هل تتوسع دائرة الحرب؟ من الردع المتبادل إلى حرب مفتوحة متكررة: قراءة في دورة التصعيد–الاحتواء–الانهيار في المواجهة الأمريكية–الإيرانية

الملخص التنفيذي

انتقلت المواجهة الأمريكية–الإيرانية خلال عام 2026 من طور «الردع المتبادل» الذي ساد لعقود، إلى حرب مباشرة واسعة اندلعت فعليًا في 28 فبراير 2026 حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية على طهران ومدن إيرانية أخرى أطلقت عليها إسرائيل اسم «زئير الأسد» وأمريكا اسم «الغضب الملحمي»، وردّت إيران باستهداف إسرائيل وسوريا والأردن ودول خليجية (البحرين والإمارات والكويت وقطر). ما تلا ذلك لم يكن مسارًا خطيًا نحو التهدئة أو الحرب الشاملة، بل دورة متكررة من وقف إطلاق النار المؤقت وانهياره: هدنة أبريل 2026، ثم مذكرة تفاهم أوسع في منتصف يونيو 2026 لتمديد وقف إطلاق النار 60 يومًا تمهيدًا لتسوية دائمة، انهارت بدورها مطلع يوليو 2026 مع إخطار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكونغرس رسميًا باستئناف الحرب وإعادة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية قرب مضيق هرمز.

وبحلول أوائل أغسطس 2026، اتسعت ساحات المواجهة بشكل ملموس وموثّق: في بحر قزوين، استهدفت أوكرانيا في 25 يوليو 2026 سفينتي شحن خاضعتين للعقوبات الدولية (بورت أوليا-2 وبيغي) وسفينة حربية روسية ومنصة نفط تابعة لشركة لوك أويل، بدعوى نقلها شحنات عسكرية بين روسيا وإيران، ما أسفر عن مقتل بحار إيراني وإصابة آخر واستدعاء طهران للقائم بالأعمال الأوكراني. وفي البحر الأحمر، أعلن الحوثيون في 22 يوليو 2026 حصارًا بحريًا على الملاحة السعودية تحديدًا، وليس فقط على الملاحة الدولية كما كان الحال في الجولات السابقة، واستهدفوا حتى 5 أغسطس ثماني ناقلات نفط سعودية على الأقل، ما دفع الرياض للنظر في خيارات عسكرية مباشرة ضد الجماعة بعد أن نفدت صادراتها عبر مضيق هرمز. أما في شرق المتوسط، فقد تأثرت قناة السويس بتعليق كبرى شركات الشحن العالمية (ميرسك، سي إم إيه سي جي إم، هاباغ لويد) عبورها عبرها، وحذّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من تداعيات إطالة أمد الحرب على الملاحة الدولية.

وتخلص هذه الورقة إلى أن السؤال المركزي لم يعد افتراضيًا: الحرب الإقليمية المفتوحة وقعت بالفعل مرة على الأقل، وتكرر انهيار محاولات احتوائها مرتين خلال ستة أشهر فقط. السؤال الأنسب اليوم هو: ما الذي يمنع أي تفاهم من الصمود لأكثر من بضعة أسابيع، وهل نحن أمام نمط بنيوي متكرر من التصعيد–الهدنة–الانهيار سيستمر ما لم تُعالَج أسبابه الجذرية؟

مقدمة

لم تعد المواجهة الأمريكية–الإيرانية في عام 2026 مجرد امتداد للنمط التقليدي القائم على العقوبات والردع غير المباشر عبر شبكات الوكلاء. فمنذ صباح السبت 28 فبراير 2026، دخلت المنطقة مرحلة حرب مباشرة معلنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، طالت ضرباتها الأولى طهران وشملت مواقع قرب القصر الرئاسي ومقار أمنية، وتردّدت في الساعات الأولى من مارس أنباء عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي أكّدتها لاحقًا وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية بعد نفي سابق، وأعلنت الدولة حدادًا لأربعين يومًا وعطلة وطنية لسبعة أيام.

