من بن لادن إلى المبحوح: قيادات الإرهاب التي قابلتها الجزيرة ثم انتهت بالقتل أو الاغتيال

  • المركز الديمقراطي العربي

 

هل كانت المقابلات مجرد سبق صحفي، أم تحولت بعض المعلومات التي كشفتها الكاميرا إلى مادة قابلة للاستثمار الاستخباري في تعقب هؤلاء الأشخاص؟

مقدمة: عندما تتحول الكاميرا من أداة إعلامية إلى نافذة استخبارية

منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، تغيرت طبيعة العلاقة بين الإعلام والجماعات الإرهابية بصورة لم تعد تسمح بالنظر إلى المقابلة التلفزيونية باعتبارها مجرد لقاء صحفي بين مراسل وضيف. فقد دخل الإعلام، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى قلب الحرب على الإرهاب، وأصبح ظهور القيادات المسلحة على الشاشات جزءًا من معركة متعددة المستويات، تختلط فيها الدعاية بالحرب النفسية، والرسالة السياسية بإدارة الصورة، والمعلومة الصحفية بالبيئة الاستخبارية.

وفي هذا السياق برزت قناة الجزيرة بوصفها واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية قدرة على الوصول إلى شخصيات كانت تعيش في بيئات شديدة السرية والخطورة، من أسامة بن لادن وخالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة، إلى ملا داد الله وأنور العولقي ومحمود المبحوح ومروان عيسى وغيرهم. ولم يكن هؤلاء مجرد شخصيات سياسية أو عسكرية عادية، وإنما كان بعضهم مطلوبًا على أعلى المستويات من أجهزة أمنية واستخبارية دولية.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فأنا لا أرى أن مجرد إجراء مقابلة مع شخصية تنتمي إلى تنظيم إرهابي يمكن أن يكون دليلًا على تعاون الصحفي أو المؤسسة الإعلامية مع جهاز استخباري. مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى وثائق وأدلة مباشرة، وليس إلى التزامن بين المقابلة ومقتل الشخص أو اعتقاله. وفي المقابل، لا أرى أيضًا أن التعامل مع المقابلة باعتبارها منتجًا إعلاميًا خالصًا يتجاهل طبيعة العصر الاستخباري الحديث؛ فالصورة والصوت والمكان والزمان والأشخاص الموجودون في الخلفية واللهجة وطريقة الحركة وحتى التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها المشاهد العادي، يمكن أن تتحول بعد تحليلها إلى بيانات ذات قيمة استخبارية.

ومن هنا فإن السؤال الذي أراه أكثر دقة ليس: هل كانت الجزيرة تتعاون مع أجهزة الاستخبارات للإيقاع بالإرهابيين؟ فهذا اتهام لا تسمح الأدلة المفتوحة بإثباته. وإنما السؤال هو: هل استطاعت أجهزة الاستخبارات، أو كان بإمكانها، أن تستفيد من المعلومات التي كشفتها المقابلات التي أجرتها الجزيرة مع هذه الشخصيات؟

والفرق بين السؤالين ليس لغويًا فحسب؛ بل هو الفارق بين اتهام يحتاج إلى دليل، وفرضية تحليلية يمكن اختبارها من خلال الوقائع والتسلسل الزمني وطبيعة المعلومات التي كشفتها المقابلات.

ومن هنا أرى أن القضية تستحق الدراسة لا باعتبارها بحثًا عن إدانة جاهزة للجزيرة، وإنما باعتبارها محاولة لفهم العلاقة المعقدة بين الإعلام والإرهاب والاستخبارات في عصر أصبحت فيه كل صورة تقريبًا قابلة لأن تتحول إلى معلومة.

أولًا: الجزيرة والقاعدة.. من كان يستخدم من؟

في السنوات التي أعقبت هجمات سبتمبر، أصبحت الجزيرة نافذة نادرة على عالم مغلق كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يحاولون اختراقه. وفي الوقت نفسه كان تنظيم القاعدة يدرك أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، وأن امتلاك القدرة على مخاطبة الجمهور العالمي والعربي يمكن أن يكون سلاحًا بحد ذاته.

فالتنظيم كان يحتاج إلى الإعلام لكي يوصل رسائله، ويؤكد وجوده، ويبرهن على قدرته على البقاء، ويشرح روايته للأحداث، ويهدد خصومه. أما الصحفي فكان يبحث عن سبق لا تستطيع المؤسسات الأخرى الوصول إليه. وبين الطرفين نشأت علاقة مصلحية متبادلة، حتى وإن كانت أهداف كل طرف مختلفة جذريًا.

