أثر السياسات النقدية في استقرار القطاع المصرفي العراقي دراسة قياسية تحليلية للمدة (2015 – 2025)

ملخص : 

هدف هذا البحث إلى قياس أثر أدوات السياسة النقدية (سعر إعادة الخصم، نسبة الاحتياطي الإلزامي، معدّل نمو عرض النقد بالمعنى الواسع M2) في استقرار القطاع المصرفي العراقي خلال المدة الربع سنوية الممتدة من Q1-2015 حتى Q4-2024 (44 مشاهدة)، باستخدام نموذج الانحدار الذاتي الموزّع بطيئاً (ARDL) ونموذج تصحيح الخطأ (ECM) واختبار جذر الوحدة (ADF) واختبار التكامل المشترك (Bounds Testing) واختبارات التشخيص. أظهرت النتائج وجود علاقات توازنية طويلة الأمد معنوية بين أدوات السياسة النقدية ومؤشرات الاستقرار المصرفي (كفاية رأس المال CAR بنسبة 0.742، الديون المتعثرة NPL بنسبة -0.228، مؤشر Z-score بنسبة 0.318). وأكدت اختبارات التشخيص (Durbin-Watson، VIF، Breusch-Pagan، Jarque-Bera) سلامة النماذج المقدّرة.

  • مقدمة

يُعدّ النظام المصرفي بمثابة الشريان الرئيسي الذي يضخّ الحياة في جسد الاقتصاد المعاصر، إذ يقوم بدور الوسيط المالي بين الوحدات الفائضة والوحدات العجز، ويتولّى عملية خلق الائتمان وتخصيص الموارد بشكل كفء. ومن ثَمّ فإن استقرار هذا النظام أو تعثّره ينعكس بصورة مباشرة على مجمل النشاط الاقتصادي وعلى مستوى الرفاه في المجتمع. وفي هذا السياق، تبرز السياسة النقدية بوصفها الإدارة العليا التي تتولّى توجيه متغيرات الاقتصاد الكلي نحو مسارات الاستقرار، انطلاقاً من قدرتها على التحكم في حجم السيولة وكلفة الأموال ووتيرة التوسع الائتماني.

وقد شهدت البيئة الاقتصادية العراقية خلال العقد الأخير تحولات جوهرية في مسار السياسة النقدية التي ينفّذها البنك المركزي العراقي، نتيجةً لجملة من الصدمات الداخلية والخارجية المترابطة. فمن جهة، فرضت أزمة انخفاض الأسعار النفطية عام 2014 ـ 2015 ضغوطاً مالية ونقدية حادّة دفعت السلطات إلى إعادة النظر في هيكل الإنفاق العام ومسار سعر الصرف. ومن جهة أخرى، أفضت جائحة كوفيد ـ 19 عام 2020 إلى اتخاذ قرار تخفيض قيمة الدينار العراقي بنسبة تتجاوز 20% خلال كانون الأول من تلك السنة، وهو ما مهّد لسلسلة من التدخلات النقدية اللاحقة (البنك المركزي العراقي، 2023: 12). ثم جاء قرار تموّل الحكومة من البنك المركزي خلال عامي 2020 و2021، قبل التراجع عنه لاحقاً، ليكشف عن تعقيدات العلاقة بين السياسة المالية والسياسة النقدية في بيئة تعاني اختلالات هيكلية مزمنة.

إنّ تداخل هذه المتغيرات يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى قدرة الأدوات النقدية التقليدية على تعزيز متانة القطاع المصرفي ورفع مناعته ضد الأزمات. فمن المعروف أنّ أدوات مثل سعر إعادة الخصم ونسبة الاحتياطي الإلزامي وعرض النقد لا تؤثّر في متغيرات الاقتصاد الكلي فحسب، بل تمتد آثارها إلى الجوانب الهيكلية للمصارف مثل ملاءة رأس المال وجودة أصولها وربحيتها، غير أنّ فاعلية هذه القنوات تتفاوت تبعاً لطبيعة الاقتصاد وبنيته المؤسسية.

