مقدمة: قمة في لحظة إعادة تشكيل
تنعقد قمة بريكس في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026 في لحظة دولية شديدة الاضطراب، تتقاطع فيها الحروب الإقليمية مع الأزمات الاقتصادية، وتتداخل فيها اعتبارات أمن الطاقة مع أمن التجارة والممرات البحرية، بينما تستمر الحرب الروسية–الأوكرانية في إعادة تشكيل العلاقات بين روسيا والغرب من جهة، وبين موسكو والقوى الآسيوية الصاعدة من جهة أخرى. ومن ثم، فإن القمة لا تأتي في سياق دولي طبيعي يمكن خلاله التعامل معها باعتبارها اجتماعًا دوريًا لتنسيق المواقف الاقتصادية، وإنما تنعقد في قلب مرحلة انتقالية يعاد خلالها تعريف مصادر القوة وقواعد التنافس داخل النظام الدولي.
لقد أصبحت بريكس، بعد توسعها، إطارًا يضم قوى اقتصادية وسياسية وجغرافية شديدة التنوع، ويقترب وزنها الجماعي من نصف سكان العالم ونحو 40% من الاقتصاد العالمي وفق تعادل القوة الشرائية. غير أن زيادة الوزن الكمي للمجموعة لم تُنهِ التباينات داخلها؛ فالعلاقات بين الصين والهند تحمل عناصر تعاون ومنافسة في الوقت نفسه، كما أن حسابات روسيا وإيران تختلف في بعض جوانبها عن حسابات دول خليجية وأخرى ترتبط بشبكات اقتصادية وأمنية واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا.[1]
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه قمة نيودلهي، في تقديري، لا يتمثل في ما إذا كانت بريكس ستتحول إلى “معسكر مضاد للغرب”، وإنما في سؤال أكثر عمقًا يتعلق بقدرتها على تحويل وزنها الاقتصادي والجغرافي والديموغرافي إلى أدوات عملية تعيد توزيع النفوذ داخل النظام الدولي. وأرى أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب قراءة القمة من خلال مجموعة من الملفات المترابطة التي لم يعد من الممكن فصل بعضها عن بعض؛ وفي مقدمتها اضطراب التجارة العالمية، وأزمة الطاقة وأسعار النفط، والحرب المرتبطة بإيران والشرق الأوسط، ثم الحرب الروسية–الأوكرانية وما أحدثته من إعادة تموضع في الاقتصاد والجغرافيا السياسية الدولية.
أولًا: بريكس أمام اختبار القوة وليس اختبار العدد
منذ نشأتها، ارتبطت بريكس بفكرة أساسية تتمثل في إصلاح بنية النظام الاقتصادي الدولي ومنح الاقتصادات الصاعدة وزنًا يتناسب مع حجمها الحقيقي في الاقتصاد العالمي. إلا أن التطورات الأخيرة نقلت هذه الفكرة من إطار المطالبة السياسية إلى مستوى الضرورة الاستراتيجية، فالحروب والعقوبات والقيود التجارية أثبتت أن الاعتماد الاقتصادي يمكن أن يتحول، في ظروف الصراع، إلى مصدر ضعف، وأصبحت الدولة التي تعتمد بصورة مفرطة على سوق واحدة أو نظام مالي واحد أو ممر بحري واحد أكثر عرضة للضغط عندما تتحول العلاقات الدولية من التعاون إلى التنافس.
وهذا يفسر لماذا تحاول الرئاسة الهندية لبريكس الدفع باتجاه تعزيز التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد واللوجستيات ونظم الدفع العابرة للحدود.[2] وفي تقديري أن هذه النقلة مهمة؛ لأن بريكس لن تصبح مؤثرة لمجرد زيادة عدد أعضائها، وإنما عندما تتحول إلى شبكة اقتصادية قادرة على توفير بدائل عملية في التمويل والتجارة والطاقة والمدفوعات. وهنا تكمن المفارقة الأساسية؛ فكلما توسعت بريكس زاد وزنها الدولي، ولكن كلما توسعت أيضًا زادت صعوبة الوصول إلى موقف سياسي موحد.
وهذا يعني أن مستقبل المجموعة لن يكون بالضرورة في تحويلها إلى تحالف سياسي صلب، وإنما في بناء مؤسسات مرنة تسمح بتعاون عملي بين دول تختلف في توجهاتها ومصالحها. فالقوة الحقيقية لبريكس، في تقديري، لن تقاس فقط بعدد أعضائها، وإنما بقدرتها على تحويل اختلاف المصالح إلى مساحة مشتركة للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.
