حق الشعوب في الخروج على الحاكم الظالم _ الإمام الحسين (ع) نموذجا

جميل عودة ابراهيم

 

مع تزايد النمو البشري، وتطور الحياة وتعقدها، ظهرت الحاجة إلى وجود حاكم وحكومة، عليها واجبات، ولها حقوق. فهي تُدير شؤون الناس، وتتولى أمنهم واستقرارهم، وتحافظ على حقوقهم. وفي المقابل فان على الناس واجب التزام القانون، وإطاعة الحكومة بما يساعدها على تحقيق واجباتها ومسؤولياتها.

إلا أن أكثرية الحكومات بما تملكه من سلطات ونفوذ وأموال، انحرفت عن مسارها، وتخلت عن التزاماتها، وأخذت تطغى على المحكومين، وتحد من حرياتهم، وتتجاوز على حقوقهم، حتى لم يعد الناس في مأمن من إجراءات حكوماتهم، فحياتهم مهددة، وحقوقهم مسلوبة. فما كان أمام الناس إلا رفض الحاكم الظالم، والمطالبة بتنحيه عن الحكم، واستبداله بآخر، يلتزم بواجباته ومسؤولياته.

وليس بلاد المسلمين ببعيدة من هذا الأمر، فالحاكم الإسلامي والحكومة الإسلامية ملزمة بتطبيق الأحكام الإسلامية والقانون الإسلامي، وروح هذه الأحكام هو تحقيق مصالح الناس، ورعاية حقوقهم، وحفظ أمنهم. إلا أن النقاش كان محتما، وكان طويلا، وترتبت عليه آثار مازالت قائمة حتى هذه الساعة، فما إذا لم يلتزم الحاكم الإسلامي بواجباته ومسؤولياته في تطبيق أحكام الشريعة، وماذا لو أن الحاكم الإسلامي يحابي بعض الناس مثل أقرباءه وعشيرته، أو مناصريه ومريديه، ويمدهم بالمال، وينصبهم على كرسي حكم الأقاليم، ويبعد ما عداهم؟ فهل يجوز معارضة الحاكم الإسلامي ورفض حكمه؟ ومتى يكون للمسلمين أن يخرجوا على الحاكم؟ ومتى لا يجوز لهم أن يخرجوا عليه، بل تكون معارضتهم عصيان يستحقون عليه عقوبة؟ وكيف لنا أن نفسر خروج الإمام الحسين (ع) على يزيد (خليفة المسلمين) يوم ذاك؟

لقد حظيت مسألة العلاقة بين الحاكم والمحكوم بالاهتمام الكبير من عند فقهاء المسلمين جميعا، وإذا كان هناك بينهم إجماع على حرمة الخروج على الحاكم العادل، حيث لا يجوز لفرد أو جماعة الخروج على الإمام العادل، ومن خرج عليه وجب قتاله وقمعه، ورد شره. فقد روي عن رسول الله (ص) أنه (مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ، عَلَىَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ).

وأما فيما يتعلق بالخروج على الحاكم الظالم فقد اختلف الفقهاء إلى رأيين: –

الرأي الأول: حرمة الخروج على الحاكم الظالم: يرى هؤلاء الفقهاء من المسلمين أنه لا يجب الخروج على الحاكم الظالم ابدا، بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله. واحتجّوا في ذلك بأخبار كثيرة متظاهرة عن النّبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعن أصحابه، في وجوب طاعة الأئمّة، وإن جاروا واستأثروا بالأموال. فقد روي عنه عليه السلام (اسمعوا وأطيعوا ولو لعبدٍ أجدع، ولو لعبدٍ حبشي، وصلّوا وراء كلّ برٍ وفاجر) وروى أنّه قال (أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك…). وقال النووي: (وأمّا الخروج عليهم وقتالهم فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنّة أنّه لا ينعزل السلطان بالفسق).

ومما يرد على هذا الرأي أنّ الروايات التي استندوا إليها لها ما يعارضها من الروايات، سنداً ودلالة، وهذه الروايات تدل على جواز الخروج على الجائر، من قبيل: ما رواه البخاري عن نافع، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (السمع والطّاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)، وروى أبو داود، عن خالد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (إنّ النّاس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوْشَكَ أن يعمّهم الله بعقاب).

وإن هذه الروايات معارضة أيضاً بجملة من الآيات القرآنية، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ)، وكذلك آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كقوله تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، فضلا عن معارضة هذه الروايات لمقاصد الدين، ولروح الشريعة الغرّاء الداعية إلى إقامة العدل والقسط، وإلى تحكيم الدين والشرع في حياة النّاس؛ كما في قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ).

