغيلية تدريجياً. في هذه البيئة، يتحول الضغط من صدمة قابلة للاحتواء إلى مسار تراكمي، حيث تتحول تأخيرات صغيرة إلى اختناقات، والاختناقات المحدودة تؤدي إلى إعادة تموضع استراتيجي للتجارة، ومعها تبدأ التدفقات المالية الأكثر تحفظًا في إعادة تقييم مدى تعرُّضها للمخاطر في المنطقة.
هنا يتغير السؤال جذرياً، مِن “كيف نُدير التدفق؟” إلى “هل يمكن الحفاظ عليه أصلًا؟”. وعند هذه النقطة تبلغ الاستمرارية حدودها البنيوية، لأنها تُصبح رهينة ليس فقط بالكفاءة الداخلية، بل بمرونة الشركاء، وسلوك القوى الكبرى، وقدرة النظام التجاري العالمي على امتصاص صدمات متكررة لا صدمة واحدة.
هذه المفارقة تكتسب بُعداً سياسياً مباشراً، فالدول القادرة على الحفاظ على تدفق التجارة والمال تحت الضغط لا تحمي اقتصاداتها فقط، بل تعيد تشكيل موقعها التفاوضي. الاستمرارية هنا تتحول إلى أداة نفوذ؛ فهي تخلق قدرة على طمأنة الأسواق، وجذب التدفقات، وفرض نفسها بصفتها عُقدةً لا يمكن تجاوزها في شبكات الاقتصاد العالمي. بعبارة أخرى، مَنْ يستطيع الاستمرار عندما يتوقف الآخرون، يكتسب القدرة على التأثير في قواعد اللعبة نفسها.
النموذج الإماراتي للمرونة الاستراتيجية
في هذا السياق، لا تبدو الاستراتيجية الإماراتية محاولة لحل التوتر البنيوي، بل لإدارته. فالخيار ليس بين الانكشاف والانكفاء، بل بين إدارة الانكشاف أو الخضوع له. وهذا يضع الإمارات ضمن فئة محدودة من الدول التي تتعامل مع الاستمرارية بوصفها استراتيجية طويلة الأمد، لا استجابة ظرفية.
وهذا النهج ليس وليد اللحظة؛ فبعد الأزمة المالية العالمية في نهاية العقد الأول من هذا القرن، اختارت الإمارات تعميق اندماجها بدل تقليصه. وبعد جائحة كوفيد-19، سرَّعت الإمارات انفتاحها عبر سياسات جذب الاستثمار وتطوير البنية الرقمية واللوجستية. وفي كلتا الحالتين، لم تُقرأ الصدمات في الإمارات باعتبارها إشارات للانسحاب، بل بوصفها اختبارات لكفاءة النموذج وفرصاً لإعادة ضبطه.
ما يُميّز المرحلة الراهنة هو امتداد هذا المنطق إلى المجال الأمني. فالأمن لم يعد شرطاً مسبقاً للانفتاح، بل متغيراً يُدار داخله. والاستجابة الإماراتية لم تكن تصعيدية بقدر ما كانت تركيبية؛ حيث اشتملت على تعزيز القدرات الدفاعية، وتنويع الشراكات، وتحصين البنية التحتية الحيوية، بالتوازي مع الحفاظ على تدفقات التجارة والمال. ويعكس هذا التداخل فهماً أكثر تعقيداً لطبيعة المخاطر في بيئة مترابطة.
ومع ذلك، يظل هذا النموذج معتمداً على حد أدنى من انتظام النظام الدولي. فتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتآكل قواعد التجارة يفرضان قيوداً متزايدة على قدرة الدول المنفتحة على الحفاظ على استراتيجياتها دون تعديل. وعليه، تغدو المرونة مسألة تموضع خارجي بقدر ما هي تصميم داخلي.
الخلاصة
في عالم يتسم بتزايد الصدمات، وتراجُع القدرة على التنبؤ، لم يعد تقييم القوة خاضعاً فقط إلى حجم التأثير، بل إلى قدرة الدولة على منع الاضطراب من التحول إلى تعطّل. وبهذا المعنى، لا تعكس تجربة الإمارات مجرد نجاح في إدارة أزمة عابرة، كما هو حال التصعيد الأخير في المنطقة، بل في تقديم تعريفٍ وظيفيٍّ مختلفٍ للقوة في النظام الدولي المعاصر؛ قوة معتمدة على قدرة الدولة على الحفاظ على وظائفها الأساسية تحت ضغط مستمر، لا على قدرتها على تجنُّب الضغوط أصلاً.
وفي نظام دولي يتجه نحو لايقين هيكلي وتكرار الصدمات، لن تكون الاستمرارية ميزة تنافسية يمكن امتلاكها أو التخلي عنها، بل ستصبح معياراً فاصِلاً يُعيد رسم حدود النفوذ نفسه بين دول قادرة على البقاء داخل شبكات التأثير العالمي، وأخرى ستجد نفسها تدريجياً خارجها.
في النهاية، لن يكون السؤال: مَنْ الذي انتصر في هذه الأزمة، إذ إن السؤال الأهم هو: مَنْ الذي لم يتوقف؟