تَجاوُز ثنائية «برخان» و«فاغنر»: الاتجاهات الجديدة للتنافس العسكري الفرنسي-الروسي في أفريقيا جنوب الصحراء

  • إثر إعلان فرنسا انتهاء عملية “برخان” في نوفمبر 2022، وبعد تبنِّي روسيا مراجعة شاملة لوضع مجموعة فاغنر في 2023، ظهرت معالم اتجاهات جديدة للتنافس الفرنسي-الروسي في أفريقيا جنوب الصحراء، على مستوى التوجهات الاستراتيجية، وطبيعة الانتشار العسكري براً وبحراً.
  • تتجه فرنسا نحو إعادة هيكلة حضورها العسكري في أفريقيا بالتركيز على الفاعلية لا الحجم، والتحوّل من منطق “القواعد العسكرية الأحادية” إلى منطق “القواعد المُدارَة بصورة مشتركة” بين فرنسا والدول الأفريقية المستضيفة، لاسيما في منطقة خليج غينيا.
  • تسعى روسيا لاستعادة التوازن في انتشارها العسكري في أفريقيا، بحيث تحافظ على مزايا مقاربة التدخل الهجين التي تتجاوز قيود الحضور العسكري الرسمي، من دون تكرار مشكلة الاعتماد على الشركات العسكرية الخاصة، والتي كشف عنها تمرد مجموعة فاغنر صيف 2023.
  • نظراً لتوافر قيود مُعيقَة لتصعيد التنافس العسكري الفرنسي-الروسي في أفريقيا وتحوّله لمواجهة مباشرة أو غير مباشرة، وصعوبة حصول تهدئة مُستدامة بينهما، فإن استمرار التنافس العسكري بين القوتين في المدى المنظور يظل مُرجَّحاً، لكن بصورة أكثر انضباطاً تتناسب مع حقبة ما بعد “برخان” و”فاغنر”.

 

غدا التنافس العسكري الفرنسي الروسي في أفريقيا مُتغيَّراً رئيساً بإمكانه صياغة المشهد الأمني في القارة بأسرها، بما يفرضه من تحولات على مستوى التنافس بين الطرفين، وعلى مستوى الوجود العسكري الأجنبي في أفريقيا، وعلى مستوى الشركاء العسكريين من الدول الأفريقية.

 

وفي خلال مدة تجاوزت العشرة أعوام، تَصدَّر كلٌّ من فرنسا وروسيا المشهد الأفريقي، باعتبارهما القوتين العسكريتين الأجنبيتين الأكثر حضوراً ونشاطاً هناك؛ ففي عام 2012 أطلقت فرنسا العملية “سرفال”، ومن بعدها العملية “برخان” لمكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي، عبر حضور عسكري مكثف. وفي عام 2013 أصدرت روسيا وثيقة “مفهوم السياسة الخارجية للاتحاد الروسي” التي أبرزت اهتمام موسكو بالعودة للنشاط في القارة الأفريقية، وفي العام التالي تأسست مجموعة فاغنر الأمنية الخاصة، التي شكلت الذراع الروسية الأكثر فاعلية في أفريقيا منذ عام 2017، وتكثَّف نشاطها هناك في ساحات عدة.

 

لكن إثر إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انتهاء عملية “برخان” في نوفمبر 2022، وبعد تبنِّي روسيا مراجعة شاملة لوضع مجموعة فاغنر، عقب تمرد قوات المجموعة في يونيو 2023، ومقتل قائدها يفغيني بريغوجين في أغسطس، ظهرت معالم اتجاهات جديدة للتنافس الفرنسي-الروسي في أفريقيا جنوب الصحراء، على مستوى التوجهات الاستراتيجية، وطبيعة الانتشار العسكري براً وبحراً.

 

تستكشف الورقة هذه الاتجاهات الجديدة، والآفاق المستقبلية المحتملة للتنافس العسكري والأمني بين روسيا وفرنسا في الساحة الأفريقية.