ومن هنا فإنني أرى أن عبارة من كان يستخدم من؟ أكثر أهمية من السؤال التقليدي حول ما إذا كانت الجزيرة قد استخدمت التنظيمات أو العكس.

فالتنظيم يحتاج إلى المنصة، والمنصة تحتاج إلى الشخصية التي لا يستطيع الآخرون الوصول إليها، بينما تستطيع أجهزة الأمن والاستخبارات النظر إلى المنتج الإعلامي كله باعتباره مصدرًا مفتوحًا للمعلومات.

وهذه ليست فرضية نظرية بالكامل. فمقابلة صحفية مع قائد سري قد تكشف أكثر مما يقوله الضيف نفسه؛ فقد تكشف مكانًا، أو زمنًا، أو شخصًا آخر، أو علاقة تنظيمية، أو طريقة اتصال، أو حتى نمطًا من أنماط الحماية. وفي بيئة الاستخبارات الحديثة، لا يشترط أن تكون المعلومة السرية قد جُمعت بواسطة عميل سري حتى تصبح ذات قيمة استخبارية.

ولهذا أرى أن الخطأ المنهجي يبدأ عندما نفصل الإعلام عن البيئة الأمنية المحيطة به. فالصحفي قد ينظر إلى ما أمام الكاميرا بوصفه قصة، بينما قد ينظر محلل استخباري إلى القصة نفسها باعتبارها قطعة صغيرة من صورة أكبر.

وهنا تبدأ المنطقة الرمادية التي يستحق هذا المقال أن يتوقف عندها.

ثانيًا: أسامة بن لادن.. المقابلة التي تجاوزت قيمتها الخبرية

كان أسامة بن لادن أحد أكثر الأهداف قيمة بالنسبة إلى أجهزة الاستخبارات الغربية، ولذلك فإن تمكن الصحفي تيسير علوني من مقابلته في أفغانستان بعد هجمات سبتمبر كان إنجازًا صحفيًا استثنائيًا. وقد وثقت الجزيرة المقابلة وما ترتب عليها من جدل مهني وقضائي، كما تناولت الاتهامات التي وجهت إلى علوني بسبب علاقاته الصحفية مع قيادات القاعدة. ([1])

لكن هنا تحديدًا ينبغي أن نكون أكثر دقة.

فالمقابلة لا تقدم دليلًا على أن الجزيرة كانت تعرف الموقع السري لبن لادن أو أنها نقلت موقعه إلى أجهزة استخبارية. كما أن المسافة الزمنية بين المقابلة ومقتل بن لادن تجعل الربط السببي المباشر ضعيفًا للغاية؛ فقد قُتل بن لادن في مايو 2011، بعد ما يقرب من عقد كامل من لقاء علوني معه.

ومن هنا أرى أن قيمة هذه الحالة ليست في إثبات أن المقابلة أدت إلى مقتل بن لادن، لأن ذلك غير ثابت، وإنما في كشف القيمة الاستخبارية المحتملة للمادة الإعلامية نفسها.

فالصورة تعطي معلومات عن الملامح، والبيئة تعطي معلومات عن المكان، والأشخاص المحيطون بالهدف يمكن أن يضيفوا إلى بناء شبكة العلاقات، وطريقة الحديث قد تكشف معلومات لا تظهر في النص المكتوب.

والأهم أن المقابلة يمكن أن تصبح، بعد سنوات، جزءًا من أرشيف استخباري مفتوح المصدر يمكن مقارنته بصور ومقابلات وتسجيلات ومعلومات أخرى.

ومن هنا فإنني أرى أن بن لادن يمثل المثال الأوضح على ضرورة الفصل بين عبارتين: المقابلة أدت إلى تحديد الهدف، وهي دعوى لا دليل عليها هنا، و**”المقابلة أنتجت مادة يمكن أن تكون ذات قيمة استخبارية”**، وهي فرضية أكثر منطقية ومنهجية.

ثالثًا: ملا داد الله.. عندما يصبح التزامن الزمني سؤالًا لا دليلًا

تبدو حالة ملا داد الله أكثر إثارة للاهتمام من الناحية الزمنية.

ففي أبريل 2007 أجرى أحمد زيدان، مدير مكتب الجزيرة في إسلام آباد آنذاك، مقابلة حصرية مع داد الله، أحد أبرز القادة العسكريين في حركة طالبان. وتظهر المقابلة أنه كان على اتصال مباشر بالصحفي، وأنه تحدث عن الوضع العسكري والسياسي وعن عمليات طالبان، كما تضمنت المقابلة معلومات عن طبيعة تفكير الحركة وعملياتها. ([2])

ولم تمر فترة طويلة حتى أُعلن مقتل داد الله في مايو 2007 في هلمند.

