اختبار التماسُك الغربي: التداعيات الجيوسياسية للحرب الإيرانية على الصراع الأوكراني، والخيارات المتاحة لأوروبا

  • تُشكِّل حرب أمريكا وإسرائيل وإيران اختباراً قاسياً للتماسك الاستراتيجي الأوروبي وللتحالف الغربي الداعم لأوكرانيا؛ وهناك إجماع أوروبي حول أن روسيا هي الرابح الأكبر من هذه الحرب.
  • تسببت حرب إيران في تقويض مساعي حل النزاع الأوكراني عبر ثلاثة مسارات متوازية: عسكرياً، من طريق استنزاف أنظمة الدفاع الجوي الشحيحة؛ واقتصادياً، عبر رفع أسعار النفط عالمياً وتدفق مكاسب مالية ضخمة لموسكو؛ وسياسياً، بتجميد المسار الدبلوماسي الذي كانت تقوده واشنطن، مما أضعف نفوذ الولايات المتحدة ومنح طرفي الصراع في أوكرانيا دوافع للاستمرار في القتال بدلاً من التسوية.
  • انتهجت أوكرانيا “دبلوماسية المسيرات” في الخليج لمواجهة تراجُع الاهتمام الأمريكي، حيث عرضت خبرتها الميدانية في اعتراض طائرات “شاهد” بتكلفة زهيدة ونشرت فرقاً استشارية في خمس دول؛ ومع ذلك، تظل المكاسب الاستراتيجية لأوكرانيا من هذا التحرك الدبلوماسي غير مؤثرة بشكل مباشر في ميزان القوى الأساسي في الحرب ضد روسيا.
  • تواجه الحكومات الأوروبية خيارات استراتيجية مصيرية لضمان استدامة دعم أوكرانيا وتحقيق الاستقلال الاستراتيجي؛ وذلك عبر حماية التزاماتها المالية من تقلُّبات الحرب في الشرق الأوسط، وتعميق الربط المؤسسي مع كييف لتسريع انضمامها للاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ضرورة تسريع التحول الطاقي لإنهاء الارتباك الناتج عن تذبذب أسعار الوقود الأحفوري وحرمان روسيا من عوائد تمويل آلتها الحربية.

 

أدى اندلاع حرب إيران في نهاية فبراير الماضي إلى إضافة بُعد جديد من التعقيد الاستراتيجي إلى الصراع الدائر في أوكرانيا، حيث باتت أوروبا تواجه معضلة غير مسبوقة حول سُبُل المحافظة على دعمها لأوكرانيا مع إدارة التداعيات السياسية والعسكرية والاقتصادية المتتالية لحرب كبرى في الشرق الأوسط، لا يبدو واضحاً حتى الآن متى وكيف ستنتهي، على رغم إعلان وقف مؤقت وهش لإطلاق النار بين الأطراف المتصارعة. وقد بدأت هذه التداعيات تظهر في تحويل وجهة الموارد العسكرية الغربية، والفوائد الاقتصادية غير المتوقعة لروسيا من ارتفاع أسعار الطاقة، فضلاً عن محاولات أوكرانيا استغلال الأزمة عبر دبلوماسية الدفاع الخليجية.

 

تسعى هذه الورقة إلى تحليل التداعيات العسكرية والاقتصادية والسياسية للحرب في الشرق الأوسط على الصراع في أوكرانيا، واستكشاف الخيارات الاستراتيجية المتاحة لأوروبا في سعيها للتعامل في آن واحد مع اثنتين من أخطر الأزمات الجيوسياسية في تاريخها الحديث.

 

تداعيات حرب إيران على الصراع الأوكراني

هناك اليوم توافق غير مسبوق في مراكز الأبحاث والصحافة الغربية حول أن “روسيا هي الرابح الأكبر من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران”. حيث تصبُّ جميع تأثيرات الحرب المباشرة وغير المباشرة في صالح حسابات موسكو، سواء كانت العسكرية على الجبهة الأوكرانية، أو الاقتصادية المتعلقة بارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وكذلك السياسية الأوسع نطاقاً ضمن علاقات القوة مع الولايات المتحدة وأوروبا.

