في السنوات الأخيرة، بدا أن هوليوود قد وقعت في هوس جديد: سلالات الأعمال العائلية، خصوصًا تلك التي تقف على حافة الانهيار.
لم يعد الأمر مقتصرًا على مسلسل “Succession” الذي تناول صراع ورثة إمبراطورية إعلامية مستلهمة من عائلة مردوخ، بل امتد إلى أعمال أخرى مثل “La Maison” الذي نقل الدراما إلى عالم الموضة الفرنسية اللامع، وحتى إعادة إنتاج مسلسل “Dynasty” الذي أعاد إحياء صراعات الثروة والنفوذ في قطاع الطاقة.
لكن خلف هذه القصص الدرامية، تكمن حقيقة يغفل عنها كثيرون في عالم الشركات: الأعمال العائلية ليست هامشًا في الاقتصاد، بل تمثل في كثير من الأحيان جوهره.

الشركات العائلية
تشير التقديرات إلى أن الشركات العائلية تمثل نحو ثلثي إجمالي الشركات حول العالم، وتسهم بنسبة مماثلة تقريبًا في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفقًا لبيانات شركات استشارية كبرى.
ورغم أن معظم هذه الشركات صغيرة الحجم، فإن بعضها يقف ضمن أكبر الكيانات الاقتصادية عالميًا، ولا تزال تخضع بدرجات متفاوتة لسيطرة العائلات المؤسسة. وتشير تحليلات لبيانات شركات مدرجة إلى أن نحو ربع الشركات الكبرى المدرجة عالميًا يمكن تصنيفها كشركات عائلية، وفق تعريف يشترط امتلاك العائلة لما لا يقل عن 20 % من الأسهم أو حقوق التصويت، مع حدوث انتقال واحد على الأقل للقيادة بين الأجيال.
لحظة حاسمة
اليوم، تقف هذه الشركات أمام لحظة حاسمة. ففي الغرب، يقترب جيل الطفرة السكانية” من سن التقاعد أو تجاوزه بالفعل، ما يعني أن موجة ضخمة من انتقال السلطة باتت وشيكة.
وفي آسيا، خاصة في الصين حيث ازدهرت الشركات الخاصة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وكذلك في دول أخرى شهدت موجات ريادة أعمال عقب الاستقلال، يلوح في الأفق استحقاق مشابه. وإذا أُديرت هذه التحولات بشكل سيئ، فقد تكون لها تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي.
رغم عقود من الدراسات، لم يتوصل الباحثون إلى إجماع واضح حول أداء الشركات العائلية مقارنة بغيرها، إذ يبدو أن عوامل مثل القطاع، وحجم الشركة، والجغرافيا تلعب دورًا حاسمًا، كما أن معايير القياس المختلفة تعطي نتائج متباينة. لكن تحليلًا لبيانات نحو 1600 شركة غير مالية مدرجة في الأسواق الرئيسية بأمريكا وأوروبا وآسيا، يشير إلى أن الشركات العائلية حققت عوائد للمساهمين، بما في ذلك توزيعات الأرباح، مماثلة تقريبًا لنظيراتها العامة خلال العقدين الماضيين، وإن كان ذلك مع تفاوت ملحوظ بين القطاعات والدول والفترات الزمنية.
عيوب واضحة
لا تخلو هذه الشركات من عيوب واضحة. فالكثير منها لا يزال يفضل تعيين أحد أفراد العائلة في المناصب القيادية العليا، وهو ما شبهه المستثمر الشهير وارن بافيت بمحاولة اختيار أبناء الفائزين بالميداليات الذهبية الأولمبية للمنافسة في الجيل التالي، وكأن التفوق يُورث بالضرورة. ومع ذلك، تتمتع الشركات العائلية بميزتين رئيسيتين تساعدانها على النجاح في ظروف معينة.
الميزة الأولى هي قدرتها الفائقة على بناء العلاقات والحفاظ عليها. فشبكات العلاقات تنتقل بين الأجيال كما لو كانت إرثًا عائليًا، والأسماء العائلية تمنح ثقة يصعب اكتسابها بوسائل أخرى.
ويُعتقد أن هذا العامل يفسر انتشار الشركات العائلية في قطاعات مثل التجزئة والسلع الاستهلاكية، حيث تلعب الثقة دورًا حاسمًا في العلاقة مع العملاء والموردين. وفي بعض العينات، تمثل الشركات العائلية أكثر من ثلث الشركات العاملة في هذه القطاعات.