الأكثر إثارة هنا أن مسؤولًا أفغانيًا قال إن العملية التي قتل فيها داد الله نُفذت اعتمادًا على “معلومات دقيقة جدًا”، بينما وصفه مسؤول استخباري أفغاني بأنه أكبر قائد لطالبان قُتل حتى ذلك الوقت. ([3])

وهنا، في تقديري، تظهر واحدة من أكثر الحالات التي تستحق الدراسة.

فالتسلسل الزمني يقول: مقابلة في أبريل، ثم مقتل في مايو، مع إعلان رسمي عن معلومات دقيقة قادت إلى العملية.

لكن هل يعني ذلك أن المقابلة كانت مصدر تلك المعلومات؟

لا.

وهذا أمر يجب أن أكون واضحًا فيه؛ لأن التزامن الزمني ليس دليلًا على السببية.

فالقوات الأمريكية والأفغانية كانت تلاحق داد الله قبل مقابلته مع الجزيرة، وكانت أجهزة الاستخبارات تعمل منذ سنوات على جمع المعلومات المتعلقة بقيادات طالبان. وبالتالي فإن القول إن مقابلة الجزيرة كانت سبب مقتله سيكون تجاوزًا للأدلة المتاحة.

لكنني في المقابل أرى أن التزامن يجعل السؤال مشروعًا: ما طبيعة المعلومات التي كانت متاحة عن داد الله في تلك الفترة؟ وهل كانت المقابلة قد كشفت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أي عناصر جديدة يمكن أن تدخل في الصورة الاستخبارية؟

واللافت أن داد الله نفسه كان يدرك مخاطر الإعلام؛ فقد تحدث في مقابلاته عن قضايا تتصل بسرية العمليات ورفض الكشف عن تفاصيل معينة بحجة أنها يجب أن تبقى سرية. كما أن تقارير الجزيرة في الفترة نفسها أظهرت أنه كان شخصية محورية في التخطيط العسكري لطالبان. ([4])

ومن هنا نستطيع أن نقول إن حالة داد الله لا تثبت تعاونًا بين الجزيرة وأجهزة الاستخبارات، لكنها تقدم أفضل مثال زمني في الحالات التي نناقشها على الحاجة إلى البحث في القيمة الاستخبارية للمادة الإعلامية.

رابعًا: محمود المبحوح.. عندما لم تعرف الكاميرا هوية من أمامها

تأخذ قصة محمود المبحوح القضية إلى مستوى مختلف.

ففي أثناء إعداد الجزيرة لفيلم وثائقي في دمشق، التقت رجلًا لم تكن تعرف، وفق الرواية المنشورة، أنه محمود المبحوح. وبعد اغتياله في دبي في يناير 2010، أعلنت القناة أن الرجل الذي ظهر في المقابلة كان المبحوح، أحد أبرز المطلوبين لإسرائيل، وأن اللقاء كان قد جرى قبل مقتله بنحو عشرة أشهر. ([5])

وهذه الحالة في حد ذاتها تهدم فكرة التفسير البسيط الذي يربط المقابلات مباشرة بالاغتيالات.

فإذا كانت الجزيرة نفسها لم تكن تعرف هوية الرجل أثناء اللقاء، فكيف يمكن منطقيًا القول إن المقابلة كانت عملية تعقب استخباري متعمدة؟

بل إن الأمر يكشف مفارقة أكثر تعقيدًا: قد يصل الصحفي إلى هدف أمني شديد الأهمية من دون أن يدرك بالكامل قيمة الشخص الذي يقف أمام الكاميرا.

وفي تقديري، هذه واحدة من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من الحالة.

فالصحافة قد تصل إلى أماكن وشخصيات لا تستطيع أجهزة أخرى الوصول إليها بالطريقة نفسها، لكنها لا تمتلك بالضرورة الأدوات التي تسمح لها بتقدير القيمة الاستخبارية الكاملة لما تحصل عليه.

وقد تكون هذه القيمة في بعض الأحيان أكبر من القيمة الإعلامية المباشرة.

وهنا لا أتحدث عن الجزيرة وحدها؛ وإنما عن طبيعة الصحافة الاستقصائية في البيئات المغلقة عمومًا.