 

التداعيات العسكرية

تظهر أبرز النتائج الملموسة للحرب الإيرانية في التنافس الذي أحدثته على أنظمة الدفاع الجوي الشحيحة، ولاسيما صواريخ باتريوت الاعتراضية. فقد اعتمد بقاء أوكرانيا دولةً فاعلةً بشكل حاسم على شبكات دفاعها الجوي متعددة الطبقات. في عام 2025، أطلقت القوات الروسية أكثر من 54 ألف طائرة مسيّرة ضد أوكرانيا، بالإضافة إلى وابل من الصواريخ الباليستية. لذلك شكّل نظام باتريوت خط الدفاع الأساسي لأوكرانيا، وهو أيضاً النظام الأكثر حاجة إليه اليوم في منطقة الخليج. ففي خلال الأسبوع الأول فقط من الحرب في الشرق الأوسط، أطلقت عشرات منصات إطلاق صواريخ باتريوت للدفاع الجوي مئات الصواريخ الاعتراضية ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، مما يجعل عملية تزويد أوكرانيا في الوقت الحالي بهذا النوع من الدفاعات صعباً. وإذا طالت الحرب في إيران، فمن شبه المؤكد أنها ستُفاقم مشكلة الدفاع الجوي الأوكرانية، خاصةً إذا واصلت روسيا الاعتماد بشكل أكبر على الصواريخ الباليستية، مما سيُجبر أوكرانيا على استهلاك مخزونها المتناقص من صواريخ باتريوت الاعتراضية. وقد أعرب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن قلقه من هذا الوضع، مُحذراً من أن حدة الحرب الأمريكية على إيران “ستؤثر في حجم الدفاع الجوي الذي نتلقاه”، وأن “الاستنزاف المفاجئ” لذخائر الدفاع الجوي سيجعل من الصعب “فرض قوة أمريكية ذات مصداقية ضد روسيا في أوكرانيا”. كما أقر المسؤولون الأوروبيون بأن الضغط المتزايد على أنظمة الدفاع الجوي نتيجة للحرب الإيرانية من شأنه أن يعقد التزامهم بتزويد أوكرانيا بمثل هذه الأسلحة.

 

أدى نشوب الحرب في إيران، أواخر فبراير المنصرم، إلى مفاقمة التعقيد الاستراتيجي للصراع الأوكراني-الروسي. (شترستوك)

 

في المقابل، دأبت إيران على تزويد روسيا بمسيّرات “شاهد” في خلال سنوات الحرب الماضية، لكن مسألة ما إذا كانت الحرب في إيران ستؤثر بشكل مباشر في قدرات روسيا الهجومية ضد أوكرانيا تبدو أكثر تعقيداً. ويتفق المحللون الغربيون على أنها لن تؤثر بشكل جذري، على الأقل ليس في المدى القريب، لأن روسيا، بدأت منذ عام 2023، وبمساعدة تقنية إيرانية، بإنتاج الطائرات المسيرة محلياً. وبدأت باختبار نسخ أحدث منها، تحمل اسمي “جيران-4″، و”جيران-5″، فضلاً عن أن معظم مكونات هذه الطائرات المسيرة لا تأتي من إيران، بل من الصين ودول غربية أخرى. وبذلك، تؤدي إيران دوراً ثانوياً في سلسلة إنتاج طائرات “شاهد” لروسيا، وهو ما يجعل استمرار الإمدادات الإيرانية أقل أهمية، وبإمكان روسيا استيعاب حالة عدم الاستقرار الإيراني دون انهيار فوري لقدراتها. لكن بالنسبة لأوكرانيا تبدو الصورة مقلوبةً، ففي موازاة تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، كثَّفت القوات الروسية قصفها المدفعي وضرباتها بالطائرات المسيرة، سعياً منها لإضعاف الدفاعات الأوكرانية قبل شنّ هجمات برية. ويبدو أن روسيا تستعد لشنّ هجوم جديد للسيطرة على ما تبقى من منطقة دونيتسك الشرقية والتقدم نحو زابوروجيا. وقد أتاح الاستنزاف المتزامن لمخزونات الذخيرة الغربية، وانخفاض قدرة الولايات المتحدة على دعم أوكرانيا لوجستياً، فرصةً سانحةً لممارسة الضغط العسكري الروسي.