وقد مرّت المواجهة منذ ذلك التاريخ بثلاث محطات رئيسية: الحرب المباشرة وإغلاق مضيق هرمز في فبراير-مارس 2026؛ وهدنة أبريل 2026 ومذكرة تفاهم يونيو 2026 التي حاولت تثبيت وقف إطلاق نار لستين يومًا مع ترتيبات لعودة الملاحة عبر هرمز، دون نشر نصها الكامل رسميًا؛ ثم انهيار هذه الترتيبات مطلع يوليو 2026 وعودة الضربات الأمريكية والحصار البحري، مع تقارير في نهاية يوليو الماضي عن نقاش داخل الإدارة الأمريكية حول توجيه ضربة إضافية واسعة لمنشآت الطاقة الإيرانية، واحتمال امتدادها لأيام متتالية. ومع بداية أغسطس 2026 أعلن ترامب إرجاء «الضربة الكبرى» رهنًا بإمكانية التوصل السريع لاتفاق.

وفي هذا السياق، تعيد الورقة صياغة السؤال المركزي: لم يعد السؤال هل ستندلع حرب إقليمية، فهذا وقع بالفعل، بل: لماذا تفشل كل محاولة احتواء خلال أسابيع، وهل توسّع ساحات المواجهة (قزوين، البحر الأحمر، شرق المتوسط) يعكس تصعيدًا مخططًا أم انزلاقًا تراكميًا يصعب على أي طرف إيقافه بمفرده؟

أولًا: بحر قزوين… من ساحة هامشية إلى نقطة تماس موثقة بين حربين

لم يعد بحر قزوين مجالًا منفصلًا عن صراعات الشرق الأوسط، بل أصبح نقطة تماس فعلية وموثقة بين الحرب الروسية–الأوكرانية والحرب الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية. ففي 25 يوليو 2026، أعلن جهاز الأمن الأوكراني تنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة بعيدة المدى استهدفت سفينتي الشحن «بورت أوليا-2» و«بيغي» اللتين ترفعان العلم الروسي وتديرهما شركتان روسيتان، إلى جانب سفينة حربية روسية من طراز «مشروع 12418» ومنصة نفط «فيلانوفسكي» التابعة لشركة لوك أويل الروسية. وبرر الجانب الأوكراني العملية بأن السفن استُخدمت لنقل شحنات عسكرية مرتبطة بإيران إلى روسيا، فيما أعلنت طهران مقتل بحار وإصابة آخر على متن سفينة إيرانية تدعى «آنا» كانت راسية قرب مصب نهر الفولغا، واستدعت وزارة الخارجية الإيرانية القائم بالأعمال الأوكراني احتجاجًا، وتابع وزير الخارجية عباس عراقجي القضية مع مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس.¹

ويرى باحثون عسكريون أوروبيون، من بينهم أردغ رايسنر من الأكاديمية العسكرية النمساوية، أن الهجوم لا يعني دخول أوكرانيا رسميًا طرفًا في الحرب الإيرانية، بل يندرج ضمن نمط أوسع من استهداف كييف للأصول البحرية الروسية في بحري آزوف وقزوين منذ مايو 2026 (استهداف نحو 200 سفينة وناقلة روسية)، لكنه اختار عمدًا إبراز البُعد الإيراني في الخطاب الإعلامي، وهو ما يحمل دلالة سياسية أكثر منها عسكرية: محاولة كييف لفتح جبهة ضغط إضافية على طهران بالتنسيق الضمني مع واشنطن وتل أبيب. ² كما أشار زيلينسكي إلى رصد أوكراني لتعاون استخباراتي روسي-إيراني، عبر تزويد طهران بصور أقمار صناعية روسية عن منشآت أمريكية وخليجية استُخدمت -بحسب الاتهام الأوكراني- في التخطيط لضربات إيرانية وتقييم أضرارها. ³