خامسًا: أنور العولقي.. هدف معروف قبل أن يصل إلى الكاميرا

يمثل أنور العولقي نموذجًا مختلفًا؛ فهو لم يكن هدفًا مجهولًا ينتظر اكتشافه من خلال مقابلة إعلامية.

ففي فبراير 2010 أجرت الجزيرة مقابلة معه، وكان العولقي معروفًا بالفعل للأجهزة الأمريكية بوصفه شخصية بارزة في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. وبعد ذلك قُتل في اليمن في سبتمبر 2011 في ضربة أمريكية. وقد وثقت الجزيرة مقتله بوصفه اغتيالًا أمريكيًا في اليمن. ([6])

ولهذا فإنني لا أرى أن حالة العولقي يمكن استخدامها لإثبات أن المقابلة كشفت موقعه.

فالولايات المتحدة كانت تبحث عنه قبل المقابلة، وكان اسمه معروفًا، وكانت المعلومات المتعلقة به جزءًا من الملف الأمريكي لمكافحة الإرهاب.

لكن المقابلة تظل مهمة من زاوية أخرى؛ إذ إنها أنتجت مادة عن شخصية مطاردة، وكشفت جزءًا من أفكاره وشبكاته وعلاقاته ومواقفه.

وهكذا نعود مرة أخرى إلى الفكرة المركزية: القيمة الاستخبارية لا تعني بالضرورة قيمة تحديد الموقع.

فالمقابلة قد تساعد في فهم الشخصية حتى لو لم تساعد في معرفة مكانها.

وهذا التفريق مهم جدًا إذا أردنا أن نكتب عن الموضوع بصورة علمية بعيدًا عن المبالغة.

سادسًا: مروان عيسى.. من “الرجل الظل” إلى الهدف المؤكد

مروان عيسى يقدم حالة أحدث وأكثر تعقيدًا.

فقد نجح فريق من الجزيرة في الوصول إلى مقابلة نادرة مع الرجل الذي كان يُنظر إليه بوصفه أحد أكثر القيادات العسكرية سرية في حركة حماس، حتى أصبح يُعرف إعلاميًا بـ”الرجل الظل”.

ثم أعلنت إسرائيل في مارس 2024 مقتله في عملية عسكرية، وأكد مسؤولون أمريكيون لاحقًا مقتله. وقد تناولت رويترز مكانته بوصفه أحد أهم القادة العسكريين في حماس وأكثرهم تعرضًا للملاحقة الإسرائيلية. ([7])

لكن المسافة الزمنية بين المقابلة والعملية تفرض علينا قدرًا أكبر من الحذر.

فإذا كانت المقابلة قد جرت قبل العملية بسنوات، فلا يمكن منطقيًا اعتبارها دليلًا على أن المعلومات التي ظهرت خلالها أدت إلى الاستهداف.

ومن هنا فإنني أرفض أي محاولة لربط الحدثين بصورة آلية.

لكن المقابلة تظل ذات أهمية؛ لأنها تظهر قدرة الإعلام على الوصول إلى شخصيات تعجز معظم وسائل الإعلام الأخرى عن الوصول إليها.

وهذه القدرة نفسها هي التي تجعل المادة الإعلامية قابلة لأن تصبح ذات قيمة استخبارية.

سابعًا: إسماعيل هنية.. لماذا لا يجوز وضع جميع الحالات في سلة واحدة؟

يمكن أن يقال إن إسماعيل هنية يدخل في قائمة الشخصيات التي قابلتها الجزيرة ثم انتهت حياتها بالاغتيال، لكنني أرى ضرورة التمييز بين حالته والحالات السابقة.

فهنية كان شخصية سياسية معلنة، وله ظهور إعلامي واسع، ولم يكن يعيش مستوى السرية نفسه الذي كان يحيط بشخصيات مثل المبحوح أو مروان عيسى أو بن لادن.

ولهذا فإن مقتل شخصية عامة بعد مقابلة إعلامية لا يقدم في حد ذاته قرينة قوية على وجود علاقة بين المقابلة والاستهداف.

والقاعدة التي أرى ضرورة الالتزام بها هنا هي أن قيمة الحالة في اختبار الفرضية ترتفع كلما كان الهدف أكثر سرية، وكلما كانت المقابلة أقرب زمنيًا إلى عملية الاستهداف، وكلما احتوت المادة على معلومات قابلة للتحقق عن المكان أو الشبكة أو الحركة.

أما إذا كان الشخص معروفًا، ويتحرك علنًا، ويجري عشرات المقابلات، فإن قيمة الربط بين مقابلة بعينها ومقتله تصبح محدودة للغاية.

وهذا هو الفرق بين البحث العلمي وبين جمع المصادفات.