 

التوجهات الاستراتيجية الجديدة

1. إعادة هيكلة الحضور العسكري الفرنسي في أفريقيا بالتركيز على الفاعلية لا الحجم

في نهاية فبراير 2023 أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن الاستراتيجية الفرنسية الجديدة في أفريقيا، والتي كانت أبرز دعائمها تقليص حجم الانتشار العسكري الفرنسي في القارة، والتركيز على تقليص العناصر العسكرية في القواعد الثلاث الرئيسة المطلة على المحيط الأطلنطي؛ في السنغال وساحل العاج، والجابون.[1] وبحلول نهاية يناير 2024 شهدت الخطة الفرنسية تقدُّماً ملموساً على مستوى التنفيذ باتجاه هدفها النهائي، المتمثل في بقاء نحو 100 عنصر عسكري فرنسي فقط في كلٍّ من قواعد داكار وأبيدجان وليبرفيل. ولا تعني الخطة الفرنسية لتقليص الانتشار العسكري تبنّي باريس توجهاً استراتيجياً بالانسحاب من القارة الأفريقية، لكن هذه التطورات تشير إلى عملية إعادة هيكلة عميقة للوجود العسكري في أفريقيا جنوب الصحراء بشكل أساسي، ويعكس ذلك مؤشرات، من قبيل:

 

  • التحوّل من منطق “القواعد العسكرية الفرنسية الأحادية” إلى منطق “القواعد العسكرية المدارة بصورة مشتركة Co-Managed” بين فرنسا والدول الأفريقية المستضيفة، وهو توجهٌ يتسم بأنَّه أقل تكلفة وأكثر فاعلية.
  • الإعلان عن أولوية التوسع في تأسيس أكاديميات عسكرية للتدريب، وبناء قدرات الشركاء الأفارقة، والتي ستكون أولاها في ساحل العاج.
  • عدم المساس بالقوات الفرنسية في جيبوتي وتشاد، والتي تضم كل منهما نحو 1500 عنصر.

 

2. مأسسة الحضور العسكري الروسي عبر الفيلق الأفريقي African Corps

تسعى روسيا، من جهتها، لاستعادة التوازن في انتشارها العسكري في أفريقيا، بحيث تحافظ على مزايا مقاربة التدخل الهجين التي تتجاوز قيود الحضور العسكري الرسمي، من دون تكرار مشكلة الاعتماد على الشركات العسكرية الخاصة، والتي كشف عنها تمرد مجموعة فاغنر صيف 2023. ففي نوفمبر 2023 أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن إطلاق وحدة جديدة تحمل اسم“الفيلق الأفريقي”، والذي بدأ عمله في أعقاب زيارة نائب وزير الدفاع الروسي، يونس-بك ييفكوروف، لليبيا، مطلع ديسمبر 2023، مع إقرار مسؤولية الحرس الوطني الروسي (روسجفارديا) عن أنشطة جميع القوات الروسية في الخارج، وإخضاع العناصر الملتحقة بالفيلق الأفريقي لإشراف مباشر من وزارة الدفاع. [2]

 

الانتشار العسكري البري

1. تركيز فرنسا على دول خليج غينيا

انعكست الانسحابات الفرنسية المتتالية من أفريقيا الوسطى ومالي وبوركينا فاسو والنيجر بصورة مباشرة على بروز الأهمية الاستراتيجية لتعزيز الحضور الفرنسي في قواعدها الأساسية في السنغال وساحل العاج والجابون، عبر اعتماد استراتيجية تقوم على تقليص أعداد العناصر الفرنسية مع تعميق مظاهر التعاون مع الشركاء الأفارقة من دول خليج غينيا بصورة نوعية غير مسبوقة. ويأتي هذا التركيز على دول خليج غينيا في ظل مساعي فرنسا لتثبيت حضورها في كل من تشاد وموريتانيا من دون فرص واعدة لتعزيزه.