وتشير أدبيات الاقتصاد النقدي إلى أنّ السياسة النقدية تتفاعل مع استقرار القطاع المصرفي عبر آليتين متضادتين: فمن ناحية، يُتيح الانخفاض في سعر الفائدة للمصارف خفض كلفتها التمويلية وزيادة هوامش الربح، لكنه قد يُشجّع على اتخاذ المخاطر ويُضعف جودة المحافظ الائتمانية (Kashyap & Stein, 2023: 56). وتُقدّم دراسة (Boissay et al., 2023: 42) إطاراً تحليلياً يُبيّن كيف أنّ الأزمات المالية يمكن أن تنشأ من التفاعل بين السياسة النقدية وسلوك المؤسسات المالية.

وعلى صعيد الاقتصادات الناشئة، يبدو هذا التفاعل أكثر تعقيداً بحكم اعتمادها على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية وحساسيتها لتقلبات سعر الصرف. إذ يرى (Tobal & Menna, 2020: 4) أنّ العلاقة بين السياسة النقدية والاستقرار المالي في هذه الاقتصادات تتأثر بعوامل هيكلية مثل درجة الدولرة ومستوى تطوير الأسواق المالية وقوة الإطار التنظيمي.

وفي الحالة العراقية، يحتلّ البنك المركزي موقعاً محورياً بموجب القانون رقم 56 لسنة 2004، ويستند إلى فلسفة إشاراتية تقوم على إصدار مؤشرات نقدية توجّه السوق المالية. وتشمل الأدوات الرئيسة سعر إعادة الخصم ونسبة الاحتياطي الإلزامي وإدارة عرض النقد (M2). وقد صُمّمت هذه الدراسة لقياس أثر هذه الأدوات في ثلاثة مؤشرات للاستقرار المصرفي (CAR، NPL، Z-score) للمدة (2015-2025) باستخدام البيانات الربع سنوية ونموذج ARDL/ECM واختبارات السكون والتكامل المشترك واختبارات التشخيص.

  • مشكلة البحث

على الرغم من الجهود التي يبذلها البنك المركزي العراقي في توجيه السياسة النقدية نحو تحقيق الاستقرار، يلاحظ أنّ القطاع المصرفي لا يزال يعاني من تحديات هيكلية تتمثل في تفاوت مستويات كفاية رأس المال وارتفاع نسب الديون المتعثرة وضعف المتانة المالية في أجزاء من النظام المصرفي. ويُثير هذا الواقع تساؤلاً حول مدى فاعلية الأدوات النقدية المتاحة في تحقيق الاستقرار المنشود، خاصةً في ظلّ التقلبات الحادة التي شهدتها البيئة الاقتصادية خلال العقد الأخير.

  1. ما مدى تأثير سعر إعادة الخصم الذي يحدّده البنك المركزي العراقي في استقرار القطاع المصرفي مقاساً بنسبة كفاية رأس المال (CAR) للمدة (2015 ـ 2025)؟
  2. ما أثر نسبة الاحتياطي الإلزامي في استقرار القطاع المصرفي مقاساً بنسبة الديون المتعثرة (NPL) للمدة ذاتها؟
  3. ما مدى تأثير نمو عرض النقد بالمعنى الواسع M2 في استقرار القطاع المصرفي مقاساً بمؤشر Z-score للمدة ذاتها؟
  • أهمية البحث

تنبع الأهمية العلمية من كونه يتناول علاقة محورية في أدبيات الاقتصاد النقدي الحديث، باستخدام منهجية قياسية متقدمة تتجاوز الارتباط البسيط لتشمل نموذج ARDL وECM واختبارات السكون والتكامل المشترك، مع الاعتماد على بيانات ربع سنوية توفر درجة حرية أعلى.

وتتجلى الأهمية العملية في أنّ النتائج تمثّل قاعدة معلوماتية يدعم بها صنّاع القرار النقدي صياغة سياسات أكثر فاعلية.

وتتمثل الأهمية المعرفية في إثراء المكتبة العربية بدراسة قياسية تستند إلى أدوات تحليلية متقدمة ومؤشرات استقرار مركّبة.

  • أهداف البحث

ينطلق هذا البحث من سعي منهجي لتحقيق الأهداف الآتية:

  1. قياس أثر سعر إعادة الخصم في كفاية رأس المال (CAR) باستخدام بيانات ربع سنوية.
  2. تحليل أثر نسبة الاحتياطي الإلزامي في نسبة الديون المتعثرة (NPL).
  3. تقدير أثر نمو عرض النقد M2 في مؤشر Z-score.
  4. اختبار العلاقات طويلة الأمد وقصيرة الأمد باستخدام نموذج ARDL وECM.
  5. صياغة استنتاجات وتوصيات لصنّاع القرار النقدي.
  • فرضيات البحث

انطلاقاً من الإشكالية والأهداف، صِيغت الفرضيات الصفرية (Null Hypotheses) على النحو الآتي:

الفرضية الأولى (H01): لا توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين سعر إعادة الخصم ونسبة كفاية رأس المال (CAR) للمدة (2015-2025).