ثامنًا: يسري فودة.. الحلقة التي لا يمكن تجاوزها في هذه القصة

إذا كانت الحالات السابقة تتعلق بأشخاص قابلتهم الجزيرة ثم قتلوا لاحقًا، فإن حالة يسري فودة مع خالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة تطرح سؤالًا مختلفًا وأكثر حساسية.

ففي يونيو 2002، تمكن فودة من الوصول إلى مكان سري في كراتشي، بعد أن نُقل معصوب العينين، والتقى خالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة، وهما من أبرز الشخصيات المرتبطة بالتخطيط لهجمات 11 سبتمبر. وقد استمرت المقابلات نحو يومين، وتضمنت معلومات تفصيلية عن التخطيط للهجمات. ([8])

وتكمن أهمية هذه المقابلة في أن الصحفي لم يكن أمام شخصية ثانوية؛ بل كان أمام خالد شيخ محمد، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز المتهمين في التخطيط لهجمات سبتمبر، وأمام رمزي بن الشيبة، الذي ارتبط اسمه بتنسيق العملية.

وكانت المادة التي حصل عليها فودة ذات أهمية استثنائية؛ إذ نقلت الصحافة الأمريكية أن الرجلين تحدثا عن تفاصيل تتعلق بالعملية وأهدافها. ([9])

لكن المفارقة جاءت بعد ذلك.

ففي سبتمبر 2002 ألقي القبض على رمزي بن الشيبة في كراتشي، أي بعد أشهر من المقابلة، وفي الفترة التي كانت فيها الجزيرة تبث أجزاء من الحوار.

وعندها ظهرت اتهامات وشكوك من أنصار القاعدة تربط بين المقابلة والقبض على بن الشيبة. ونقلت واشنطن بوست عن فودة رفضه وجود علاقة بين الأمرين، مشيرًا إلى أن المقابلة تمت في يونيو، بينما جرى القبض على بن الشيبة في سبتمبر. كما أوضح فودة أن إجراءات الوصول إلى مكان المقابلة كانت شديدة التعقيد، وأنه لم يكن يعتقد أن أجهزة الأمن كانت تلاحقه من مكان المقابلة. ([10])

وهنا، مرة أخرى، أرى أن علينا الفصل بين الشك والدليل.

فالشك كان موجودًا بالفعل، ولم نخترعه نحن بعد سنوات.

لكن وجود الشك لا يعني صحته.

بل إن التسلسل الزمني نفسه يجعل من الصعب القول إن المقابلة كانت وحدها السبب المباشر في القبض على بن الشيبة.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يؤدي نفي هذه الفرضية إلى إهمال سؤال آخر أكثر أهمية: هل استفادت أجهزة الاستخبارات لاحقًا من المعلومات التي حصل عليها فودة؟

هذا السؤال مختلف تمامًا.

فالمقابلة كانت ثروة معلوماتية عن تنظيم القاعدة، ومن الطبيعي في عالم الاستخبارات أن تصبح مثل هذه المعلومات محل اهتمام وتحليل.

تاسعًا: لماذا لم يتحول يسري فودة إلى مصدر استخباري؟

أرى أن هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى قدر من التوازن؛ لأن الحديث عن فودة يمكن بسهولة أن ينزلق إلى اتهام غير مستند إلى دليل.

فالصحفي الذي يدخل إلى بيئة سرية ويلتقي شخصيات خطرة لا يصبح تلقائيًا عميلًا استخباريًا.

هناك اختلاف جوهري بين العمل الصحفي والعمل الاستخباري.

الصحفي يجمع المعلومات بهدف إنتاج مادة إعلامية، ويحاول الوصول إلى مصادره، والتحقق من الروايات، ثم نشر ما تسمح به سياسته التحريرية. أما جهاز الاستخبارات فيجمع المعلومات بهدف بناء صورة عن الخصم، وتحديد قدراته وشبكاته ومصادر قوته وضعفه، وربما استخدام هذه الصورة في عمليات أمنية أو عسكرية.

ولهذا فإن معرفة الصحفي بمعلومة حساسة لا تعني أنه سلمها إلى جهاز أمني.

وفي حالة فودة تحديدًا، لا تظهر في المصادر المفتوحة التي اعتمدت عليها وثيقة تثبت أنه أبلغ جهازًا استخباريًا بموقع بن الشيبة أو خالد شيخ محمد.

ومن هنا لا أرى أساسًا علميًا للقول إن الجزيرة استخدمت فودة للإيقاع بمخططي 11 سبتمبر.”