 

كما اتجهت فرنسا لتعزيز علاقاتها العسكرية بعدد من الدول الأخرى المطلة على خليج غينيا، حيث تتولى قوات النخبة الفرنسية مسؤولية تدريب نظيرتها في توجو منذ نهاية عام 2022، بالتركيز على مهام مكافحة الإرهاب. كذلك شهدت العلاقات العسكرية بين فرنسا وبنين تطوراً لافتاً في نهاية سبتمبر 2023، إذ قدمت وزارة الدفاع الفرنسية مساعدات بقيمة 11,7 مليون يورو في صورة تعاقدات لإمداد بنين بنظام للمراقبة والاستخبارات والاستطلاع باستخدام المُسيَّرات الفرنسية. وقد أعقب هذا التطور زيارة رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسي الجنرال تييري بوركهارد لكوتونو في ديسمبر 2023 لمناقشة تطوير التعاون العسكري في المستقبل القريب.

 

2. تركيز روسيا على الحضور في دول الساحل الأفريقي عبر قواعد عسكرية مستقرة

وفق دراسة مؤسسة راند الأمريكية، فإن الشركات العسكرية الروسية الخاصة تنشط في أفريقيا منذ عام 2005، وهو ما سمح لروسيا بالحضور عسكرياً في عدد كبير من دول القارة الأفريقية من ليبيا شمالاً حتى موزمبيق جنوباً. وفي الوقت الحالي يشهد الانتشار العسكري الروسي في أفريقيا اتجاهاً للتركيز على عدد من الدول الرئيسة المتجاورة والمتصلة جغرافياً على النحو الآتي:

 

أفريقيا الوسطى: في يناير 2024 أبدا فيديل نجوانديكا، مستشار رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى، رغبة بلاده واستعدادها لاستضافة قاعدة عسكرية روسية على أراضيها، مُعلناً تخصيص قطعة أرض بمساحة 80 كيلو متر مربع غرب العاصمة بانجي، تتسع لنحو 10 آلاف عسكري روسي.

 

مالي: في سبتمبر 2023 رصدت الأقمار الاصطناعية تسارع الأعمال الإنشائية في القاعدة التي استخدمتها قوات فاغنر مركزاً للقيادة في مطار موديبو كيتا الدولي في العاصمة باماكو، الأمر الذي يشير لاحتمالات قائمة لتطوير الحضور العسكري الروسي في مالي، كمَّاً ونوعاً.

 

بوركينا فاسو: استقبلت بوركينا فاسو في يناير 2024 بالفعل 100 عنصر من عناصر الفيلق الأفريقي، في أول مظاهر التحولات الجديدة لطبيعة الانتشار العسكري الروسي في أفريقيا، كما يتوقع إيفاد نحو 200 عنصر إضافي خلال أسابيع مع وجود فرصة لحصول روسيا على قاعدة مستقرة في البلاد.

 

النيجر: تتجه العلاقات بين روسيا والنيجر لمزيد من التطور بعد زيارة علي الأمين زين رئيس وزراء النيجر إلى موسكو، منتصف يناير 2024، بصحبة وفد عسكري ضم وزير الدفاع ساليفو مودي، والتي تخللها عقد لقاءات عسكرية رفيعة شهدت توافق الجانبين على تكثيف العمل المشترك.

 

استخدمت روسيا مجموعة فاغنر مدخلاً لتطوير حضورها الأمني والعسكري وتعزيز نفوذها السياسي في القارة الأفريقية (AFP)

 

الانتشار العسكري البحري

1. تنامي مؤشرات الحضور العسكري البحري الفرنسي في المحيطين الهندي والأطلنطي

تحتفظ فرنسا بموقعين مهمين في غرب المحيط الهندي تحت سيادتها، باعتبارهما جزءاً من الأقاليم الفرنسية وراء البحار؛ أولهما في جزيرة مايوت القريبة من جزر القمر، والتي تحتفظ فيها فرنسا بقوات لا تقل عن 300 عنصر عسكري، والثاني في جزيرة ريونيون الواقعة شرق مدغشقر، والتي تحتفظ فيها فرنسا بنحو 1300 عنصر عسكري، مع وجود دائم لفرقطاتين مختصتين بأعمال المراقبة.