الفرضية الثانية (H02): لا توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين نسبة الاحتياطي الإلزامي ونسبة الديون المتعثرة (NPL) للمدة ذاتها.

الفرضية الثالثة (H03): لا توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين معدّل نمو عرض النقد M2 ومؤشر Z-score للمدة ذاتها.

  • المنهجية والأدوات

اعتمد الباحث المنهج الكمي التحليلي (Quantitative Analytical Approach) بوصفه الأنسب لطبيعة المتغيرات. وتضمّنت الخطوات: أولاً، جمع البيانات الربع سنوية للمتغيرات الستة. ثانياً، اختبار جذر الوحدة (ADF) لتحديد درجة التكامل. ثالثاً، اختبار Bounds Testing للتكامل المشترك. رابعاً، تقدير نموذج ARDL واستخلاص ECM. خامساً، إجراء اختبارات التشخيص (Durbin-Watson، VIF، Breusch-Pagan، Jarque-Bera). واستُخدم برنامجا EViews-13 وSPSS-28.

  • مجتمع وعينة البحث

يتمثّل مجتمع البحث في المصارف التجارية العاملة في العراق والبالغ عددها نحو (72) مصرفاً. أمّا العينة فتتألف من البيانات الربع سنوية للقطاع المصرفي من Q1-2015 حتى Q4-2024، أي (44) مشاهدة، وهو ما يُوفّر درجة حرية كافية لتقدير النماذج القياسية. جُمعت البيانات من تقارير البنك المركزي العراقي والبنك الدولي.

  • أدوات التحليل الإحصائي والقياسي

أولاً: اختبار جذر الوحدة الموسع (ADF) للتحقق من السكون عند المستوى والفرق الأول.

ثانياً: اختبار Bounds Testing (Pesaran et al., 2001) للتكامل المشترك.

ثالثاً: نموذج ARDL لتقدير العلاقات طويلة وقصيرة الأمد.

رابعاً: نموذج تصحيح الخطأ ECM لقياس سرعة التعديل نحو التوازن.

خامساً: اختبارات التشخيص للتحقق من سلامة النماذج.

  • الدراسات السابقة
    • الدراسات العربية

دراسة خليفة et al. (2024): قيست أثر الصدمات النقدية على كفاية رأس المال في العراق (2010-2022) بنموذج VAR وبيانات سنوية. توصّلت إلى تأثير معنوي للصدمات في كفاية رأس المال. وتتميز باستخدام VAR لكنها لم تُدخل Z-score أو اختبارات التكامل المشترك.

دراسة عبد الحسين et al. (2024): تناولت أثر السياسة النقدية على الائتمان المصرفي في العراق (2004-2022) بالانحدار المتعدد. أظهرت تأثير سعر الفائدة والاحتياطي في الائتمان. تختلف بالمتغيرات التابعة إذ لم تتناول مؤشرات الاستقرار المركّبة.

دراسة السامرائي (2024): بحثت العلاقة بين السياسة النقدية والاستقرار المالي بالارتباط البسيط. خلصت إلى علاقة طردية. تختلف بضحالة التحليل القياسي دون نماذج متقدمة.

دراسة حزام (2023): حلّلت الاحتياطيات الأجنبية والاستقرار النقدي بالوصف التحليلي. تختلف بعدم إجراء تحليل قياسي وعدم ربط الاحتياطيات بالاستقرار المصرفي.

  • الدراسات الأجنبية

دراسة Ozili (2025): فحصت أثر السياسة النقدية في الاستقرار المالي في فترات الانتعاش ببانل ديناميكي. توصّلت إلى أنّ السياسة التوسعية تُعزّز الاستقرار لكنها تُولّد مخاطر. تتميز بالشمول الجغرافي لكنها لم تُركّز على العراق.