ويبقى الموقف الروسي أكثر حذرًا؛ فموسكو أدانت الهجمات على «اتحاد أنابيب بحر قزوين» في كازاخستان، لكنها تتجنب حتى الآن الانخراط المباشر في حرب موازية قد تستنزف مواردها العسكرية المنشغلة أصلًا في أوكرانيا. ويمثل بحر قزوين بذلك نموذجًا واقعيًا -لا افتراضيًا- لتحول الصراع من مواجهة محكومة جغرافيًا إلى شبكة تفاعلات أمنية عابرة للأقاليم تربط ساحتي الحرب الأوكرانية والحرب الإيرانية عند نقطة الإمداد اللوجستي.

ثانيًا: البحر الأحمر واليمن… من تهديد الملاحة الدولية إلى حصار حوثي معلن على السعودية

شهد البحر الأحمر تحولًا نوعيًا في طبيعة التهديد منذ 22 يوليو 2026، حين أعلنت جماعة الحوثي فرض «حصار بحري» على الملاحة السعودية تحديدًا -وليس على الملاحة الدولية عمومًا كما كان الحال في الجولات السابقة منذ 2023- ردًا على ما تصفه بـ«الحصار السعودي» على موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، وهو اتهام تنفيه الرياض. ⁴ وبحلول 5-6 أغسطس 2026، أعلنت الجماعة استهداف ثماني ناقلات نفط سعودية على الأقل بينها الناقلة «وفاء» قبالة سواحل ينبع، وإجبار 29 سفينة أخرى على التراجع، إلى جانب استهداف منشآت لنقل النفط داخل السعودية تربط حقول المنطقة الشرقية بمنافذ التصدير على البحر الأحمر. ⁵

وتكتسب هذه الجبهة خطورة مضاعفة لأن السعودية كانت قد حوّلت، منذ إغلاق مضيق هرمز عقب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية في فبراير 2026، نحو 70% من صادراتها النفطية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر عبر خط أنابيب الشرق-الغرب، لتجنب الاضطراب في هرمز. ⁶ ومع تحول البحر الأحمر نفسه إلى جبهة حصار، باتت المملكة تواجه إغلاقًا محتملًا شبه متزامن لممرّي تصديرها الرئيسيين، وهو ما دفعها للنظر في «خيارات عسكرية ودبلوماسية»، بما في ذلك تقارير عن ضربات صاروخية سعودية استهدفت مواقع في العراق ردًا على ما وُصف بأنه تجاوز خط أحمر جديد، وسط تقارير عن حصول ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على «ضوء أخضر» أمريكي لتوجيه ضربة للحوثيين. ⁷

وتكشف هذه المستجدات أن اختزال الحوثيين في كونهم مجرد أداة إيرانية ما زال قراءة ناقصة: فالجماعة -خلافًا لحزب الله والفصائل العراقية المدعومة من إيران- امتنعت إلى حد كبير عن الانخراط المباشر في الحرب نيابة عن طهران خلال المرحلة الأولى (فبراير-يونيو)، ولم تتحول إلى التصعيد الفعلي إلا في إطار مسار محلي يتعلق تحديدًا بالعلاقة مع الرياض وملف الحصار على اليمن، قبل أن يتقاطع هذا المسار المحلي مع السياق الإقليمي الأوسع للحرب مع إيران ويغذيه. ⁸ ويصف تحليل لشبكة CNN الوضع بأن «السعودية تُجَرّ إلى حرب حاولت يائسة تجنبها»، في إشارة إلى أن حسابات الرياض القائمة على الردع المنضبط بدأت تصطدم بحدود موضوعية مع اتساع رقعة استهداف مصالحها الحيوية. ⁹

