جريمة قانون جرائم المعلوماتية

عبد الحميد الصائح

 

لايجيدُ‮ ‬العربُ‮ ‬وضعَ‮ ‬قانونٍ‮ ‬للنشر في‮ ‬البلدان العربية‮، ‬ليست هذه شتيمةً‮ ‬أو تجاوزاً‮ ‬عاماً،‮ ‬بل هي‮ ‬نتيجة‮ ‬دراسة أجريتها ضمن رسالة جامعية درستُ‮ ‬فيها معظمَ‮ ‬قوانين النشر في‮ ‬الدول العربية، والمواثيق التي‮ ‬أصدرتها الجامعة العربية بهذا الشأن وكانت‮ ‬بمثابة نَسْخٍ‮ ‬لفقراتٍ‮ ‬وردتْ‮ ‬في‮ ‬تلك القوانين‮.‬

لا أريد هنا استعراض المقدمات الإنشائية المعتادة أو الدوافعِ‮ ‬والمبرراتِ‮ ‬المتشابهة التي‮ ‬تصدّرت تلك اللوائح،‮ ‬بل‮ ‬يمكنني‮ ‬تشبيهها بنموذج من ازدواجية التفسير الدائرة بين الفرق الإسلامية جميعها، فهي‮ ‬تتفق على أن البِدْعةَ‮ ‬ضلالة،‮ ‬لكن‮ (‬تعريف البدعة‮) ‬سبب ما يدور بينها من اقتتال وتخوين وتكفير وكراهية متبادلة‮!. ‬كذلك بالنسبة لقوانين النشر حيث عادة ما ترد مصطلحات متحركة في‮ ‬ثنايا الصياغات القانونية مثل‮ (‬الصالح العام‮) ‬و(الأمن القومي‮) ‬و(الإرهاب‮) ‬و(الرموز الدينية‮) ‬و(الرموز الوطنية‮)،‮ ‬والسلم الاهلي‮ ‬أو المساس باستقلال البلاد ووحدتها وسلامتها أو مصالحها الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية والأمنية العليا‮ ‬كما ورد في‮ ‬المادة الثالثة من القانون‮. ‬اشكالات قانونية

وهذه كلها لامعنى محدداً‮ ‬لها ولا تعريف متفقاً‮ ‬عليه‮‬،‮ ‬بل هي‮ ‬سببُ‮ ‬الإشكالات القانونية والأخلاقية التي‮ ‬تواجه أية ورقة أو قانون‮ ‬ينظم عمل الإعلام أو النشر في‮ ‬وسائل الاعلام و التواصل المختلفة‮. ‬فهي‮ ‬سيفٌ‮ ‬مسْلَطٌ‮ ‬ليس بيد الدولة المركزية حسب،‮ ‬بل بيد جميع مراكز النفوذ والشخصيات والجماعات التي‮ ‬تستطيع‮ ‬الإعتقال والإتهام والمحاكمة والادانة وتنفيذ الحكم خارج اطار المؤسسات الرسمية‮. ‬

مشكلة قانون جرائم المعلوماتية الذي‮ ‬يريد مجلس النواب اقرارَه‮ ‬يقعُ‮ ‬في‮ ‬هذا المستنقع التأويلي‮ ‬للمصطلحات‮. ‬أضف الى ذلك ان‮ ‬سياسيي‮ ‬الطبقة الحاكمة بكل فئاتها ومراكزها وأذرعها من نواب واعلاميين ووسائل نشر لاتحكمهم أية‮ ‬معايير وهم‮ ‬يصرحون ويكشفون للاعلام بمبالغة معلومات‮ ‬يفترض أن تظلَ‮ ‬سرية أو شخصية تؤثر على المصالح العامة للبلاد‮. ‬

وكان‮ ‬يفترض أن‮ ‬يصدروا ميثاقا خاصاً‮ ‬بهم‮ ‬يجرمهم على ذلك ملحقا بعقوبات جدية ضد مروّجي‮ ‬الاشاعات وصنّاع التوتر ومثيري‮ ‬الكراهية من السياسيين في‮ ‬وسائل الإعلام،‮ ‬قبل اصدار هذا القانون‮ ‬الذي‮ ‬يضع الصحفي‮ ‬أو المدوّن متهماً‮ ‬سلفاً‮ ‬في‮ ‬كل مايعمل،‮ ‬وأهم ما في‮ ‬عمله هو حق الوصول الى المعلومة وهو حقٌ‮ ‬مضمونٌ‮ ‬دولياً‮ ‬ومحلياً،‮ ‬وأنّ‮ ‬الكشف عن مصادرِه محكومٌ‮ ‬بحالاتٍ‮ ‬نادرة،‮ ‬حيث لا يُرغمُ‮ ‬الصحفيّ‮ ‬في‮ ‬كل العالم على كشفِ‮ ‬مصادره الا‮ ‬طوعياً‮ ‬حين تؤدي‮ ‬المعلومة التي‮ ‬نشرها الى الإضرار بالأمن القومي‮ ‬الفعلي،‮ ‬أو المساس بكرامة أو امن الأفراد،‮ ‬ويكون الكشف‮ ‬بسرية تامة وأمامَ‮ ‬القضاء وحده بضمان عدم تعرض المصدر للخطر‮.‬