 

وتملك فرنسا أيضاً حضوراً عسكرياً قوياً في جيبوتي عبر قاعدتها الرئيسة في العاصمة، والتي تضم قوات برية وجوية وبحرية، يتراوح عدد عناصرها بين 1500 إلى 2000 عنصر حسب احتياجات التشغيل. وقد سمح هذا الوجود المكثف لفرنسا بأن تكون من بين أوائل دول العالم استجابة للمهددات الأمنية الجديدة التي فرضتها هجمات الحوثيين على السفن التجارية في المدخل الجنوب للبحر الأحمر منذ ديسمبر 2023، حيث نجحت في اعتراض عدد من المسيرات المنطلقة من اليمن.

 

وعلى الجانب الآخر، تنشط فرنسا عسكرياً بقوة في منطقة خليج غينيا شرق المحيط الأطلنطي، من خلال استمرار العملية كرويمب Operation CORYMBEالتي أُطلِقَت عام 1990، والتي تسمح لفرنسا بنشر قطعها البحرية في المياه الإقليمية لدول خليج غينيا. وقد تنامى هذا النشاط مؤخراً؛ ففي سبتمبر 2023 أوفدت فرنسا حاملة المروحيات من طراز ميسترال إلى ميناء كوتونو في بنين، ومن بعده لاجوس النيجيري لإجراء تدريبات بحرية مشتركة، والقيام بمهام المراقبة والاستطلاع في منطقة خليج غينيا.

 

2. استمرار محاولات روسيا لإيجاد موطئ قدم لحضور عسكري بحري شرق القارة الأفريقية

عدَّدت وثيقة العقيدة البحرية الروسية الصادرة في يوليو 2022، في مادتها الخامسة عشرة، المناطق محل الاهتمام، والتي شملت مسارات الملاحة البحرية العالمية، بما في ذلك القريبة من السواحل الأفريقية. وبهذا أصبح من بين الأولويات الروسية العسكرية في أفريقيا الحضور عبر قواعد ارتكاز قوية على الساحل الشرقي للقارة الأفريقية، بوصفه امتداداً طبيعياً للوجود الروسي العسكري في شرق المتوسط، وآليةً لتعزيز المصالح الروسية عالمياً.

 

وقد تجسَّد هذا التوجه في محاولات روسية منذ عام 2017 للحصول على قاعدة بحرية في بورتسودان بعد تفاهمات مع الرئيس عمر البشير، استمرت بعد سقوطه عام 2019، وصولاً إلى الإعلان عن إتمام مجلس السيادة مراجعة كافة بنود الاتفاق الثنائي بشأن تأسيس قاعدة بحرية روسية في السودان في فبراير 2023 على هامش زيارة وزير الخارجية السوداني لموسكو، وهو ما تعطَّل تنفيذه بسبب اندلاع الصراع في السودان.

 

وفي جنوب غرب المحيط الهندي، سبق لروسيا أن استخدمت مجموعة فاغنر في دعمها العسكري لحكومة موزمبيق عام 2019 في مواجهة الإرهاب المتمدد في منطقة كابو دلجادو الساحلية، ليكون ذلك مدخلاً لتطوير حضورها إلى وجود عسكري مستقر جنوب غرب المحيط الهندي. كما تحرص روسيا على الوجود في هذه المنطقة المهمة بأدوات متنوعة مثلما ظهر في فبراير 2023 باستضافة جنوب أفريقيا في مياهها الإقليمية في المحيط الهندي، التدريب البحري الثلاثي الذي جمع بحريتها بالبحريتين الروسية والصينية.