ثالثًا: شرق المتوسط وقناة السويس… تكلفة اقتصادية موثقة لا افتراضية

لم يعد تأثر شرق المتوسط وقناة السويس بالحرب مجرد سيناريو محتمل، بل واقعًا اقتصاديًا موثقًا منذ الأيام الأولى للمواجهة. فقد حذّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 3 مارس 2026 -بالتزامن مع أنباء إغلاق مضيق هرمز- من خطورة إطالة أمد الحرب على حركة الملاحة العالمية عبر السويس،¹⁰ وأعلنت كبرى شركات الشحن العالمية (ميرسك الدنماركية، وسي إم إيه سي جي إم الفرنسية، وهاباغ لويد الألمانية) تعليق عبور بعض سفنها عبر القناة مؤقتًا، في وقت كانت فيه القناة تسعى أصلًا لاستعادة إيراداتها بعد خسارتها نحو 61% منها خلال 2024 جراء أزمة البحر الأحمر السابقة المرتبطة بحرب غزة.

وعلى المستوى السياسي، اتجهت القاهرة إلى تنسيق جماعي مكثف مع السعودية وتركيا وباكستان وقطر لاحتواء التصعيد ومنع اتساعه إلى ساحات جديدة، انطلاقًا من إدراكها أن أي تصعيد إضافي في الخليج أو هرمز أو البحر الأحمر سينعكس مباشرة على إيرادات القناة وحركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة والاقتصاد المصري ذاته.¹¹ ويُلاحظ محللون أن مصر -خلافًا لفاعلين إقليميين آخرين كالإمارات والسعودية اللذين يطوّران ممرات بديلة (العراق، سوريا، عُمان)- ليست بصدد البحث عن موقع جديد على الخريطة بقدر ما تحاول الدفاع عن قيمة موقعها التاريخي كحارسة لأقدم ممر مائي في المنطقة، وسط مؤشرات على غياب عقيدة مصرية معلنة وموحدة للتعامل مع تحول خريطة الممرات الإقليمية. ¹²

رابعًا: الموقف الأمريكي–الإسرائيلي… من المسارات النظرية إلى الاختبار الفعلي

أظهرت الأشهر الستة الأخيرة أن المسارات الثلاثة النظرية التي كانت تُطرح للتعامل مع إيران (التهدئة المدارة، الضغط الاقتصادي التدريجي، الضربة العسكرية الواسعة) لم تعد بدائل متمايزة بقدر ما أصبحت مراحل متعاقبة ومتكررة ضمن دورة واحدة: ضربة واسعة (فبراير 2026) ← هدنة (أبريل) ← مذكرة تفاهم أوسع (يونيو) ← انهيار واستئناف الحرب (يوليو) ← تهديد بضربة أوسع مع تأجيلها رهن التفاوض (أغسطس). وبحسب تقارير أمريكية، طُرحت خطة عسكرية لضرب منشآت الطاقة الإيرانية خلال اجتماع لمجلس الوزراء الأمريكي في كامب ديفيد نهاية يوليو 2026، وسط معارضة من بعض مساعدي البيت الأبيض المعنيين بالشؤون السياسية، وتصريح لترامب قال فيه: «سنضربهم بقوة شديدة، وفي مرحلة ما سيقولون لم نعد قادرين على التحمل».

وفي المقابل، أكد ترامب مطلع أغسطس 2026 أنه سيرجئ أي هجوم جديد طالما أمكن التوصل سريعًا إلى اتفاق يوقف طموحات إيران النووية ويعيد فتح مضيق هرمز، فيما اعتبر مسؤول دفاعي إيراني أن التهديدات الأمريكية «حرب نفسية وذهنية» تتعامل معها طهران بجدية دون أن تنجرّ إليها. ¹³ ومع انهيار هدنة أبريل، قفزت العقود الآجلة لخام برنت 24%، ما يعكس أن الأسواق ذاتها لم تعد تعامل مسار التهدئة باعتباره الخيار الأقرب للاستقرار. الخلاصة العملية هنا أن المسار الذي تتبعه واشنطن ليس اختيارًا بين ثلاثة بدائل، بل إدارة متأرجحة بين ضغط عسكري متقطع وتفاوض هش، دون قدرة واضحة حتى الآن على تثبيت أي منهما.