‮ ‬مشكلة التعريف وتوصيف الجريمة‮ ‬أو التجاوز هي‮ ‬مايعيبُ‮ ‬هذا القانون الخطي،‮ ‬لأننا امام مساءلة عن التفاصيل،‮ ‬فالقانون ليس شعارات ومباديء عامة‮ ‬وإنما تفصيلات‮ .. ‬واذا ما استعرضنا بعضَ‮ ‬التعريفات الواردة في‮ ‬مواد القانون فلن تجد عراقياً‮ ‬طبيعياً،‮ ‬واقصد بالطبيعي‮ ‬غير المنتمي‮ ‬أو‮ ‬غير السياسي‮ ‬يتداولها،‮ ‬مثل إثارة النعرات المذهبية أو الطائفية أو الفتن أو تكدير الأمن أو النظام العام أو الإساءة إلى سمعة البلاد، كما تنص المادة السادسة من القانون‮. ‬هل شاهدتَ‮ ‬مواطناً‮ ‬عادياً‮ ‬يثير الكراهية أو‮ ‬يسيء الى سمعة البلاد على شاشة التلفزيون أو في‮ ‬تويتر كما‮ ‬يفعل السياسيون العراقيون جميعهم؟ لا أعتقد‮.‬

‮ ‬كذلك ما معنى‮ ‬التعامل مع جهة معادية في‮ ‬عرف المشرّع الجليل‮ ‬لتنص فقرة في‮ ‬القانون على‮ ‬جريمة‮ (‬الاشتراك أو التفاوض أو الترويج أو التعاقد أو التعامل مع جهة معادية بأي‮ ‬شكل من الأشكال‮…)‬،والعراقيون جميعاً‮ ‬لايعرفون بالضبط‮ ‬من هي‮ ‬الجهة المعادية في‮ ‬ظل تعدد الولاءات‮ .. ‬حيث تظللُ‮ ‬قبةُ‮ ‬البرلمان اليوم ولاءاتٍ‮ ‬شتى‮ ‬لأمريكا وايران واسرائيل والخليج وتركيا والصين وروسيا وغيرها وغيرها‮. ‬وتضيف الفقرة المذكورة‮ (…‬ومعاقبة كل من‮ ‬يقصد زعزعة الأمن والنظام العام أو تعريض البلاد للخطر‮) ‬أيضاً‮ ‬ماهو الأمن العام وماذا‮ ‬يقصد بالنظام العام‮ !! ‬ومن‮ ‬يحدده ؟ لان التفسير الرسمي‮ ‬أو تفسير الأيادي‮ ‬الطولى‮ ‬غير الحكومية‮ ‬يمكن ان‮ ‬يتهم أي‮ ‬متظاهر أو صحفي‮ ‬مهني‮ ‬جريء بذلك‮.‬

تنصيص تأويلي

ويتواصل التنصيص التأويلي‮ ‬الى درجة مخيّبة ترد في‮ ‬المادة الحادية والعشرين وهي‮ ‬الحبس لكل من اعتدى على أي‮ ‬من القيم والمبادئ الدينية‮ ‬،وهو مايتطلب احاطة بتوصيف‮ ‬– الاعتداء‮ ‬– القيم‮ ‬– المبادئ‮ ‬– الدين‮ ‬– مامعنى ذلك بالضبط ؟ ماذا‮ ‬يريد المشرّع أن لايقال‮ ‬بالضبط‮ ‬في‮ ‬مجتمع حر‮ ‬يشهد جدلا في‮ ‬العقائد والافكار واعادة قراءة التاريخ بعلمية واحترام؟‮!.‬

أما فقرة‮ ‬الإشاعات التي‮ ‬تزعزعُ‮ ‬الثقة بالنظام المالي‮ ‬الإليكتروني‮ ‬أو الأوراق التجارية والمالية الإليكترونية و الإضرار بالاقتصاد الوطني‮ ‬والثقة المالية للدولة‮ ..‬فهذا البند حقا‮ ‬يثير الشفقة ولا تعليق عليه‮.‬

كنا نتوقع أن نصوصاً‮ ‬متقدمةً‮ ‬اكثر موضوعية ورُقيّا تتعلق بانتهاك أمن المواطنين وخطف الاشخاص‮ ‬والتشهير الشخصي‮ ‬والترويج لتطبيق مايعرف بالحدود خارج القضاء الذي‮ ‬راحت ضحيته عشرات النساء في‮ ‬حوادث قتل بشعة،‮ ‬والاتجار بالبشر وانتهاك الاطفال والتعدي‮ ‬على الحرمات الشخصية، وفتاوى التكفير وما يروّجه بعض الجهلة من روايات كوميدية على المنابر تنتقص من قيم أئمة الدين وسيرته الصحيحة،‮ ‬وتشوهه بمنصات السحر والشعوذة وبيع الأوهام وعلاج الأمراض بالخرافات التي‮ ‬تسود وسائل التوصل ونشر صور الدم والجنس بغرض الابتزاز السياسي‮ ‬او المالي‮.. ‬وهذه شؤون تعاني‮ ‬منها شرائح واسعة في‮ ‬العالم،‮ ‬وعلى العراق‮ ‬اذا كان دولة مختلفة عن الدول العربية‮ ‬الشمولية التقليدية كما‮ ‬يدّعي‮ ‬أن‮ ‬يكون متعاليا ومتحضراً‮ ‬في‮ ‬سن قوانين النشر والمعلومات،‮ ‬لا أن‮ ‬يصدر قانونا‮ ‬يشبه الجريمة المشرعنة‮ ‬ضد أصحاب الرأي‮ ‬والمدونين الصحفيين‮ ‬المخلصين الذين‮ ‬يكتبون باسمائهم الصريحة،‮ ‬لأن المعادين الاشرار الحقيقيين‮ ‬لن‮ ‬يكشفوا وجوههم واسماءهم ولن‮ ‬يمر هذا القانون حتى من تحت أقدامهم‮. ‬وللحديث بقية‮.‬

 

رابط المصدر:

https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/25288

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M