 

التداعيات الاقتصادية

تبدو التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية على الصراع الأوكراني أكثر خطورة من التداعيات العسكرية. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى صدمة في أسعار الطاقة غير مسبوقة، حيث تجاوزت أسعار النفط العالمية في 10 مارس حاجز 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ عام 2022. في المقابل، وجدت روسيا نفسها في وضع فريد للاستفادة من الأزمة، بحكم قدرتها الإنتاجية وموقعها الجغرافي بعيداً عن الصراع. قبل الحرب كانت الضغوط الاقتصادية على موسكو شديدة بسبب تراجُع قدرة إنتاج الطاقة على توفير العائد المادي الضروري لتمويل الميزانية العسكرية والعامة. وقدَّر معهد أكسفورد لدراسات الطاقة أن إيرادات الميزانية الفيدرالية الروسية من النفط والغاز لعام 2025 انخفضت إلى 8.5 تريليون روبل، أي حوالي 101.4 مليار دولار، وهو ما يمثل 23% فقط من إجمالي الإيرادات الفيدرالية، وهي أدنى نسبة منذ نحو عقدين. وكانت إيرادات روسيا من النفط والغاز قد انخفضت إلى النصف على أساس سنوي في يناير2026 لتصل إلى 393.3 مليار روبل. وفي فبراير، قبل الحرب بأيامٍ قليلةٍ، انخفضت إيرادات موسكو من صادرات النفط والغاز إلى أدنى مستوى لها منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.

 

لكن الحرب في إيران أدت إلى تغيير هذا المسار بشكل جذري، إذ ارتفعت عائدات صادرات النفط الروسية لتبلغ 2.48 مليار دولار في أسبوع واحد، وهو أعلى مستوى لها منذ أبريل 2022، بزيادة قدرها 120% عن أواخر فبراير 2026. ودفع ذلك الحكومة الروسية للتراجع عن خططها في اتجاه خفض الإنفاق الحكومي، إذّ عزز ارتفاع أسعار النفط الوضع المالي للبلاد. وكان المسؤولون يدرسون خفض الإنفاق “غير الحساس” بنسبة 10%، حيث أثارت أسعار النفط المنخفضة واستمرار الإنفاق الحربي مخاوف من اتساع عجز الميزانية. ويمكن للحكومة الروسية توجيه عائدات النفط المرتفعة إلى الإنفاق العسكري. كما عزز الإعفاء الذي أصدرته وزارة الخزانة الأمريكية في 12 مارس، والذي يُجيز تسليم وبيع النفط الخام الروسي ومشتقاته المحملة بالفعل على السفن، من أرباح موسكو. وعلّق هذا الإعفاء فعلياً سقف سعر النفط الروسي، وكان هذا السقف السعري قد فُرض في ديسمبر2022 من قِبل الولايات المتحدة ودول مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي وأستراليا، للحد من عائدات النفط الروسية التي يُمكن استخدامها لتمويل حربها ضد أوكرانيا. وأدى ذلك إلى ارتفاع سعر النفط الخام الروسي بأكثر من 30 دولاراً للبرميل منذ بدء الحرب، مما أدى إلى توليد ما يقدر بنحو 150 مليون دولار إضافية يومياً.

 

وقال الرئيس الأوكراني زيلينسكي إن هذه الخطوة ستُعزز موقف روسيا، وحذَّر من أنها قد توفر لها نحو 10 مليارات دولار للحرب. ووفقاً للسفير الألماني السابق لدى موسكو، روديغر فون فريتش، فقد ربحت روسيا 6 مليارات يورو إضافية منذ بدء الحرب في إيران. فيما صرَّح المستشار الألماني فريدريش ميرز بوضوح: “نعتقد أن هذا مسار خاطئ. فنحن نريد ضمان عدم استغلال روسيا للحرب في إيران لإضعاف أوكرانيا”. وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إن هذه الخطوة “مقلقة للغاية، لأنها تؤثر في الأمن الأوروبي”، وحذّر من أن “زيادة الضغط الاقتصادي على روسيا أمر حاسم لقبولها مفاوضات جادة من أجل سلام عادل ودائم”. كما عارض ستة من قادة مجموعة السبع تخفيف العقوبات. لكن الموقف الأوروبي بشأن إعفاء روسيا من سقف الأسعار لمنعها من تمويل المجهود الحربي في أوكرانيا، لا يبدو موحداً، فقد رأت بعض الدول الأوروبية أن على بروكسل أن تحذو حذو واشنطن، حيث تريد المجر وسلوفاكيا من أوكرانيا السماح باستئناف تدفق النفط الروسي عبر خط أنابيب دروجبا المتضرر.