الرأي الثاني: جواز الخروج على الحاكم الظالم الجائر: يرى هؤلاء الفقهاء من المسلمين جواز الخروج على الظالم، إذا ما انحرف عن الحق، وامتنع عن الأخذ بالنصيحة. قال ابن حزم الأندلسي: (والواجب إن وقع شيء من الجور، وإن قلَّ، أن يُكلَّم الإمام في ذلك ويُمنَع منه، فإن امتنع وراجع الحقّ وأذعن للقود من البشرة أو من الأعضاء، ولإقامة حدّ الزنا والقذف والخمر، فلا سبيل إلى خلعه، وهو إمام كما كان لا يحلّ خلعه، فإن امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه، ولم يراجع وَجَبَ خلعه، وإقامة غيره ممّن يقوم بالحق).

وقال الرازي في تفسير آية الطاعة لأُولي الأمر: (إنّ الأُمّة مُجمِعَة على أنّ الأُمراء والسلاطين إنّما يجب طاعتهم فيما عُلِم بالدليل أنّه حق وصواب) وقال أيضاً: (إنّهم [الظالمين] غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى، وغير مقتدى بهم فيها، فلا يكونون أئمّة في الدين؛ فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق) وقال الشهرستاني: (إن ظَهَرَ بعد ذلك [أي: من الإمام] جهلٌ أو جورٌ أو ضلالٌ أو كفرٌ، انخلع منها، أو خلعناه).

وقد استُدِلَّ على هذا الرأي بالكتاب العزيز: مثل قوله تعالى: (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ، الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ)، وقوله عزّ وجل: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) وغيرها من الآيات القرآنية الدالة على حرمة موالاة الظالم أو الركون إليه.

كما استدل بطائفة من الروايات الناهية بعمومها عن طاعة المخلوق، سواء أكان حاكماً أم غيره في معصية الخالق، مثل قوله (ص): (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ومثل قوله (ص): (السمع والطاعة حقّ، ما لَم يُؤمَر بالمعصية، فإذا أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة). كما استدل بالروايات الخاصّة الناهية عن طاعة الحاكم الجائر، مثل ما رواه أبو داود عن خالد عن النبي (ص) قوله: (إنّ النّاس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه؛ أوْشَكَ أن يعمّهم الله بعقاب). وقد روي عن أبي بكر قوله: (أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم).

وعند النظر إلى عصر ما بعد الرسول (ص) نجد أن الحكومات الإسلامية (حكومة الخلفاء) وحكومة معاوية أبن أبي سفيان لم تكن بِمَنْأىً عن الاعتراضات والثورات الشعبية، سواء كانت محقة أو غير محقة، ومن أسباب بعضها هو عدم التقييد حكومة الخلفاء الثلاثة، وحكومة معاوية بالأحكام الإسلامية، والانحياز الواضح في توزيع السلطة، وتقسيم المال العام، على أبناء العمومة والعشيرة والموالين، إلا أن الخلفاء تعاملوا مع مطالبات الثوار -حتى وان كانت عادلة ومنصفة- على أساس أنها ارتداد على الإسلام، وامتناع عن طاعة الحاكم بأمر الله سبحانه.

وفي أفضل الأحوال، بعد ذلك أُطلق على كل من يتمرد على الحاكم في الإسلام حقا أو باطلا اسم (الخوارج) عن الإسلام باعتبار أن هناك فئة طامعة بالسلطة أرادت اتخاذ الدين ذريعة للحكم والوصول إلى السلطة، ارتأت أن ترفع شعارات حكومة الله أمام الحاكم المسلم العادل لإخراجه من ملة الإسلام قبل الانقضاض عليه وعلى سلطته. وأصبح كل حاكم طاغية يريد أن يبيد المطالبين بالعدالة والمساواة والحرية من شعبه في داخل الإسلام ما عليه إلا أن يصفهم بالخوارج ليحلّ أبادتهم.

وإذا كان في الأمة من يشك في شرعية أو عدم شرعية من يخرج على الحاكم الفاسق أو الظالم، الذي لا يعمل بالعدالة بين الرعية، فان خروج الإمام الحسين عليه السلام على الحاكم الفاسق الذي لا يراع الأحكام والقوانين الإسلامي يزيد ابن معاوية، قد قطع الشك باليقن، وأكد أن الإسلام لا يقبل حكم الحاكم الظالم والفاسق، وأن من حق المسلمين أن يرفضوا حكمه، وأن يطالبوا بإزاحته من كرسي الحكم، وإن استلزم ذلك قتاله.

فلما مات معاوية في منتصف رجب سنة ستين من الهجرة، وخلّف بعده ولده يزيد، وكان يزيد فاسقاً فاجراً، يشرب الخمور، وكان صاحب الطنابير والقيان، ويلعب بالقرود والكلاب، ويجاهر بالكفر والإلحاد، ويستهين بالدين… ناهيك أن نصب يزيد من قبل معاوية كان على خلاف العهد الذي كتبه معاوية إلى الإمام الحسن (ع) حيث تعهد ضمن ما تعهد بأنه لا يحق له تعيين الخليفة من بعده، ولكن معاوية خالف جميع بنود الصلح، كتب يزيد إلى ابن عمه الوليد بن عتبة، والي المدينة بأخذ البيعة على أهلها، وخاصة على الحسين (ع) ولا يرخّص لـه في التأخر عن ذلك وقال: إن أبى عليك فاضرب عنقه، وابعث إليّ برأسه! إذ كان يزيد يعلم بمكانة الإمام الحسين (ع) في قلوب المؤمنين، وأنه لا يمكنه التلاعب بأمور الدين والأمة مع وجود الإمام (ع)، فأمر بأخذ البيعة من الإمام قهراً وإلاّ يُضرب عنقه فوراً.