 

التفاعل الفرنسي والروسي مع الحضور العسكري الدولي في أفريقيا

1. ارتفاع مؤشرات التنافس بين فرنسا ودول حلف الناتو في أفريقيا

إلى جانب ما فرضه الحضور العسكري الروسي المتنامي من ضغوط، شهدت السنوات الأخيرة منافسة لفرنسا من جانب حلفائها من أعضاء حلف الناتو، على نحو ما قامت به تركيا، وإيطاليا من توسيع لحضورهما العسكري في الساحل، بالتوازي مع التراجع الفرنسي. فضلاً عن الخبرة السلبية لقوة تاكوبا Takuba Task Force التي أطلقها الاتحاد الأوروبي عام 2020 لتعزيز الأمن في الساحل بقيادة القوات الفرنسية، والتي أنهت نشاطها بعد عامين في ظل محدودية الاستجابة من الدول الرئيسة مثل ألمانيا، التي اقتصر وجودها على جانب التدريب.

 

أضيف لذلك، الاستجابة الأمريكية الهادئة لانقلاب النيجر في يوليو 2023، والتي أعاقت الجهود الفرنسية لإطلاق تدخل عسكري إقليمي لإعادة الرئيس بازوم للسلطة، في ظل استمرار القواعد العسكرية الأمريكية في النيجر في أداء دور رئيس في إطلاق المسيرات التابعة للقيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) ،والتي يستقر فيها أكثر من 1100 عنصر عسكري أمريكي.

 

2. صعوبة بناء روسيا تحالف عسكري دولي في أفريقيا

يشكل الحضور الروسي العسكري في أفريقيا تهديداً للمصالح الأمريكية وفق ما تعلنه القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، في كل بياناتها ووثائقها الصادرة في الأعوام الأخيرة. وإلى جانب ما تشكله الولايات المتحدة من مصدر للضغط بحكم اتساع مظاهر حضورها العسكري في أفريقيا، باتت روسيا تواجه منافسة متنامية في أفريقيا من دول حلف الناتو، وكذلك من خارج الحلف. فهناك الصين، التي أظهرت تبايناً مع روسيا في منطق  الحضور العسكري في أفريقيا؛ فبينما ساهمت الأذرع الروسية العسكرية في تأجيج الاستقطاب والاضطرابات في عدد من دول القارة، تستهدف الصين في المقام الأول الحفاظ على الأوضاع المستقرة لحماية مصالحها الاقتصادية. كما تبدو الصين مستفيدة من التراجع المطرد في مبيعات السلاح الروسي للدول الأفريقية بسبب العقوبات الاقتصادية الغربية، وبسبب ارتفاع الطلب المحلي منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تسعى بيجين لتوسيع حصتها من مبيعات السلاح للدول الأفريقية. ولا يعني هذا الوضع دخول روسيا والصين في منافسة عسكرية في أفريقيا، وإنما يعكس صعوبة في ارتفاع مستوى التنسيق بين مصالحهما وصولاً لتكامل حقيقي.

 

تتجه فرنسا نحو إعادة هيكلة حضورها العسكري الفرنسي في أفريقيا بالتركيز على الفاعلية لا الحجم (AFP)

 

السيناريوهات المحتملة

هناك مجموعة من العوامل والمحددات التي تُرجِّح السيناريو الأكثر احتمالاً لمستقبل التنافس العسكري الفرنسي الروسي في أفريقيا، وتشمل الآتي:

 

  • تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
  • التكاليف الباهظة للحضور العسكري في أفريقيا.
  • تعدد القوى الدولية الكبرى والإقليمية المنافسة والمناوئة.
  • سيولة المواقف الأفريقية، وصعوبة تأمين تحالف مستدام.
  • اتساع نطاق المنافسة الفرنسية الروسية في أفريقيا لتشمل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

 