 

لويجي دي مايو، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج، يتحدث إلى الصحفيين في مدينة الكويت، 29 مارس 2026. (أ.ف.ب)

 

قبل الحرب توقَّع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الروسي في عام 2026 بنسبة 0.8% فقط، وهو عامل يُعدّ بالغ الأهمية لأنه يُغيّر توقعات موسكو بشأن تكلفة إطالة أمد الحرب في أوكرانيا مقابل التوصل إلى تسوية. فإذا كانت أسعار النفط المنخفضة تدفع روسيا نحو خيارات صعبة في الميزانية وتُحفّزها على السعي إلى وقف إطلاق النار، فإن الصدمة النفطية الناجمة عن الحرب الإيرانية تُؤدي إلى عكس ذلك. فارتفاع عائدات الطاقة، واستقرارها، يُخففان من الأثر الاقتصادي للصراع المستمر، ويُسهّل على الرئيس فلاديمير بوتين الاستمرار في استراتيجيته في شنّ الحرب حتى يتخلى الغرب عن دعمه لأوكرانيا.

 

التداعيات السياسية

ألحقت الحرب الإيرانية أضراراً بالغة بالبنية الدبلوماسية التي بُنيَت في خلال الشهور الماضية لإدارة الصراع الأوكراني والبدء في استكشاف مسار نحو حله. فقد حققت المحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة بين أوكرانيا وروسيا تقدماً متواضعاً ولكنَّه مهم، بما في ذلك اتفاقيات مُعلنة بشأن آليات مراقبة وقف إطلاق النار بعد انتهاء النزاع. وكان من المقرر عقد مفاوضات ثلاثية في أبو ظبي مطلع مارس 2026، إلا أنها أُجلت إلى أجل غير مسمى، حيث أوقفت الحرب في الشرق الأوسط عملياً أي مفاوضات تُدار من قبل الولايات المتحدة. كما شكّل اندلاع الصراع ضربة مزدوجة لطموحات ترمب ورغبته في أن يكون وسيطَ سلام. ولم تقتصر آثار الحرب الإيرانية على إضعاف النفوذ الأمريكي على كلا الطرفين المتحاربين فحسب، بل إن عواقبها الاقتصادية والعسكرية منحت كلاً من كييف وموسكو دوافع لإبطاء الجهود الدبلوماسية.

 

وأدت الحرب في الشرق الأوسط إلى تصعيد التوترات بين إدارة ترمب وحلفائها الأوروبيين بشأن تقاسم الأعباء، مما كان له تداعيات مباشرة على أوكرانيا. فبعد رفض ترمب عرض الرئيس زيلينسكي بتقديم الخبرة الأوكرانية في مجال مكافحة الطائرات المسيّرة، طالب حلفاء الناتو بتخصيص موارد بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز. وقُوبِل الرفض الأوروبي الأولي بتوبيخ شديد. وهدَّد ترمب بوقفتزويد أوكرانيا بالأسلحة والانسحاب الكامل من الناتو، مما دفع الأمين العام مارك روته إلى حث عدد من قادة الحلف على تقديم عرض مشترك، في 19 مارس، “للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز”. ومن المحتمل أن تنسف الحرب الجهود الأوروبية في خلال العام الماضي لتعزيز العلاقات عبر الأطلسي لضمان استمرار التزام الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا، والتي جرت غالباً عبر سياسة “استرضاء” ترمب. إلا أن التطورات الأخيرة في إيران تُشكك مجدداً في جدوى هذه السياسة.

 

التحركات الدبلوماسية الأوكرانية 

في مواجهة تراجُع الاهتمام الأمريكي وخطر التحول إلى مسرح ثانوي، انتهجت أوكرانيا استراتيجية دبلوماسية مضادة في الخليج، ساعية إلى تحويل خبرتها في ساحة المعركة إلى أصل دبلوماسي ورأس مال مالي وجيوسياسي، حيث سارع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى التواصل مع قادة الدول الخليجية عقب الهجمات الإيرانية، مُشيراً إلى أن بلاده “تتبوأ مكانة الشريك الفاعل والقيّم، القادر على مساعدة شركائها في الشرق الأوسط.