ثانيًا: التجارة العالمية تتحول من منطق الكفاءة إلى منطق الأمن
دخلت التجارة العالمية خلال السنوات الأخيرة مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقود السابقة. فقد كان منطق العولمة الاقتصادية يقوم بدرجة كبيرة على البحث عن أقل تكلفة وأعلى كفاءة، بحيث تنتقل السلع ورؤوس الأموال عبر الحدود وفقًا لقواعد السوق. أما اليوم، فقد أصبح السؤال مختلفًا: هل تستطيع الدولة الوصول إلى السلعة في وقت الأزمات؟ وهل يمكنها حماية خطوط الإمداد؟ وهل يمكن استمرار تدفق المواد الخام إذا تعرضت دولة المورد للعقوبات؟ وهل يمكن للسفن عبور الممرات البحرية بأمان؟
وهكذا أصبحت سلاسل الإمداد جزءًا من الأمن القومي. وقد أدت الحرب الروسية–الأوكرانية إلى كشف هشاشة بعض سلاسل الطاقة والغذاء والأسمدة، بينما كشفت أزمة الشرق الأوسط أن اضطراب الممرات البحرية يمكن أن يفرض تكاليف إضافية على الاقتصاد العالمي حتى لو لم تتوقف التجارة بصورة كاملة. وفي هذا السياق، تعمل بريكس على تطوير التعاون في سلاسل القيمة العالمية والخدمات اللوجستية، بما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن القدرة على الصمود أمام الصدمات أصبحت عنصرًا من عناصر القوة الاقتصادية.[3]
ومن هنا نستطيع أن نقول إن الصراع الاقتصادي الدولي لم يعد صراعًا حول الرسوم الجمركية فقط، وإنما أصبح صراعًا على مواقع الإنتاج ومصادر المواد الخام والتكنولوجيا والموانئ والممرات البحرية وشبكات التمويل. وهذا التحول يعيد الاعتبار بقوة إلى الجغرافيا السياسية؛ فالميناء لم يعد مجرد منشأة تجارية، والممر البحري لم يعد مجرد طريق للنقل، ومصدر الطاقة لم يعد مجرد مورد اقتصادي، وإنما أصبحت هذه العناصر جميعًا أدوات في معادلة القوة الدولية.
ثالثًا: النفط يعيد الطاقة إلى قلب الصراع الدولي
يأتي النفط في مقدمة الملفات التي تكشف بوضوح العلاقة الجديدة بين الاقتصاد والأمن والجغرافيا السياسية. فإذا كانت التجارة هي شريان الاقتصاد العالمي، فإن النفط يظل أحد أهم مفاتيح استقراره، وهو ما يجعل التطورات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط وإيران ذات تأثير يتجاوز حدود المنطقة، خصوصًا أن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات العالمية لتدفق النفط والغاز، بينما يظل البحر الأحمر وباب المندب جزءًا مهمًا من منظومة التجارة بين آسيا وأوروبا.
وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية في 11 سبتمبر 2026 من أن إمدادات النفط العالمية خلال العام قد تنخفض بنحو 5.7 ملايين برميل يوميًا، أي قرابة 6%، نتيجة استمرار اضطرابات الشرق الأوسط والخليج، مع تراجع إنتاج بعض الدول وتآكل المخزونات.[4] وهذه الأرقام لا تعكس مجرد مشكلة في السوق، وإنما تكشف طبيعة الأزمة الجديدة؛ فالمشكلة لم تعد في وجود النفط داخل الأرض، بل في القدرة على إنتاجه ونقله وتأمين مسارات وصوله إلى الأسواق.
كما أن أسعار النفط التي تجاوزت حاجز 100 دولار للبرميل في ظل اضطراب تدفقات الخليج تؤكد أن الجغرافيا السياسية تستطيع خلال فترة قصيرة إعادة صياغة الحسابات الاقتصادية للدول.[5] ومن هنا فإن أمن الطاقة أصبح أمنًا جيوسياسيًا، ولم يعد بالإمكان التعامل مع الطاقة باعتبارها ملفًا اقتصاديًا منفصلًا عن الأمن القومي والصراعات الإقليمية.
