التكتُّل الرُّباعي الناشئ في الشرق الأوسط: الدوافع، والقيود، والانعكاسات على النظام الأمني الإقليمي

  • يُمثِّل الإطار/التكتُّل الرباعي، الذي يضم كلاً من باكستان وتركيا ومصر والسعودية، استجابةً للتحولات في النظام الأمني الإقليمي في حقبة ما بعد هجوم السابع من أكتوبر، وتسعى الدول الأربع عبره إلى التأثير في السياسة الإقليمية، وموازنة تراجع المحور الإيراني والتمدد الإسرائيلي.
  • يبدو التكتل الرباعي الإقليمي الناشئ مدفوعاً بعدة مسوغات ومزايا، تشمل: تكامُل القوة بين الدول الأعضاء؛ وإمكانية تطوير منظومة مشتركة للإنتاج الدفاعي المُشترك، فضلاً عن تشكيل آلية وبنية أمنية جماعية لمواجهة التحدّيات الإقليمية؛ ووجود استراتيجيات مشتركة ومنسقة بشأن القضايا الجيوسياسية الإقليمية، بما من شأنه أن يضمن تحقيق المصالح الوطنية للدول الأربع.
  • تُدرِك الدول الأعضاء في التكتل الرباعي أنَّه بعد إضعاف المحور الإيراني في الشرق الأوسط، لن يكون لإسرائيل مُنافس استراتيجي في المنطقة، وبالتالي فإن ضعف إيران قد يؤدّي إلى زعزعة البنية الأمنية ثنائية القطبية في المنطقة، ويفتح المجال أمام ظهور “الرباعية الإسلامية” بوصفها قُطباً ثالثاً في البنية الأمنية الشرق أوسطية.
  • حتى الآن، توجد عدة قيود هيكلية على التكتُّل الرباعي، تشمل: تبايُن التقييمات للتهديدات، والافتقار إلى المؤسسية، والضعف الاقتصادي، والاضطرابات السياسية الداخلية في بعض الدول الأعضاء، الأمر الذي قد يحد من إمكانات التكتل، ويجعله أقرب إلى إطار للتنسيق في أوقات الأزمات بدلاً من تحالف مؤسسي كامل.

 

عَقَدَ وزراء خارجية كُلٍّ من باكستان ومصر والسعودية وتركيا اجتماعاً في 17 أبريل 2026، على هامش مُنتدى أنطاليا الدبلوماسي، يُعد الثالث على مستوى وزراء خارجية هذه الدول في خلال شهر واحد (عُقِد الاجتماع الأول في الرياض بتاريخ 18 مارس، والثاني في إسلام أباد، بتاريخ 29 مارس)، فيما عَقد نواب الوزراء اجتماعاً أول في 14 أبريل في إسلام آباد. وتشير البيانات الرسمية إلى أن المُداولات الرباعية تركزت حول سُبُل احتواء الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، وإيجاد حلول للأزمات الإقليمية، كما التزمت هذه الاجتماعات الرباعية بـ “تعزيز الشراكة”، وتعميق التعاون والتنسيق في المجالات ذات “الاهتمام المشترك”. وتحدثت تحليلات عدة عن احتمالات أن تتجه الدول الأربع إلى تشكيل تكتل أو تحالف رباعي يرقى إلى ما أسمته “ناتو إسلامي”.

 

وعليه، تحاول هذه الورقة الإجابة عن أسئلة مثل: ما الدوافع والمزايا الرئيسة لهذه الرباعية الناشئة؟ وكيف سيؤثّر ذلك في النظام الأمني الإقليمي في الشرق الأوسط؟ وما القيود والمعوقات أمام هذا الإطار/التكتل الناشئ؟

 

دوافع الرباعية الناشئة

على الرغم من أن الاجتماعات الرباعية لم تستكمل بعد الإطار المؤسّسي للتحالف/التكتل الناشئ، فإن المداولات الرسمية والتقارير الإعلامية، إلى جانب البيئة الأمنية الإقليمية، تُشير إلى أن هذا التكتل مدفوع بالمسوّغات والمزايا الآتية:

 