المحاباة والمحسوبية
بطبيعة الحال، قد تنقلب هذه الميزة إلى عبء إذا تحولت إلى محاباة أو محسوبية. لكن في الأسواق الناشئة، حيث المؤسسات الرسمية قد تكون ضعيفة، تصبح شبكات الثقة هذه ضرورية لنجاح الأعمال.
في بيئات تفتقر إلى أنظمة مالية متطورة أو أسواق رأسمالية قوية، يمكن لاسم العائلة أن يسهل الوصول إلى التمويل أو إبرام الصفقات. وهذا يفسر حضور الشركات العائلية القوي في أسواق مثل الهند وجنوب شرق آسيا، وكذلك استمرار هيمنتها في اقتصاديات مثل كوريا الجنوبية.
الميزة الثانية تتمثل في النظرة طويلة الأجل. على عكس الشركات التي تركز على النتائج الفصلية، يميل أصحاب الشركات العائلية إلى التفكير عبر الأجيال.
هذا قد يجعلهم أكثر تحفظًا، حيث تشير بعض الدراسات إلى أنهم يفضلون الاستثمار في الأصول الملموسة على حساب البحث والتطوير.
في بعض القطاعات سريعة التغير، قد يتحول هذا التمسك بالتقاليد إلى نقطة ضعف، لكن في حالات أخرى، يشكل مصدر قوة، كما يظهر في نجاح العلامات الفاخرة العائلية التي حافظت على هويتها عبر الزمن.
نهج محافظ
هذا النهج المحافظ قد يكون مفيدًا بشكل خاص خلال فترات الأزمات. فقد أظهرت دراسات أن الشركات العائلية تفوقت على غيرها خلال الأزمة المالية العالمية بين 2007 و2009، وكذلك خلال جائحة كوفيد-19.
ورغم أنها تكبدت خسائر مشابهة في بداية الصدمات، فإنها تعافت بشكل أسرع، ويرجع ذلك جزئيًا إلى اعتمادها على مستويات دين أقل واحتفاظها بسيولة أكبر.
لكن التحدي الأكبر الذي يواجه هذه الشركات يظل في إدارة انتقال القيادة بين الأجيال. فالتاريخ مليء بأمثلة عن ورثة غير مؤهلين قادوا شركات مزدهرة إلى الانهيار.
كما أن غياب التخطيط المسبق قد يؤدي إلى نزاعات عائلية مكلفة، خاصة في ظل عدم وجود وصايا واضحة أو ترتيبات قانونية محددة.
المقلق أن العديد من الشركات العائلية تبدو غير مستعدة لهذه المرحلة. فوفقًا لتقديرات شركات استشارية، لا تمتلك سوى نسبة محدودة من الشركات العائلية خططًا واضحة للخلافة.
ويزيد من تعقيد المشهد أن بعض العائلات لا تواجه فائضًا في الورثة، بل نقصًا، سواء بسبب عدم وجود أبناء، أو بسبب عزوف الجيل الجديد عن تحمل المسؤولية.

أساليب مبتكرة
لمواجهة هذه التحديات، تلجأ بعض العائلات إلى أساليب مبتكرة لتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بالشركة منذ الصغر، مثل تعريف الأطفال بتاريخ العائلة أو إشراكهم في الأنشطة المرتبطة بالأعمال. وعند بلوغهم سن الرشد، يتم اختبار قدراتهم من خلال تكليفهم بمشروعات مستقلة أو إرسالهم لاكتساب الخبرة في بيئات مختلفة.
ومع ذلك، يتزايد الإدراك بأن التخطيط للخلافة يجب أن يكون أكثر احترافية وتنظيمًا. فقد ازدهرت الخدمات الاستشارية المتخصصة في هذا المجال، لكن كثيرًا من العائلات لا تلجأ إليها إلا في اللحظات الأخيرة، عندما يصبح الوقت ضيقًا والخيارات محدودة.
تحول تدريجي
في بعض الحالات، قد تضطر الشركات العائلية إلى تعيين مديرين من خارج العائلة، سواء بشكل مؤقت أو دائم.
وتشير البيانات إلى أن نسبة كبيرة من الشركات التي تتخذ هذا المسار تستمر فيه لاحقًا، ما يعني تحولًا تدريجيًا نحو الإدارة الاحترافية.
وفي حالات أخرى، قد يمتد التغيير ليشمل الملكية نفسها، سواء من خلال الطرح العام في البورصة أو البيع لمستثمرين خارجيين.
بالفعل، تشير استطلاعات حديثة إلى تزايد عدد الورثة الذين لا يستبعدون بيع حصصهم، سواء بدافع التحرر من المسؤوليات العائلية أو بسبب الضغوط المالية مثل الضرائب.
وقد تلجأ بعض الشركات إلى إدراج أسهمها في الأسواق المالية مع الاحتفاظ بهياكل تصويت تمنح العائلة السيطرة، وهو ما قد يثير قلق المستثمرين.
مفترق طرق
في نهاية المطاف، تبدو الشركات العائلية أمام مفترق طرق تاريخي. فالموجة القادمة من انتقال السلطة قد تعيد تشكيل جزء كبير من الاقتصاد العالمي.
وبينما ستنجح بعض العائلات في إدارة هذه المرحلة بسلاسة، قد تجد أخرى نفسها مضطرة للتخلي عن إرثها.
وفي كلتا الحالتين، يبدو أن الدراما التي جذبت انتباه هوليوود لن تختفي قريبًا—بل ربما تنتقل من الشاشات إلى الواقع بوتيرة أسرع مما يتوقعه كثيرون.