وهذا الأمر يضع بريكس أمام فرصة وتحدٍ في الوقت نفسه؛ فالمجموعة تضم دولًا منتجة للطاقة مثل روسيا وإيران، ودولًا مستهلكة رئيسية مثل الصين والهند، كما تضم دولًا خليجية تمتلك وزنًا مهمًا في أسواق الطاقة العالمية. ولذلك فإن الطاقة قد تكون أحد أكثر المجالات التي تستطيع بريكس من خلالها بناء تعاون عملي، ليس بالضرورة في صورة سياسة نفطية موحدة، وإنما عبر تنويع مصادر الطاقة، وتطوير الاستثمارات، وتوسيع التعاون في البنية التحتية والنقل والمدفوعات.
رابعًا: إيران والشرق الأوسط يختبران تماسك بريكس
تأتي قمة نيودلهي في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى إيران. فإيران عضو في بريكس منذ عام 2024، لكن الحرب الحالية وضعت المجموعة أمام معضلة لم تكن موجودة بهذه الحدة من قبل؛ إذ توجد داخل بريكس دول ترتبط بعلاقات استراتيجية مع طهران، ودول أخرى خليجية لها حسابات أمنية مختلفة، بينما تحاول الهند والصين وروسيا إدارة علاقاتها مع أطراف الصراع دون الانجرار إلى اصطفاف كامل.[6]
وقد التقى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قبيل القمة، وركزت المحادثات على الوضع الإقليمي وأمن الملاحة والسلام والاستقرار، وهو ما يعكس حساسية الموقع الإيراني في الحسابات الهندية.[7]
وفي تقديري، فإن أهمية إيران بالنسبة إلى بريكس لا ترجع فقط إلى كونها دولة عضوًا، وإنما إلى موقعها الجغرافي؛ فهي تقع عند تقاطع الخليج وآسيا الوسطى والممرات المتصلة بالمحيط الهندي، وتملك تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر في أمن مضيق هرمز، ولذلك فإن أي اضطراب طويل في العلاقة مع إيران سينعكس على الطاقة والتجارة والنقل.
وهنا تصبح قدرة بريكس على إنتاج موقف جماعي بشأن الشرق الأوسط محدودة بطبيعة اختلاف المصالح بين أعضائها. ولذلك لا أتوقع أن تتحول القمة إلى منصة لإعلان سياسة موحدة تجاه الحرب، وإنما أرجح أن تركز على مبادئ عامة تتعلق بوقف التصعيد واحترام سيادة الدول وأمن الملاحة ورفض توسيع نطاق الحرب. وهذا، في تقديري، هو الحد الواقعي الممكن للتوافق داخل المجموعة.
خامسًا: الحرب الروسية–الأوكرانية وإعادة توجيه الاقتصاد الروسي
أما الحرب الروسية–الأوكرانية، فقد أسهمت بصورة واضحة في إعادة رسم الخريطة الاقتصادية والجيوسياسية لروسيا. فالعقوبات الغربية لم تُنهِ التجارة الروسية، وإنما دفعت موسكو إلى إعادة توجيه جزء كبير من صادراتها نحو آسيا، وخاصة الصين والهند.
وهنا تظهر الهند باعتبارها نموذجًا بالغ الدلالة في السياسة الدولية الراهنة؛ فنيودلهي تحافظ على شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بعلاقاتها العميقة مع روسيا، خاصة في مجالات الطاقة والدفاع. وقد التقى مودي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نيودلهي في 11 سبتمبر، قبيل القمة، واتفق الطرفان على تعزيز التعاون في التجارة والطاقة والدفاع، مع هدف رفع التجارة الثنائية إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030.[8]
والأهم من الرقم ذاته أن العلاقات الهندية–الروسية تكشف تحولًا أعمق في النظام الدولي؛ فالهند لا ترى أن علاقتها بواشنطن تستلزم التخلي عن موسكو، ولا ترى أن علاقتها بروسيا تعني الدخول في مواجهة مع الغرب. إنها تمارس ما يمكن وصفه بـ”الاستقلال الاستراتيجي”، وهو مفهوم أراه أحد أهم مفاتيح فهم السياسة الدولية في المرحلة الراهنة.
فالدول الصاعدة لا تريد بالضرورة اختيار معسكر نهائي، بل تريد الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من حرية الحركة بين مراكز القوة. وهذا تحديدًا ما يمنح قمة بريكس أهميتها؛ لأن الهند المستضيفة للقمة تمثل في حد ذاتها نموذجًا لهذا النظام الدولي متعدد الاتجاهات.