1. تكامُل القوة بين الدول الأعضاء؛ بحيث يُسهِم كل عضو في الرباعية بمجموعة متميزة من القدرات في مجالات الأمن/الدفاع والاقتصاد والدبلوماسية؛ فباكستان تمتلك أداة الردع النووي والقوة العسكرية العملياتية، في حين تمتلك تركيا صناعةً دفاعية مُتقدّمة بما في ذلك الطائرات من دون طيار والمعدّات البحرية. وبالمثل، تمتلك السعودية رأس المال والنفوذ في مجال الطاقة، وتتمتّع أيضاً بنفوذ ديني في العالم الإسلامي، أمّا مصر فلديها عمق جيواستراتيجي بفضل قناة السويس، فضلاً عن امتلاكها جيشاً كبيراً قادر على المساهمة بقوات للدفاع الجماعي في الصراعات الإقليمية. ويمكن لنقاط القوة المذكورة أن تُعزّز هيكلَ قوةٍ مُركّباً، بحيث يمكن تعويض مواطن الضعف لدى الدول الأعضاء لتقاسُم الأعباء على نحو مثالي.

 

2. منظومة للإنتاج الدفاعي المُشترك: مِنْ بين السمات الرئيسية للرباعية الناشئة تطوير منظومة مُشتركة للإنتاج الدفاعي بين الدول الأربع لتقليل الاعتماد على القوى الخارجية في مجال المُشتريات الدفاعية، إذ إن تطوير منظومة للإنتاج الدفاعي المشترك من شأنه أن يحوّل هذه البلدان من علاقات المشتري-المورِّد إلى شبكة من الإنتاج والابتكار المشترك. وفي هذا السياق، يُمكن للقاعدة الصناعية في تركيا، والتمويل السعودي، والقوى العاملة والمدخلات الفنية لدى كلٍّ من باكستان ومصر أن تُساعد في التصنيع المُشترك لطائرات الاستطلاع والقتال والطائرات من دون طيار، وأنظمة الصواريخ، والمعدّات البحرية بما في ذلك السفن الحربية. ويُمكن للجهود المُشتركة التي تبذلها هذه البلدان أن تُساعِد أيضاً في توطين سلاسل التوريد الدفاعية وتقليل الاعتماد على أسواق الأسلحة الغربية.

 

لدى الرباعية الناشئة القدرة على التحوّل إلى إطار أمني جماعي مؤسّسي فضفاض يتجاوز التعاون المؤقّت (أ.ف.ب)

 

3. آلية أمنية جماعية: بعد إبرام اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل (SMDA) بين السعودية وباكستان في سبتمبر 2025، يمكن توسيع الترتيبات الأمنية الثنائية لتشمل دولاً أخرى ذات تفكير مُماثل. ومع ذلك، وعلى عكس اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المُتبادل بين السعودية وباكستان، تُناقش دول الرباعية الآن إمكانية تعزيز القدرات العسكرية والأمنية المُشتركة، عبر إجراء التدريبات العسكرية والجوية والبحرية، وتنظيم برامج تدريب الطيّارين المُقاتلين، وتطوير أُطُر تبادل المعلومات الاستخبارية وتنسيق الاستجابة للأزمات. وهذا يعني أن الرباعية الناشئة ستعمل على تطوير بنية أمنية جماعية ناعمة (وليس تحالفاً على غرار حلف شمال الأطلسي) لمواجهة التحدّيات الأمنية الإقليمية.

 

4. تنسيق عملية اتخاذ القرارات الاستراتيجية: مِن بين المسوّغات والخصائص الرئيسة الأخرى للرباعية، وجود استراتيجيات مشتركة ومنسقة بشأن القضايا الجيوسياسية الإقليمية، بما من شأنه أن يضمن تحقيق المصالح الوطنية لهذه البلدان الأربعة؛ فعلى سبيل المثال تتطلّب حرب إيران، وأمن البحر الأحمر، والمُشاركة في مجلس السلام، وقضية فلسطين، وما إلى ذلك من قضايا، استراتيجيات مُشتركة لتخفيف الضغوط الخارجية، وبخاصة تلك التي تُمارسها القوى الكبرى. وفي هذا السياق، اقترح الاجتماع على مستوى نواب الوزراء في 14 أبريل عقد مؤتمرات قمة وحوارات أمنية مُنتظمة للتنسيق الاستراتيجي وتبنّي مواقف مُشتركة إزاء القضايا المذكورة أعلاه. علاوة على ذلك، من المرجّح أيضاً أن تعمل الرباعية على تطوير آلية للتنسيق الدبلوماسي في المنظمات الدولية والإقليمية، مثل منظمة التعاون الإسلامي وغيرها من المنصات.