لكنني في المقابل أرى أن السؤال عن مصير المعلومات التي حصل عليها فودة بعد بثها سؤال مشروع، وربما أهم من الاتهام المباشر.

فقد يكون الصحفي قد أنهى مهمته بمجرد نشر القصة، بينما تبدأ بعد ذلك مرحلة أخرى لدى أجهزة الاستخبارات التي تستطيع مقارنة ما ورد في المقابلة بمصادر أخرى.

وهنا تكمن المفارقة.

عاشرًا: الإعلام والاستخبارات مفتوحة المصدر.. عندما تصبح الصورة بيانات

أحد أهم التحولات في العمل الاستخباري الحديث هو تنامي قيمة الاستخبارات مفتوحة المصدر، أو ما يعرف بـ OSINT، حيث لم تعد المعلومة التي تنشر في صحيفة أو تظهر في مقابلة تلفزيونية مجرد مادة للاستهلاك الجماهيري، وإنما يمكن جمعها وربطها بمئات أو آلاف البيانات الأخرى.

وفي هذا السياق تصبح المقابلة التلفزيونية ذات قيمة خاصة.

فالكاميرا لا تسجل كلام الضيف فقط؛ بل تسجل الوجه، والصوت، واللهجة، وطريقة الحركة، والملابس، والأشخاص الموجودين حوله، وطبيعة المكان، وما يظهر في الخلفية، وربما حتى التفاصيل الصغيرة التي لم ينتبه إليها فريق التصوير نفسه.

وإذا كانت المقابلة مع شخصية سرية أو مطاردة، فإن هذه العناصر يمكن أن تكون أكثر أهمية من الإجابات التي يقدمها الضيف.

ومن هنا أرى أن الفرق بين التعاون الاستخباري و**”القيمة الاستخبارية للمادة الإعلامية”** يجب أن يكون واضحًا تمامًا.

الأول اتهام يحتاج إلى دليل.

أما الثاني فهو نتيجة طبيعية لقدرات التحليل الحديثة.

وبعبارة أخرى: قد لا تكون الكاميرا جهازًا استخباريًا، لكنها قد تنتج مادة استخبارية.

وهذه، في تقديري، هي الجملة الأكثر دقة في فهم العلاقة بين الإعلام والأجهزة الأمنية في عصر المعلومات.

حادي عشر: هل صنعت الجزيرة الإرهاب أم منحته منصة؟

هنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية سياسيًا في الموضوع.

فاتهام مؤسسة إعلامية بأنها “صنعت الإرهاب” أو “دعمت الإرهاب” ليس حكمًا يمكن تأسيسه على كثرة مقابلاتها مع قادة الجماعات المسلحة. فهذا الاتهام يحتاج إلى إثبات وجود تمويل أو تنسيق أو توجيه أو تعاون مؤسسي.

أما إجراء مقابلة مع قائد جماعة إرهابية، في حد ذاته، فلا يكفي لإثبات أي من ذلك.

بل يمكن الدفاع مهنيًا عن المقابلة باعتبارها محاولة لإجبار التنظيم على كشف مواقفه أمام الرأي العام، بدلًا من تركه يتحدث في غرف مغلقة.

لكن المشكلة تظهر عندما تتحول المقابلة من أداة لكشف الخطاب إلى أداة لإعادة إنتاج الخطاب.

وهنا يجب تقييم المؤسسة من خلال ممارستها التحريرية: هل تضع كلام الضيف في سياقه؟ هل تناقش ادعاءاته؟ هل تمنحه فرصة دعائية مفتوحة؟ هل تطرح عليه أسئلة نقدية؟ وهل تميز بين نقل خطاب التنظيم وبين تبني هذا الخطاب؟

وفي رأيي، هذا هو الطريق الأكثر علمية لمناقشة دور الجزيرة.

فليس المطلوب تبرئة القناة تلقائيًا، وليس المطلوب أيضًا إدانتها تلقائيًا.

المطلوب هو دراسة كيف تعاملت مع خطاب التنظيمات، وكيف اختارت ضيوفها، وما الذي بثته، وما الذي حجبته، وكيف قدمت السياق السياسي والأمني للمشاهد.

وهذا أكثر قوة من إطلاق أحكام عامة لا تستطيع الوثائق إثباتها.

ثاني عشر: من كان يستخدم من؟

في تقديري، هذا هو السؤال المركزي الذي ينبغي أن يبقى في ذهن القارئ بعد انتهاء المقال.