 

وكان العرض الأساسي لأوكرانيا هو الخبرة التي راكمتها على مدى أربع سنوات من حرب الطائرات المسيّرة المكثفة ضد روسيا، وتحديداً قدرتها على اعتراض طائرات مسيرة من طراز “شاهد” بتكلفة زهيدة مقارنة بصواريخ باتريوت. ونشرت أوكرانيا فرقاً متخصصة في خمس دول شرق أوسطية، للمساعدة في اعتراض الطائرات المسيّرة وتقديم المشورة بشأن تدابير الدفاع الجوي. وقال الرئيس زيلينسكي أن 228 خبيراً أوكرانياً كانوا موجودين في المنطقة، حيث تعاملت وحدات الدفاع الجوي المحلية مع الصواريخ الباليستية، بينما ركَّز الخبراء الأوكرانيون على موجات طائرات “شاهد” الإيرانية.

 

الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، يتحدث إلى قادة الاتحاد الأوروبي عبر الفيديو، في خلال اجتماع المائدة المستديرة لقمة الاتحاد الأوروبي بمقر الاتحاد في بروكسل، 19 مارس 2026. (أ.ف.ب)

 

على المستويين الدبلوماسي والمالي، تبدو هذه النتائج مهمة. فقد اختُتمت جولة زيلينسكي في الخليج بتوقيع اتفاقيات تعاون دفاعي لمدة عشر سنوات مع السعودية وقطر والإمارات، شملت شراكات في مجالات الصناعات الدفاعية وإنشاء مرافق إنتاج مشتركة وشراكات تكنولوجية. ومع ذلك، تظل المكاسب الاستراتيجية لأوكرانيا من هذا الهجوم الدبلوماسي غير مؤثرة بشكل مباشر في ميزان القوى الأساسي في الحرب ضد روسيا.

 

خيارات أوروبا الاستراتيجية 

في مواجهة هذه الأزمة المركَّبة، تواجه الحكومات الأوروبية مجموعة من الخيارات الاستراتيجية الصعبة. ولا تقتصر هذه الخيارات على مجرد تعديلات تكتيكية، بل تعكس تساؤلات أعمق حول الهوية الاستراتيجية الأوروبية، ومستقبل العلاقات عبر الأطلسي، واستدامة الدعم الأوروبي لأوكرانيا.

 

1. الحفاظ على الالتزامات المالية: تتمثل الأولوية القصوى لأوروبا اليوم في ضمان حماية التزاماتها المالية تجاه أوكرانيا من الاضطرابات السياسية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط. في أواخر ديسمبر 2025، وافق الاتحاد الأوروبي على حزمة قروض بقيمة 90 مليار يورو لدعم المجهود الحربي الأوكراني ضد روسيا حتى عامي 2026 و2027 عبر إصدار سندات دين مشتركة، ما يُمثِّل أحد أكبر الالتزامات المالية الجماعية التي قُدمت على الإطلاق للدفاع الأوروبي. إلا أن تنفيذ الاتفاق تعقَّد بسبب استخدام المجر حق النقض والاضطرابات السياسية العامة التي أحاطت بالحرب الإيرانية. ومع ذلك، وعد حلفاء أوكرانيا الأوروبيون بمواصلة دعمهم الثابت. في الوقت نفسه، تواجه أوروبا تآكُل هيكل العقوبات المفروضة على روسيا. ذلك أن تحويل الإعفاءات الأمريكية من العقوبات النفطية إلى تخفيف أوسع للعقوبات سيُكافئ روسيا في الوقت الذي بدأت فيه الضغوط المالية تُقيّد هامش مناورتها في حربها ضد أوكرانيا. وبمجرد أن تبدأ الولايات المتحدة في تخفيف قبضتها، يرى بعض الأوروبيين – لاسيما المجر – أن على بروكسل أن تحذو حذوها، وهو ضغط بات واضحاً بالفعل. وقد تصاعدت، على خلفية ذلك، حدة النقاشات داخل البرلمان السويسري بشأن إمكانية رفع العقوبات المفروضة على روسيا، في ظل تفاقم أزمة الطاقة، بدلاً من الالتزام الصارم بسياسات العقوبات التي تفرضها أوروبا. وربما تدفع أزمة الطاقة حلفاء غربيين آخرين للمضي في مسار تخفيف العقوبات.