 

التأثير في النظام الأمني الإقليمي في الشرق الأوسط

تتمثل أهم الانعكاسات والتأثيرات الأمنية الإقليمية لمثل هذا الإطار/التكتل الرباعي الناشئ، في الآتي:

 

1. موازنة الثنائية القطبية بين إسرائيل وإيران

كثيراً ما كانت الصراعات في الشرق الأوسط تدور بشكل رئيس حول العداء بين إسرائيل وإيران. وقد أدّى الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، والحملة العسكرية الإسرائيلية اللاحقة ضد “حماس” و”حزب الله” اللبناني وبقية وكلاء إيران إلى إضعاف ما يُسمّى “محور المقاومة الإيراني” إلى حدٍ كبير. وألحقت الحملات العسكرية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في يونيو 2025، ومنذ 28 فبراير 2026، أضراراً جسيمة بالبنية التحتية، العسكرية والاقتصادية، الإيرانية؛ فوفقاً لتقارير البنك المركزي الإيراني، تسبّبت الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية المُشتركة المستمرة ضد إيران في أضرار في البنية التحتية تزيد قيمتها عن 270 مليار دولار أمريكي، وهذا يعني أن طهران ستواجه مشكلات اقتصادية كبيرة بعد الصراع الدائر حالياً. وبالتالي، فإن طهران على الرغم من أنها قد تواصل من الناحية الأيديولوجية دعمها لوكلائها في المستقبل، فإنّ الدعم الاقتصادي والعسكري لهؤلاء الوكلاء سيكون صعباً.

 

تُدرِك الدول الأربع أنَّه بعد إضعاف المحور الإيراني في الشرق الأوسط، لن يكون لإسرائيل مُنافس استراتيجي في المنطقة، وبالتالي فإن ضعف إيران قد يؤدّي إلى زعزعة البنية الأمنية ثنائية القطبية في المنطقة. وظهور “الرباعية الإسلامية” قد لا يحل محل المحور الإيراني بشكل كامل، ولكنَّه قد يُشكّل قُطباً ثالثاً في البنية الأمنية الشرق أوسطية.

 

ستختلف استراتيجيات الرباعية الناشئة لمنافسة إسرائيل بشكل كبير عن تلك التي تستخدمها إيران ووكلاؤها؛ فقد استندت استراتيجية طهران إلى دعم وتشجيع الفاعلين دون الدول ذوي الدوافع الأيديولوجية في منطقة الشرق الأوسط بأكملها، في حين أن الرباعية الناشئة ستعتمد على إطار التحالف “المتمركز حول الدولة”. علاوة على ذلك، ستعمل الرباعية على زيادة الاتصالات الدبلوماسية مع الغرب من أجل تسوية قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. لقد تحدّى المحور الإيراني نظام الأمن الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة وكان في الأساس مُناهِضاً للغرب، إلّا أن المجموعة الرباعية الناشئة تتمتّع بعلاقات وديّة مع الغرب، وبخاصةٍ الولايات المتحدة. ولا تزال كل من السعودية وتركيا مُرتبطتيّن ارتباطاً وثيقاً بأنظمة التسليح الغربية.