من كان يستخدم من؟

هل كانت التنظيمات تستخدم الجزيرة للوصول إلى الجمهور؟

نعم، ومن الصعب إنكار أن الظهور الإعلامي كان ذا قيمة هائلة لهذه التنظيمات.

هل كانت الجزيرة تستخدم هذه التنظيمات لتحقيق سبق صحفي؟

بالتأكيد، فالحصول على مقابلة حصرية مع شخصية مطاردة يمثل سبقًا لا تستطيع معظم المؤسسات الإعلامية المنافسة تحقيقه.

هل كانت أجهزة الاستخبارات قادرة على استخدام ما ظهر على الشاشة؟

هذا أيضًا ممكن، بل منطقي في إطار الاستخبارات مفتوحة المصدر.

إذن نحن أمام مثلث لا علاقة خطية فيه بين طرفين، وإنما علاقة مركبة بين ثلاثة مستويات:

التنظيم يحتاج الإعلام للتأثير في الجمهور.

الإعلام يحتاج التنظيم للحصول على المعلومة والسبق.

الاستخبارات تستطيع استثمار المادة الإعلامية في بناء صورة عن التنظيم والهدف.

ومن هنا فإنني لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو: هل الجزيرة كانت أداة استخبارية؟

السؤال الأكثر دقة هو: هل كانت المادة التي تنتجها الجزيرة قابلة لأن تصبح مادة استخبارية حتى من دون علمها أو قصدها؟

والإجابة في تقديري: نعم، وهذا أمر ينطبق على أي مؤسسة إعلامية تعمل في مناطق الصراع وتصل إلى أهداف عالية القيمة.

ثالث عشر: ماذا تثبت الحالات التي تناولناها؟ وماذا لا تثبت؟

عندما ننظر إلى الحالات مجتمعة، نجد أن الأدلة لا تسمح بصياغة قاعدة تقول إن “كل من قابلتهم الجزيرة قُتل بسبب المقابلة”.

هذه العبارة ببساطة أكبر من الوقائع.

فبن لادن قابلته الجزيرة ثم قُتل بعد سنوات طويلة.

والمبحوح قابلته الجزيرة في دمشق قبل اغتياله، لكن القناة نفسها لم تكن تعرف هويته وفق الرواية المنشورة.

والعولقي كان هدفًا أمريكيًا معروفًا قبل المقابلة، ثم قُتل بعد أكثر من عام.

ومروان عيسى جاء استهدافه بعد فترة زمنية طويلة من المقابلة.

أما ملا داد الله، فتظل حالته الأكثر إثارة بسبب قرب المقابلة من عملية مقتله، وتصريح السلطات الأفغانية بأن العملية قامت على معلومات دقيقة، لكن لا توجد وثيقة علنية تثبت أن مصدر تلك المعلومات كان المقابلة. (2، 3)

أما حالة يسري فودة ورمزي بن الشيبة فهي مختلفة؛ لأن الأمر يتعلق بالقبض على أحد الذين تمت مقابلتهم، وقد ظهرت بالفعل اتهامات تربط بين المقابلة والقبض عليه، لكن فودة نفى وجود علاقة، ولم تظهر وثيقة علنية تثبت أن المقابلة أدت إلى الاعتقال. ([11])

ومن هنا أرى أن النتيجة العلمية الأقرب إلى الصواب هي أن هناك عددًا من الحالات الموثقة التي قابلت فيها الجزيرة شخصيات شديدة السرية أو الخطورة، ثم انتهى مصير بعض هؤلاء إلى القتل أو الاغتيال أو الاعتقال؛ لكن المصادر المفتوحة لا تسمح بإثبات علاقة سببية عامة بين المقابلات وهذه النهايات.

وهذا لا يضعف المقال؛ بل يقويه.

فالتحليل الجاد لا يحتاج إلى أن تكون النتيجة محسومة مسبقًا.

رابع عشر: ما الذي لا نعرفه؟ وربما يكون هو الأهم

في القضايا الاستخبارية، لا تكون المعلومات الأكثر أهمية دائمًا هي المعلومات الموجودة في الصحف.

بل قد تكون المعلومات الحاسمة في الملفات السرية التي لا تصل إلى الجمهور.

ولا نعرف، من المصادر المفتوحة المتاحة، ما إذا كانت أجهزة استخبارات معينة حصلت على التسجيلات الأصلية لبعض المقابلات قبل بثها أو بعده.

ولا نعرف ما إذا كانت الصور الأصلية، أو المواد غير المستخدمة، أو تفاصيل المكان، قد خضعت لتحليل استخباري.