 

2. الاستقلال الاستراتيجي: جعلت الحرب مع إيران الحاجة إلى الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فقد واجهت القوى الأوروبية معضلة في التوفيق بين عدم الانخراط في حرب دونالد ترمب ضد إيران، وارتفاع أسعار الطاقة والحفاظ على دعم دفاعي ومالي مستقر لأوكرانيا. وفي حال ظلت أوروبا على الحياد، فلن يكون لها أي تأثير على النتيجة، مما يقوّض طموحها في أن تكون فاعلاً عالمياً. وقد أكَّد الرئيس زيلينسكي بنفسه، في خلال جولته الخليجية، أهمية استقلال الصناعات الدفاعية الأوروبية، قائلاً: “لا يمكننا الاعتماد على صناعات شركائنا الآخرين”. وهذا يعني تسريع الإنتاج الأوروبي المشترك لأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يُقلل الاعتماد على خطوط الإنتاج الأمريكية التي تُعطى الأولوية حالياً لعملياتها في الشرق الأوسط.

 

رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، تتحدث خلال مناقشة مشتركة حول التحضير لاجتماع المجلس الأوروبي يومي 19 و20 مارس 2026، وحول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، 11 مارس 2026. (أ.ف.ب)

 

3. تسريع اندماج أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي: من الخيارات الأوروبية المطروحة لتعويض تراجع مشاركة الولايات المتحدة تعميق العلاقة المؤسسية بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا. فقد شرعت أوكرانيا منذ يونيو 2024 في التفاوض بشأن الانضمام إلى الاتحاد، ومن شأن تسريع مسارات التفاوض، الاقتصادية والقضائية والصناعية الدفاعية، أن يُرسي روابط أكثر استدامة من الالتزامات السياسية القابلة للتراجع، كالدفاع المشترك والضمانات الأمنية.

 

4. تسريع التحول الطاقي: يُعزز البُعد الطاقي للحرب الإيرانية الحاجة إلى استقلال أوروبا في مجال الطاقة. فقد أثبتت الحرب مجدداً أن الاعتماد على الوقود الأحفوري يمثل نقطة ضعف استراتيجية، وأن تسريع التحول إلى الطاقات النظيفة ليس مجرد ضرورة بيئية، بل ضرورة أمنية أيضاً، إذ يحرم روسيا من عائدات النفط التي تستخدمها حالياً لتمويل آلتها الحربية، ويعزز الموقف الإستراتيجي لأوروبا تجاه الولايات المتحدة. ذلك أن العلاقة بين التحول الطاقي طويل الأمد في أوروبا ونتائج الحرب في أوكرانيا علاقة مباشرة وقابلة للقياس؛ فكل نقطة مئوية من الاكتفاء الذاتي الأوروبي في مجال الطاقة، والذي يتحقق بفضل مصادر الطاقة المتجددة، يمثل نقطة مئوية من النفوذ تُحرم منها روسيا.

 

الخلاصة

تُمثِّل الحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران اختباراً عسيراً للتماسُك الغربي، حيث برزت روسيا بوصفها “الرابح الأكبر” نتيجة استنزاف قدرات الدفاع الجوي الأوكرانية وانتعاش خزائنها بعوائد النفط المرتفعة، ما أدى لشلل المسارات الدبلوماسية الدولية. وعلى رغم محاولات كييف الالتفاف على تراجع الاهتمام الأمريكي عبر “دبلوماسية المسيرات” في الخليج، يبقى الرهان على الحكومات الأوروبية لاتخاذ خيارات استراتيجية مصيرية، تبدأ بتسريع دمج أوكرانيا مؤسسياً وتحقيق الاستقلال الطاقي، وصولاً إلى حماية التزاماتها المالية تجاه أوكرانيا من تقلبات صراعات الشرق الأوسط لضمان توازن القوى أمام موسكو.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M