 

2. التحوّط ضد الانكفاء الأمريكي

إن أحد العناصر المميزة لهذه الرباعية هو استجابتها الضمنية للانسحاب الأمريكي الملحوظ من المنطقة، وعدم اتساق سياسة واشنطن الشرق أوسطية. وكان هذا هو مصدر القلق الرئيس والدافع الأساسي الذي أدّى إلى توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المُتبادل بين السعودية وباكستان. وترى الدول الأربع إلى حد كبير الالتزامات الأمنية الأمريكية غير جديرة بالثقة وغير مُتّسقة بطبيعتها؛ وبالتالي، فإن هذا الاصطفاف يعكس اتجاهاً تدريجياً ومحاولة لتوفير الأمن المحلي أو الإقليمي، حيث تقوم أربع دول بجمع وتوحيد مواردها بدلاً من الاستعانة بواشنطن لتوفير الأمن. وفي حين من المُرجّح أن يظل نفوذ الولايات المتحدة قوياً في المنطقة، فإن تشكيل الرباعي الشرق أوسطي يُشير إلى تحوّل نحو التحوط الاستراتيجي للدول الأعضاء ضد الانفكاك الأمريكي المُحتمل من المنطقة في الأمد البعيد.

 

3. مَأْسسة شبكة الأمن الجماعي

لدى الرباعية الناشئة القدرة على التحوّل إلى إطار أمني جماعي مؤسّسي فضفاض يتجاوز التعاون المؤقّت. وتُشير المُناقشات الجارية بشأن آليات الدفاع والترتيبات العسكرية التعاونية إلى أن هناك رغبة في كل دولة مُشاركة في المجموعة الرباعية لإضفاء الطابع الرسمي على تصوّرات التهديد المُشترك وإنشاء آليات لتنسيق استجابات الدول الأعضاء.

 

وخلافاً للتحالفات التقليدية، فمن المُرجّح أن يظل هذا التكتّل الرباعي تجمُّعاً مرناً قائماً على قضايا بعينها. ومع ذلك، فإن التدريبات العسكرية والبحرية والجوية المشتركة، وآليات تبادل المعلومات الاستخبارية المشتركة، وربما الردع المنسّق من شأنها أن تعزز القدرات الدفاعية للدول الأعضاء. وقد يكون التأثير الطويل الأمد هو تشكيل بنية أمنية موازية داخل العالم الإسلامي، والتي من شأنها أن تُكمل البنى الأمنية القائمة وقد تتنافس معها في الوقت نفسه. ومع ذلك، ثمّة نيّة سياسية في البلدان الأربعة للانتقال من العلاقات الثنائية المجزَّأة إلى التعاون الأمني المتعدد الأطراف المُترابِط.

 

رغم جاذبيته السياسية، من المحتمل أن يواجه التكتل الرباعي عقبات جوهرية فيما يتعلق بالاستدامة والفاعلية العملياتية على المدى البعيد (شترستوك)

 

4. إدارة النزاعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

لعل أكثر التأثيرات الفورية لهذا التكتل يتمثل في إدارة النزاعات، حيث تشير التطورات الأخيرة إلى أن هذه الدول تحاول مجتمعةً التوسط بين الولايات المتحدة وإيران والدفع باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار. وتؤدي إسلام أباد دوراً محورياً لإبرام صفقة بين واشنطن وطهران، والتي من المحتمل أن تنزع فتيل التوتر بين الدولتين.

 

وتاريخياً، مارست القوى الخارجية، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، دوراً فاعلاً في إدارة الأزمات وجهود خفض التصعيد بين أطراف الصراع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكنّ هذه الدول الأربع ترغب في تَوَليّ مسؤولية إدارة النزاعات. ويمكن لهذا الأمر أن يعمل على مأْسسة نموذج يتم من طريقهِ إدارة النزاعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من داخل المنطقة بدلاً من فرضه من الخارج.

 

5. طموحات جيواقتصادية

لن تقتصر الآلية التي ستنشأ عن التكتل الرباعي على المقاربات الجيوسياسية ذات الدوافع الأمنية، بل سترتبط أيضاً بالحسابات الجيواقتصادية. وكشف الصراع الأمريكي/الإسرائيلي-الإيراني عن هشاشة ممرات الطاقة وسلاسل الإمداد والمضائق البحرية، وبخاصة مضيق هرمز. وفي هذا السياق، فإن من المرجح أن تسعى الدول الأعضاء في هذا التكتل الرباعي للتأثير في القوى الإقليمية للعمل معاً للدفاع عن تدفُّق التجارة والطاقة.