خامسًا: من «حرب الظل» إلى حرب معلنة متكررة الانهيار

يتجاوز الواقع الراهن مفهوم «حرب الظل الموسعة» الذي افترضته القراءات المبكرة للأزمة؛ فما جرى منذ فبراير 2026 لم يكن حربًا بالوكالة مقنّعة، بل مواجهة مباشرة ومعلنة بين جيوش نظامية، تخللتها فترات هدنة قصيرة الأمد ومتكررة الانهيار. أما عنصر «الوكالة» فبقي حاضرًا بقوة على هامش الحرب المباشرة: الحوثيون في اليمن حافظوا على استقلالية نسبية في توقيت تصعيدهم (ارتبط بملف السعودية-اليمن أكثر من ارتباطه المباشر بإيران)، بينما لعبت أوكرانيا دورًا غير متوقع في بحر قزوين باستهداف خطوط إمداد روسية-إيرانية ضمن حساباتها الخاصة مع موسكو لا مع طهران.

وتكمن الخطورة الأساسية في تعدد الفاعلين شبه المستقلين (الحوثيون، أوكرانيا، فصائل عراقية محتملة) الذين قد تدفعهم حساباتهم المحلية إلى قرارات تصعيدية تُقحم القوى الكبرى في ردود فعل استراتيجية لم تكن تخطط لها، وهو ما يفسر بدقة كيف تحوّل حصار حوثي محلي على السعودية إلى ورقة ضغط إقليمية واسعة خلال أسابيع معدودة.

سادسًا: السيناريوهات المستقبلية — قراءة مُعادة الصياغة بعد وقوع الحرب

بخلاف القراءات المبكرة التي صنّفت اندلاع حرب مباشرة كسيناريو منخفض الاحتمال (نحو 20%)، فإن هذا السيناريو تحقق بالفعل مرتين خلال ستة أشهر (فبراير ويوليو 2026). لذلك تُعاد صياغة السيناريوهات هنا لتعكس أننا لسنا أمام احتمال «هل تقع الحرب» بل أمام تكرار دورة قائمة فعلًا، مع تقدير الاحتمالات النسبية للمسار القادم:

السيناريو الأول (الأكثر ترجيحًا، نحو 40%): استمرار دورة «تصعيد-هدنة هشة-انهيار» استمرار النمط الذي ساد منذ فبراير: ضربات محدودة أو موسعة، تليها هدنة أو تفاهم غير مكتمل النصوص، ثم انهياره خلال أسابيع إلى أشهر بسبب خلافات على التنفيذ (كما حدث في يونيو-يوليو). هذا السيناريو لا يفترض استقرارًا بل تذبذبًا مستمرًا بين طوري القتال والتهدئة، مع بقاء هرمز والبحر الأحمر ساحتي ضغط دائمتين.

السيناريو الثاني (نحو 30%): اتساع الساحات دون تصعيد جديد من النوع الأول توسع الجبهات الثانوية (البحر الأحمر بين السعودية والحوثيين، بحر قزوين بين أوكرانيا وإيران) بشكل يزيد من تعقيد الأزمة ويرفع تكلفتها الاقتصادية دون بالضرورة تصعيد جديد للحرب المباشرة الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية إلى مستوى فبراير 2026.

السيناريو الثالث (نحو 20%): ضربة أمريكية-إسرائيلية واسعة جديدة على منشآت الطاقة الإيرانية تفعيل الخطة التي نوقشت في كامب ديفيد نهاية يوليو 2026، باستهداف مباشر لمنشآت الطاقة، ما قد يستدعي ردًا إيرانيًا واسعًا عبر هرمز والوكلاء الإقليميين، ويعيد إنتاج سيناريو فبراير 2026 بحدة مماثلة أو أكبر.

السيناريو الرابع (نحو 10%): تفاهم شامل ومستقر يصمد لأكثر من 60 يومًا نجاح وساطة تفضي إلى ترتيبات تشمل قيودًا على البرنامج النووي وضمانات أمنية لممرات هرمز وباب المندب والسويس، مع آلية تنفيذ ورقابة تتجاوز هشاشة مذكرة يونيو 2026 التي انهارت خلال أسابيع من توقيعها.