ولا نعرف ما إذا كانت بعض المعلومات التي ظهرت في المقابلات قد قورنت بمعلومات أخرى كانت لدى أجهزة الأمن.

والأهم أننا لا نملك وثيقة استخبارية منشورة تقول بصورة مباشرة: تم تحديد هذا الهدف اعتمادًا على مقابلة أجرتها الجزيرة.”

وهذا الغياب لا يعني أن ذلك لم يحدث.

لكنه يعني أننا لا نستطيع أن نقول إنه حدث.

وهنا أرى أن على الباحث أن يتوقف عند حدود الأدلة.

فالانتقال من “يمكن أن تكون المعلومات قد استُخدمت” إلى “لقد استُخدمت بالفعل” يحتاج إلى وثيقة جديدة.

والانتقال من “قد تكون المقابلة ذات قيمة استخبارية” إلى “كانت المقابلة عملية استخبارية” يحتاج إلى دليل أكبر بكثير.

خامس عشر: الخلاصة.. بين السبق الصحفي والاستخبار

في تقديري، فإن أخطر ما يمكن أن نقع فيه عند تناول هذه القضية هو اختيار أحد طرفي النقيض.

الطرف الأول يقول إن كل مقابلة أجرتها الجزيرة مع قيادات الجماعات المسلحة كانت في الحقيقة عملية استخبارية مقنعة، وهذا استنتاج لا تملكه الأدلة المنشورة.

والطرف الثاني يقول إن المقابلات لا تتجاوز كونها عملًا إعلاميًا، وهذا أيضًا تبسيط لا ينسجم مع طبيعة الحرب الحديثة على الإرهاب.

فالإعلام اليوم جزء من البيئة المعلوماتية التي تعمل فيها أجهزة الدولة والجماعات المسلحة على السواء.

ومن هنا نستطيع أن نقول إن الكاميرا قد لا تكون جهازًا استخباريًا، لكنها قد تنتج مادة استخبارية.

وهذا الفارق، رغم بساطته، هو جوهر القضية كلها.

فحين تقف الكاميرا أمام أسامة بن لادن، أو ملا داد الله، أو أنور العولقي، أو محمود المبحوح، أو مروان عيسى، فإن الصحفي يرى أمامه مقابلة.

أما محلل الاستخبارات فقد يرى وجهًا، وصوتًا، وبيئة، وشبكة علاقات، وتفاصيل مكانية، وأنماطًا سلوكية، وإشارات يمكن مقارنتها بآلاف البيانات الأخرى.

وبالتالي فإن المادة التي انتهت بالنسبة للصحفي عند حدود النشر قد تكون بالنسبة إلى جهاز استخباري مجرد قطعة واحدة من أحجية أكبر.

وهنا تحديدًا أرى أن السؤال الحقيقي ليس: هل كانت الجزيرة تصطاد الإرهابيين بالكاميرا؟

لا توجد أدلة كافية تسمح بهذا الحكم.

السؤال الأكثر أهمية هو: هل أدركت الجماعات المسلحة أن الظهور الإعلامي قد يكشف بعض أسرارها، وهل أدركت أجهزة الاستخبارات أن الإعلام يمكن أن يوفر لها نافذة مفتوحة على أهدافها؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإننا نكون أمام مفارقة تاريخية شديدة الدلالة.

فالإرهابي ذهب إلى الكاميرا لكي يخاطب العالم، والصحفي ذهب إليه لكي يحصل على السبق، بينما قد يكون طرف ثالث ينظر إلى المشهد كله بحثًا عن معلومة تقوده إلى الهدف.

ومن هنا تصبح العلاقة بين الإرهاب والإعلام والاستخبارات أكثر تعقيدًا من مجرد اتهام مؤسسة إعلامية أو تبرئتها.

وفي تقديري، فإن السبق الصحفي قد يكون نهاية القصة بالنسبة إلى الصحفي، لكنه قد يكون بداية القصة بالنسبة إلى الاستخبارات.

وهذه هي النقطة التي أرى أنها تستحق دراسة أوسع وأعمق: ليس لإدانة الجزيرة دون دليل، ولا لتبرئتها من كل سؤال، وإنما لفهم الكيفية التي تحولت بها الصورة والمقابلة والرسالة الإعلامية، في عصر الحرب على الإرهاب، من مجرد أدوات للاتصال بالجمهور إلى عناصر يمكن أن تدخل في البيئة المعلوماتية للصراع الاستخباري.

ولذلك فإن الحكم النهائي، في رأيي، يجب أن يظل مفتوحًا أمام الوثيقة التي لم تُكشف بعد.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M