 

ويحظى هذا التكتل -عبر سيطرة أو نفوذ الدول الأعضاء فيه مثل مصر على قناة السويس، والسعودية على ممرات الطاقة في شبه الجزيرة العربية، وتركيا على ممرات الاتصال، وقدرة باكستان في الوصول إلى بحر العرب- بتموضع مثالي لدمج استراتيجية أمنية واقتصادية، الأمر الذي قد يقود إلى إقامة بنى تحتية تجارية ولوجستية بديلة، وتقليص الاعتماد على الممرات المثيرة للنزاع. وتتمثل النتيجة الأوسع بدمج الجوانب الأمنية والجيواقتصادية، حيث تصبح البنية التحتية والطاقة والتجارة ركائز أساسية في النظام الأمني الإقليمي.

 

العقبات والقيود أمام التكتل الرباعي

ثمَّة مجموعة من القيود والعقبات التي تعترض الإطار/التكتل الرباعي الإقليمي الناشئ، يتمثَّل أهمها في الآتي:

 

1. اختلاف التصورات حول التهديدات

يتمثل أحد القيود الأساسية أمام الإطار/التكتل الرباعي الناشئ في غياب تصور مشترك للتهديد، وبخاصة فيما يتعلق بإيران. ومع أن الدول الأربع تمتلك -تقريباً- تصورات متقاربة تجاه التهديد الإسرائيلي، إلّا أنها لديها تصورات مختلفة تجاه التهديد النابع من إيران. ففي الوقت الذي تَعتبر فيه السعودية إيران عدواً أساسياً وحجر عثرة كبيراً أمام تعزيز نفوذ الرياض في أرجاء المنطقة، تمتلك دول أخرى في التكتل مواقف مختلفة نسبياً تجاه طهران. إذ تُحافظ مصر على حيادٍ حذرٍ، في الوقت الذي تمزج باكستان بين تعاون انتقائي مع إيران ودعم السعودية عسكرياً ودبلوماسياً، في حين تُحافِظ تركيا على توازن بين التنافس والانخراط الاقتصادي.

 

ووفق سياسة التحالفات، فإن الآراء المختلفة أو المتباعدة حول تصورات التهديد قد تقود إلى غياب الوضوح الاستراتيجي أو تقليص مستويات الالتزام. وتتوقع السعودية دعماً قوياً في أي نزاع مع إيران، في الوقت الذي قد تُفضِّل القوى الأخرى الحياد أو عدم التصعيد. ويعد هذا قيداً هيكلياً وليس مؤقتاً، لأن تحالفات شرق أوسطية مشابهة أخفقت في الماضي بسبب اختلاف التقييمات المتعلقة بالتهديد.

 

2. الاستدامة والفاعلية

من المحتمل أن يواجه التكتل الرباعي عقبات جوهرية فيما يتعلق بالاستدامة والفاعلية العملياتية على الأمد البعيد رغم جاذبيته السياسية. كما تُمَثِّلُ القدرة على العمل العسكري المشترك مشكلة كبرى نظراً لامتلاك الحكومات الأربع أنظمة دفاعية مختلفة، بما فيها الأمريكية والروسية والصينية والمحلية، ناهيك عن اختلاف هياكل القيادة. وسيستغرق الأمر سنوات من التنظيم والاستثمارات المالية الضخمة لبناء آلية تنسيق متماسكة لتحقيق التناغم في العمل الدفاعي والعسكري المشترك.

 

ولعل ما يزيد من صعوبة الاستدامة القيود المالية. إذ يمكن للسعودية تمويل بعض المشاريع الدفاعية المحددة، إلّا أن تركيا ومصر وباكستان تعاني قيوداً مالية، ما يجعل من الصعب على هذه الدول الثلاث الحفاظ على التزامات دفاعية جوهرية مع مرور الوقت. لذلك، فإن التكتل الرباعي سيعتمد كثيراً على المساعدة المالية السعودية، علماً أن الأخيرة تعاني أيضاً ضغوطاً مالية ناجمة عن ضخامة متطلباتها وخطتها التنموية ضمن رؤية 2030. كما أن من المحتمل أن تُثير الأحزاب السياسية الباكستانية تساؤلات حول قدرة إسلام أباد على عرض النفوذ بشكل مستمر خارج منطقة جنوب آسيا، حيث بدأ الحزب المعارض الرئيس في البلاد (حركة إنصاف الباكستانية) بالتعبير عن مخاوفه إزاء دور باكستان الاستراتيجي المتزايد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 