السيناريو الأول: تصعيد التنافس العسكري عبر الوكلاء الأفارقة والإقليميين. يفترض هذا السيناريو أن التحولات التي شهدها الحضور العسكري الفرنسي والروسي لم يصاحبه تغيُّر جوهري في استراتيجيات الدولتين العسكرية في أفريقيا، بل إن الاتجاه المستقبلي سيقود حتماً إلى استئناف مسار التصعيد بين البلدين وصولاً لمرحلة المواجهة. وإذا كان العديد من القيود التي تفرضها البيئة الدولية قد تُقلص من فرص المواجهة العسكرية المباشرة، فإن هذا السيناريو يفترض وقوع مواجهات بالوكالة بين الحلفاء الأفارقة لكل من فرنسا وروسيا.

 

لكن ثمة عوامل تُضعِف إمكانية تحقق هذا السيناريو، من بينها:

  • اتجاه العديد من الدول الأفريقية لتوظيف التنافس الفرنسي الروسي عبر الحصول على مزايا من الجانبين، والابتعاد عن منطق الاصطفاف المطلق مع أي منهما. وقد برزت مؤشرات هذا الاتجاه جلية في الأسابيع الأولى من عام 2024، والتي شهدت زيارة محمد إدريس ديبي رئيس المجلس العسكري الانتقالي الحاكم في تشاد إلى موسكو ومقابلته الرئيس بوتين في الوقت الذي يعد الحليف العسكري الأهم لفرنسا في الساحل الأفريقي. وفي المقابل، أكد المتحدث باسم رئاسة جمهورية أفريقيا الوسطى -أحد الحلفاء العسكريين الرئيسين لروسيا- اعتزام البلاد تنويع تحالفاتها العسكرية والأمنية، بما يشمل الانفتاح على الولايات المتحدة، بالتزامن مع تقدم التفاهمات مع شركة بانكروفت الأمنية الأمريكية في مجال التدريب وبناء القدرات وتشغيل قواعد إطلاق المسيرات.
  • ارتفاع تكلفة التصعيد العسكري في أفريقيا في ظل اضطرار كل من روسيا وفرنسا للاعتماد على القدرات الذاتية في مواصلة الانتشار العسكري في أفريقيا، بعدما شهدته السنوات الأخيرة من منافسة لفرنسا من جانب حلفائها في “الناتو”، فضلاً عن السخط الفرنسي المتزايد من طبيعة الاستجابة الأمريكية لانقلاب النيجر في يوليو 2023. وبالمثل، باتت روسيا تواجه منافسة متنامية في أفريقيا من خارج دول حلف الناتو بعد تزايُد مظاهر الانخراط العسكري لكلٍّ من الصين، عبر قاعدتها في جيبوتي واتساع نشاط الشركات العسكرية الصينية الخاصة، والهند ذات الاهتمامات العسكرية الكبيرة في منطقة غرب المحيط الهندي.
  • صعوبة توظيف روسيا علاقاتها الوثيقة بإيران، لإنتاج بديل عسكري مفيد في أفريقيا.

 

السيناريو الثاني: التهدئة وتبنّي الحسابات البراجماتية. يقوم هذا السيناريو على منطق أن حقبة ما بعد ثنائية “برخان” و”فاغنر” قد تدفع كل من فرنسا وروسيا لمسايرة الحسابات البراجماتية بشأن وجودهما العسكري في أفريقيا، بحيث يراعي كل طرف مصالح الطرف الآخر مع إمكانية إطلاق مسارات لتفاهمات ثنائية ومقايضات مربحة للطرفين، ومساعدة كل منهما الآخر على الصمود أمام تعدد الفاعلين الدوليين الحاضرين عسكرياً في أفريقيا. لكن هذا السيناريو يُقلل من فرصه عاملين أساسيين:

 

  • الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها طويلة الأمد والتي تدفع دول أوروبا الغربية، وعلى رأسها فرنسا، للتعامل مع روسيا باعتبارها مصدراً لخطر عسكري داهم؛ ما جعل فرنسا من بين الدول الرئيسة الداعمة لأوكرانيا عسكرياً، إذ قدَّمت دعماً تجاوزت قيمته 3 مليارات يورو في 18 شهراً فقط منذ بداية الصراع.
  • اتساع نطاق التنافس الفرنسي الروسي في أفريقيا، بحيث لم يعد مقتصراً على الجانب العسكري، في ظل تقاطع المصالح الاقتصادية للجانبين في مجالات تصدير الأسلحة والتعدين عن مصادر الطاقة، وفي ظل الدعم الروسي الكبير للتيارات السياسية الشعبوية المناهضة للنفوذ الفرنسي في مستعمراتها السابقة في أفريقيا.

 

السيناريو الثالث: استمرار التنافس العسكري المنضبط. في ظل توافر قيود معيقة لتصعيد التنافس العسكري الفرنسي الروسي في أفريقيا وتحوّله لمواجهة مباشرة أو غير مباشرة، وقيود أخرى تُعرقل تحوّل المسار نحو تهدئة مستدامة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار التنافس العسكري بين الجانبين في المستقبل المنظور لكن بصورة أكثر انضباطاً تتناسب مع حقبة ما بعد “برخان” و”فاغنر”. ويُعزز من فرص هذا السيناريو، الآتي:

 

  • استمرار التزام الجانبين بالحضور العسكري في أفريقيا مستقبلاً، لكن مع تقليص الاعتماد على نشر القوات على الأرض الأفريقية لتقليل التكلفة المادية والأعباء السياسية.
  • غياب مشكلة تقاطع الحضور العسكري للدولتين في مناطق مشتركة، لكن مع استمرار الحضور في مناطق متجاورة، بتركز الانتشار الروسي في دول الساحل الحبيسة، وتركز الانتشار الفرنسي في جوارها الجنوبي المطل على خليج غينيا.
  • نشوء حالة من الاعتمادية الوظيفية لدى الشركاء الأفارقة على الدعم الفرنسي في حالة دول خليج غينيا، والروسي في حالة دول الساحل، وهي حالة تكرست في السنوات الأخيرة ويصعب أن تشهد تحولات مفاجئة.
  • اتجاه الطرفين لتأمين الحضور العسكري باجتذاب تأييد ظهير أفريقي سياسي وشعبي مؤيد، سواء من خلال الخطاب الروسي الذي يتهم فرنسا بمواصلة سياساتها الاستعمارية في أفريقيا، أو الخطاب الفرنسي الذي يتهم روسيا بتقويض الديموقراطيات الأفريقية الناشئة، وزعزعة الاستقرار ودعم الانقلابات العسكرية.

 


[1] على الرغم من تنامي مظاهر الحضور العسكري المكثف لفرنسا في دول الساحل الأفريقي منذ عام 2012، فإن هذا الحضور بدأ يواجه مقاومة داخلية من الدول المستقبلة، عبر إبداء  تيارات سياسية وشعبية رفضها لهذا الحضور باعتباره مظهراً من مظاهر استمرار العلاقة الاستعمارية بين الجانبين، على نحو ما جسَّدته الحركة الاحتجاجية الواسعة في مالي بين يونيو وأغسطس 2020 التي مهَّدت لوصول العسكريين للحكم والإطاحة بحليف فرنسا الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا. وقد تكرر هذا السيناريو بالإطاحة بالرئيس البوركيني كابوري في يناير من عام 2022 ورئيس النيجر بازوم في يوليو من عام 2023.

[2] تعوِّل روسيا أيضاً على اتساع نصيبها من قطاع التعدين في تيسير هيكلة حضورها العسكري في أفريقيا، خاصة في دوائر الصراع الأقل استقراراً.

 

المصدر : https://epc.ae/ar/details/scenario/alaitijahat-aljadida-liltanafus-alaskari-alfiransi-alruwsi-fi-afriqia-janub-alsahra

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M