سادسًا: بريكس ليست نظامًا بديلًا… لكنها قد تصبح أداة لإعادة تشكيل النظام
من الخطأ، في تقديري، التعامل مع بريكس باعتبارها أصبحت نظامًا دوليًا بديلًا للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة. فالفروق بين الدول الأعضاء كبيرة، ولا تزال المجموعة تفتقر إلى سوق موحدة وعملة مشتركة ونظام مالي متكامل، كما أن بعض الأعضاء لا يريدون تحويلها إلى تحالف موجه ضد الغرب.[9]
لكن الخطأ المقابل هو التقليل من شأن بريكس باعتبارها مجرد تجمع رمزي؛ فالمجموعة تمتلك كتلة سكانية واقتصادية ضخمة، كما تضم دولًا تمتلك موارد طاقة وغذاء ومعادن وممرات بحرية وقدرات صناعية وتكنولوجية كبيرة.
ولهذا فإن المسار الأكثر احتمالًا، في تقديري، ليس إسقاط النظام القائم واستبداله بنظام جديد، وإنما إعادة تشكيله تدريجيًا من خلال بناء بدائل جزئية؛ بدائل في المدفوعات والتمويل والتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد. وهذه البدائل، حتى لو لم تؤد إلى إنهاء الدور المركزي للمؤسسات الغربية، فإنها تقلل من قدرة أي طرف منفرد على استخدام الاعتماد الاقتصادي كسلاح سياسي، وهو ما يمثل في حد ذاته تحولًا مهمًا في توزيع القوة.
سابعًا: من حرب أوكرانيا إلى حرب إيران… العالم يدخل مرحلة الأزمات المتزامنة
ما يجعل اللحظة الدولية الراهنة شديدة الخطورة ليس وجود حرب واحدة، وإنما تزامن عدة أزمات في وقت واحد. فالحرب الروسية–الأوكرانية تؤثر في الطاقة والغذاء والأسمدة والتجارة الأوروبية، والحرب في الشرق الأوسط تضغط على النفط والغاز والملاحة، والتوتر حول إيران يهدد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، واضطراب البحر الأحمر يرفع تكاليف النقل والتأمين ويعيد توجيه بعض حركة التجارة، بينما يعيد التنافس الأمريكي–الصيني تشكيل التكنولوجيا والاستثمار وسلاسل الإنتاج.
ومن هنا فإن الأزمات أصبحت مترابطة، وهو ما يجعلني أرى أن مفهوم “الأزمة الإقليمية” لم يعد كافيًا لفهم كثير من الصراعات الحالية. فما يحدث في مضيق هرمز قد يظهر أثره في أسعار الوقود في آسيا وأوروبا، وما يحدث في البحر الأحمر قد ينعكس على تكلفة السلع في الأسواق الأوروبية، وما يحدث في أوكرانيا قد يؤثر في أسعار الطاقة والأسمدة في إفريقيا والشرق الأوسط.
وهكذا فإن العالم يدخل مرحلة يمكن تسميتها “مرحلة الأزمات المتزامنة”، حيث تتحول الأزمة المحلية بسرعة إلى أزمة عابرة للأقاليم، ويصبح من الصعب فصل الأمن الإقليمي عن الاقتصاد العالمي.
ثامنًا: مصر بين بريكس والبحر الأحمر والنظام الدولي المتعدد
تكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر. فعضوية مصر في بريكس لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد عضوية في تكتل اقتصادي، وإنما باعتبارها أداة إضافية في السياسة الخارجية المصرية. فمصر تقع عند نقطة التقاء البحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس، وهي بذلك ترتبط مباشرة بمسارات التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وفي الوقت نفسه، تمتلك مصر علاقات واسعة مع الصين وروسيا والهند ودول الخليج، إلى جانب علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا. وهذه الشبكة المتعددة من العلاقات يمكن أن تتحول إلى ميزة استراتيجية إذا أُديرت وفق رؤية تقوم على تنويع الشراكات وليس استبدال شريك بآخر.
ومن هنا فإنني أرى أن المصلحة المصرية في المرحلة المقبلة تكمن في توظيف بريكس لتعزيز الاستثمار والتجارة والطاقة والتصنيع ونقل التكنولوجيا، مع الحفاظ على التوازن في العلاقات الدولية. كما أن أمن البحر الأحمر وقناة السويس يجب أن يحتلا موقعًا متقدمًا في التفكير الاستراتيجي المصري؛ لأن اضطراب الملاحة لا يمثل تهديدًا أمنيًا فقط، وإنما يحمل آثارًا مباشرة على التجارة والإيرادات والطاقة والاقتصاد العالمي.