فكان الرد الإمام الحسين (ع) الأول على مطالبته ببيعة يزيد ردا مدويا ومزلزلا، حينما قال سيد الشهداء عليه السلام: (إنّا أهل بيت النبوة.. بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد شارب الخمور، وراكب الفجور، وقاتل النفس المحترمة، ومثلي لا يبايع مثله) فإنَّه عليه السلام بوصفه للحاكم الذي امتنع عن بيعته قد أعلن أيضًا عن صفات المؤهل للحكم.

فالبيعة اعتراف بشرعية الحاكم، خاصة وإنها تأتي من سيد أهل الحل والعقد، ذاك هو ابن أمير المؤمنين عليه السلام. لذا كان الحسين حازماً وجازماً في رأيه أن يزيد لا يصلح أن يكون حاكماً على المسلمين، بل هو فاسق فاجر، وأن عملية توريث الحكم بهذه الطريقة بدعة جديدة لم تألفها سنوات الحكم السابقة، ولم يرد بشأنها نص ديني في الكتاب، وأن الموت أهون عليه من مبايعة حاكم ظالم لا يتمتع بأية شرعية إذ قال: (إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما).

وقد حث الإمام الحسين (ع) المسلمين، سواء كانوا في عهده أو العهود التي يحكمها الفاسدون والظالمون والطغاة على عدم القبول بهم، ورفضهم، والخروج عليهم، حينما قال (إن لم يكن لكم دين فكونوا أحراراً في دنياكم) وهي إشارة منه للمحكومين على اختيار الحاكم الذي يمثل طموحهم وتطلعاتهم في تسيير أمورهم بعيداً عن الاستبداد وبحرية تامة، وهي بطبيعة الحال إشارة إنسانية من الإمام الحسين (ع) للمحكومين باختيار حاكميهم بشكل صحيح بعيداً عن المصلحة الشخصية والمطامع.

ولقد احتجَّ بعض فقهاء المسلمين على جواز الخروج على الحاكم الظالم بخروج الحسين عليه السلام. قال ابن مفلح الحنبلي: (جَوَّز ابن عقيل وابن الجوزي الخروج على الإمام غير العادل؛ بدليل خروج الحسين على يزيد لإقامة الحق).

نخلص مما تقدم ما يأتي:

1. لما كان وجود الحاكم أو الحكومة ضرورة اجتماعية تتطلبها طبيعة التجمع البشري للمحافظة على استقراره، وتنظيم شؤونه، فان الحاكم ملزم بتنفيذ القوانين والأحكام المتفق عليها، ومنها العدالة والإنصاف، وعدم الظلم للرعية. والناس ملزمون باحترام الحاكم ومساندة في قراراته العادلة.

2. في حال عدم تقيد الحاكم بالاتفاق بينه وبين الرعية، وعدم تطبيق القوانين والأنظمة المتفق عليها فان لهم الحق في مطالبته بالتنحي عن الحكم واستبداله بحاكم ثان، يلتزم بالاتفاق وتطبيق القانون.

3. إنّ الإسلام لم يقبل، ولا في واحد من تشريعاته الكثيرة الظلم، لا على المستوى الفردي، ولا على المستوى الاجتماعي، فكيف إذا كان الظلم قد صدر من حاكم أو حكومة تحكم باسمه! فكيف يُعقل للدين الذي جاء من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقارعة الظلم والتعسّف والفساد أن يُنظِّر ويؤسّس للظلم والفساد بإقراره حكومة الحاكم الجائر؟! أليس هذا نقضاً للغرض الذي لا يفعله الحكيم؟! أليس هذا تقنيناً وتشريعاً للظلم؟!

4. رغم أن هناك ثورات شعبية في صدر الإسلام الأول، كانت رافضة لحكومة الخلفاء، وحكومة معاوية لأنها انحرفت عن الإسلام، وانحازت للأقرباء والعشيرة والموالين، إلا أنها لم تكن محل توافق جميع المسلمين يومذاك، وعرف دعاتها بأنهم (خوارج عن الإسلام) مما أفقدهم الشرعية.

5. إن ثورة الإمام الحسين عليه السلام، كانت أول مصداق واضح لوجوب خروج الناس على الحاكم الظالم وعدم مبايعته، لكون أن الحسين (ع) كان يتمتع بصفات تؤهله لأن يقود هذه الثورة من حيث انتسابه لبيت النبوة، وأحقيته في تولي حكم المسلمين، وأن يزيد بن معاوية كان أكثر الحكام تظاهرا بالظلم والفسق والعدوان.

 

.

رابط المصدر:

https://annabaa.org/arabic/ashuraa/32228

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M