سابعًا: مؤشرات الإنذار المبكر

تشمل المؤشرات الواجب رصدها حاليًا: استمرار أو توقف الحصار الحوثي على الناقلات السعودية وعدد السفن المستهدفة أسبوعيًا؛ مسار المفاوضات الأمريكية-الإيرانية بشأن مضيق هرمز وملف التخصيب؛ أي تحرك سعودي عسكري مباشر ضد الحوثيين أو أهداف مرتبطة بإيران في العراق؛ استمرار الضربات الأوكرانية في بحر قزوين ومدى ردّ إيران عليها بشكل مباشر؛ حركة الأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة تحسبًا لضربة موسعة على منشآت الطاقة؛ ومسار أسعار النفط وتأمين الشحن كمقياس اقتصادي مباشر لمنسوب المخاطرة السوقية.

ثامنًا: التوصيات الاستراتيجية

أولًا، للدول الخليجية وعلى رأسها السعودية: تطوير آلية إنذار مبكر ثنائية مع اليمن الرسمي بمعزل عن الحوثيين، مع تسريع تنويع منافذ التصدير النفطي بما يتجاوز الاعتماد الثنائي على هرمز وباب المندب معًا. ثانيًا، لمصر: صياغة عقيدة معلنة وموحدة تجاه أمن الممرات البحرية الإقليمية، بدلًا من التحرك التنسيقي التفاعلي فقط، نظرًا لأن استمرار الغموض في الموقف المصري يضعف قدرتها على التموضع كوسيط. ثالثًا، للأطراف الدولية (الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة): إعادة تفعيل آليات مراقبة الملاحة في البحر الأحمر (مثل مهمة أسبيدس الأوروبية) بولاية أوسع تشمل حماية السفن السعودية تحديدًا، لا الملاحة الدولية العامة فحسب. رابعًا، لصناع القرار الأمريكيين: أي تفاهم جديد مع إيران يجب أن يتضمن آلية تنفيذ ورقابة معلنة وشفافة (خلافًا لمذكرة يونيو 2026 التي لم يُنشر نصها الكامل)، لأن غياب الشفافية كان أحد أسباب سرعة انهيارها.

الخاتمة

تكشف تطورات ستة أشهر من فبراير حتى أغسطس 2026 أن المنطقة لم تعد في مرحلة «هل تتوسع دائرة الحرب» بل في مرحلة تكرار الحرب ذاتها بأشكال متعاقبة: حرب مباشرة، هدنة هشة، انهيار، تهديد بحرب جديدة. وقد اتسعت ساحات المواجهة بالفعل لتشمل بحر قزوين (تقاطع موثق مع الحرب الأوكرانية) والبحر الأحمر (تحول من تهديد عام للملاحة إلى حصار حوثي معلن ومحدد ضد السعودية) وشرق المتوسط (تعطل موثق وليس افتراضيًا لحركة قناة السويس).

الخطر الأساسي اليوم ليس رغبة أي طرف في حرب شاملة جديدة، بل غياب آلية تنفيذ موثوقة لأي تفاهم يُعقد، وتعدد الفاعلين شبه المستقلين (الحوثيون تجاه السعودية، أوكرانيا تجاه الإمداد الروسي-الإيراني) الذين قد تقودهم حساباتهم المحلية إلى قرارات تصعيدية تتجاوز نوايا اللاعبين الرئيسيين. وعليه، فإن السؤال الأكثر دقة للمرحلة القادمة هو: هل يمكن تصميم تفاهم قادم (إن وُجد) بآلية تنفيذ ورقابة تتجاوز هشاشة مذكرة يونيو 2026، أم أن دورة التصعيد-الانهيار ستتكرر مرة ثالثة خلال الأشهر المقبلة؟

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M