لم تستكمل اجتماعات دول الرباعية، على رغم تواليها وكثافتها حتى الآن، الإطار المؤسّسي للتكتل الناشئ (منصة إكس)

 

3. غياب العمق المؤسّسي

سيتطلب التحالف الناشئ وقتاً وموارد ضخمة من أجل مَأْسسة أطُر العمل والأهداف بشكل رسمي في الدول الأعضاء. ولغاية الآن يفتقر التحالف الرباعي إلى هياكل قيادية مشتركة، وأمانة عامة، والتزامات دفاعية مُلزِمة قانونياً. ولهذا السبب فإن هذا التكتل ليس تحالفاً رسمياً حتى الآن، بل عملية تشاور وتنسيق مرنة. وقادت ظروف مشابهة من المأسسة غير المناسبة والمصالح الوطنية المتعارضة إلى انهيار مبادرات إقليمية سابقة، مثل حلف بغداد في خمسينيات القرن العشرين. لذلك، فإن التكتل الرباعي قد يخاطر بأن يكون مدفوعاً بالأحداث وعدم القدرة بالحفاظ على الزخم في أوقات السلم في حال عدم تمكُّن الدول الأربع من مأْسسة إطار عمل رسمي وبناء هيكل قيادة مشترك.

 

4. القيود الداخلية وتضارُب السياسات

قد تتأثر سلاسة وظائف التحالف الرباعي بشكل مباشر بالقضايا السياسية والاقتصادية الداخلية للدول الأعضاء. وعلى سبيل المثال، فإن قيود الميزانية في مصر، وعدم الاستقرار السياسي في باكستان قد لا تجعل التزام هاتين الدولتين تجاه التحالف ضمن أولوياتهما. كما أن أي تراجع اقتصادي أو تغيير سياسي في القيادة في أي من الدول الأعضاء، وبخاصة في باكستان وتركيا، قد يُقوّض إطار عمل التحالف بشكل كامل.

 

الاستنتاجات

يُمثِّل تَشكُّل الإطار/التكتل الرباعي، المكون من باكستان وتركيا ومصر والسعودية، انعكاساً لتحول أكبر في النظام الأمني في الشرق الأوسط مِنْ استقرارٍ خاضعٍ للسيطرة الخارجية إلى تنازعٍ وتنسيقٍ مُتعدد الأطراف مدفوع إقليمياً. وتسعى الدول الأعضاء في التكتل الرباعي إلى مأْسسة شكل من الأمن الجماعي لتقليص الاعتماد على الفاعلين من خارج المنطقة، وتجاوز الاستقطاب المتأصل بين إيران وإسرائيل، عبر الجمع بين القوة التكاملية لتركيا والسعودية ومصر وباكستان. وسيعمل التكتل الرباعي بشكل رئيس على تعزيز الإنتاج الدفاعي المشترك، وممارسة دور فاعل في إدارة الازمات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وترغب الدول الأعضاء في التكتل الرباعي بالتأثير في السياسة الإقليمية للمنطقة بصور متعددة، على نحوٍ ينعكس إيجاباً على مصالحها الوطنية.

 

لكنّ هناك قيوداً هيكلية في التكتل الرباعي، مثل التقييمات المختلفة للتهديد، والافتقار إلى المؤسسية، والضعف الاقتصادي، والاضطرابات السياسية الداخلية في بعض الدول الأعضاء، الأمر الذي قد يَحدُّ من قدرات التكتل العملياتية ما يجعله أقرب إلى إطار للتنسيق في أوقات الأزمات بدلاً من تحالف مؤسسي كامل. وقد تؤدي إقامة التكتل الرباعي إلى تسريع انقسام النظام الإقليمي إلى اصطفافات متداخلة ومتضاربة أحياناً من خلال تقديم ضغوط متنافسة واحتمالات استراتيجية للفاعلين الإقليميين، وبخاصة في منطقة الخليج.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M