تاسعًا: قمة نيودلهي واختبار النظام الدولي القادم
إذا جمعنا هذه التطورات، سنجد أننا أمام تغير في مفهوم القوة نفسه. فالقوة في النظام الدولي لم تعد تقاس فقط بحجم القوات المسلحة أو عدد الأسلحة النووية، وإنما أصبحت مزيجًا من القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية والطاقة والتكنولوجيا والتمويل والموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد والقدرة على التأثير في قواعد التجارة.
وهذا هو السبب في أن الحرب والتجارة والطاقة أصبحت ملفات متداخلة. فالسيطرة على ممر بحري يمكن أن تؤثر في أسعار النفط، وارتفاع النفط يمكن أن يؤدي إلى التضخم، والتضخم يمكن أن يغير السياسات النقدية، والسياسات النقدية تؤثر في التجارة والاستثمار، والعقوبات يمكن أن تدفع الدول إلى إنشاء أنظمة دفع بديلة، وهذه الأنظمة البديلة يمكن أن تعيد توزيع النفوذ المالي.
وهكذا فإن سلسلة واحدة من الأحداث الجيوسياسية يمكن أن تنتقل من ساحة الحرب إلى الأسواق المالية ثم إلى الاقتصاد الحقيقي. وفي تقديري أن هذه هي السمة الأبرز للنظام الدولي الجديد: تداخل أدوات القوة بدل انفصالها.
الخلاصة
ونستنتج مما سبق أن قمة بريكس في الهند تنعقد في لحظة تتجاوز أهميتها حدود المجموعة نفسها. فهي تأتي في الوقت الذي تعاني فيه التجارة العالمية من اضطرابات متزايدة، وأسواق الطاقة من صدمات كبيرة في الإمدادات، بينما تستمر الحرب الروسية–الأوكرانية وتفرض حرب إيران والشرق الأوسط واقعًا جديدًا على أمن الطاقة والممرات البحرية.
ولذلك فإن بريكس أمام اختبار حقيقي، ليس اختبار قدرتها على إصدار بيان سياسي جديد، وإنما اختبار قدرتها على تحويل الوزن الاقتصادي والجغرافي الذي تمتلكه إلى مؤسسات وآليات عملية. وفي تقديري أن بريكس لن تتحول قريبًا إلى حلف سياسي أو اقتصادي موحد، ولن تحل محل النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، لكنها تستطيع أن تصبح إحدى أهم القوى التي تدفع هذا النظام نحو تعدد أكبر في مراكز القوة.
وهذا التحول لن يحدث عبر إعلان مواجهة مباشرة مع الغرب، وإنما من خلال بناء شبكات بديلة في التجارة والطاقة والتمويل والمدفوعات وسلاسل الإمداد. ومن هنا فإن السؤال الأهم الذي تطرحه قمة نيودلهي ليس: هل ستقود بريكس العالم؟ وإنما: هل تستطيع بريكس أن تجعل العالم أقل اعتمادًا على مركز قوة واحد؟
وفي تقديري أن الإجابة ستتوقف على قدرتها على تجاوز الخلافات الداخلية، وتحويل حجمها الاقتصادي إلى مؤسسات فعالة، وربط المصالح بين الدول الأعضاء بطريقة تجعل التعاون أكثر ربحًا من التنافس.
أما بالنسبة إلى مصر، فإن المرحلة الجديدة تفرض عليها ألا تنظر إلى عضويتها في بريكس باعتبارها عنوانًا سياسيًا فقط، وإنما باعتبارها منصة لتعظيم القيمة الاستراتيجية لموقعها الجغرافي، وتنويع شراكاتها الاقتصادية، وحماية مصالحها في الطاقة والتجارة والبحر الأحمر وقناة السويس.
وهكذا فإن ما يجري في نيودلهي ليس مجرد قمة لدول صاعدة، وإنما هو جزء من عملية أوسع لإعادة توزيع القوة في العالم. فمن يملك الطاقة، ويؤمّن طرق التجارة، ويمتلك التكنولوجيا، ويسيطر على أدوات التمويل، ويستطيع حماية سلاسل الإمداد، سيكون شريكًا في صياغة النظام الدولي القادم، وليس مجرد متلقٍ لقواعده.