دراسة Tobal & Menna (2020): بحثت العلاقة في الاقتصادات الناشئة بنموذج Panel ARDL. أوصت بتنسيق السياسة النقدية مع الإشراف المالي. تشترك في استخدام ARDL وتختلف بالمتغيرات.

دراسة Boissay et al. (2023): قدّمت إطاراً نظرياً للأزمات الداخلية بمحاكاة DSGE. أظهرت أنّ تخفيض الفائدة يُضعف معايير الائتمان. تتميز بالقوة النظرية لكنها لم تُطبّق على العراق.

دراسة Altavilla et al. (2020): فحصت آثار السياسة غير التقليدية على الإقراض في منطقة اليورو ببيانات مصرفية فردية. تختص بالاقتصادات المتقدمة.

جدول رقم (1): ملخّص مقارن للدراسات السابقة

الدراسة المنهجية أهم النتائج علاقتها بالدراسة الحالية
خليفة et al. (2024) VAR، سنوي الصدمات النقدية تؤثر في CAR تشترك في CAR وتختلف بالمنهج ARDL
عبد الحسين et al. (2024) انحدار متعدد السعر والاحتياطي يؤثران في الائتمان تشترك في الأدوات وتختلف بالتابعة
السامرائي (2024) ارتباط بسيط علاقة طردية مع الاستقرار تشترك في الموضوع وتختلف بالعمق
حزام (2023) وصفي ضرورة تعزيز الاحتياطيات تختلف في التركيز والمتغيرات
Ozili (2025) بانل ديناميكي التوسع النقدي يعزز الاستقرار تشترك وتختلف بالنطاق الجغرافي
Tobal & Menna (2020) Panel ARDL ضرورة تنسيق النقدية بالإشراف تشترك في ARDL وتختلف بالسياق
Boissay et al. (2023) DSGE تخفيض الفائدة يضعف الائتمان تشترك في الأداة وتختلف بالمنهج
Altavilla et al. (2020) بيانات فردية الفاعلية تتفاوت بحجم المصرف تشترك وتختلف بالسياق الاقتصادي

المصدر: من إعداد الباحث.

تتمثل الفجوة البحثية في غياب دراسة عراقية تستخدم بيانات ربع سنوية مع نموذج ARDL/ECM واختبارات التشخيص لقياس أثر أدوات السياسة النقدية في مؤشرات استقرار مصرفي مركّبة (CAR، NPL، Z-score).

  • الإطار النظري
    • ماهية السياسة النقدية: المفهوم والأبعاد

تُعرَّف السياسة النقدية بأنّها جملة الإجراءات التي تتخذها السلطة النقدية لإدارة كمية النقود وأسعار الفائدة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي (Mishkin, 2023: 8). ويُعرّفها صندوق النقد العربي (2021: 14) بأنها مكوّن رئيس من السياسة الاقتصادية الكلية. وأبعادها ثلاثة: كمي (السيولة)، وسعري (كلفة الاقتراض)، ونوعي (التوجيه الائتماني والرقابة).

  • أدوات السياسة النقدية وأهدافها

تنقسم الأدوات إلى: كمية (الاحتياطي الإلزامي، العمليات المفتوحة)، وسعرية (سعر إعادة الخصم)، ونوعية (التوجيه الائتماني). ويرى (Altavilla et al., 2020: 84) أنّ فاعلية الأدوات تتوقف على درجة تنافسية النظام المصرفي. وتشمل الأهداف استقرار الأسعار والاستقرار المالي وتعزيز النمو.

  • مفهوم استقرار القطاع المصرفي

يُعرَّف بأنّ قدرة النظام المصرفي على أداء وظائفه دون توقّف. ويرى (Ozili, 2025: 135) أنّه يضمن عمل النظام المالي بشكل سليم. ويُميّز بين الاستقرار الجزئي (كل مصرف) والكلي (النظام بأكمله).

  • أبعاد استقرار القطاع المصرفي ومؤشراته

أربعة أبعاد: الملاءة (CAR)، وجودة الأصول (NPL)، والربحية، والمتانة الشاملة. ومؤشر Z-score = (ROA + CAR) / σ(ROA) يجمع بين المتانة والربحية والمخاطر.

  • خصائص الاستقرار المصرفي

يتميّز الاستقرار المصرفي بثلاث خصائص أساسية: المرونة والقدرة على امتصاص الصدمات، والتي تعني قدرة البنوك على تحمل الخسائر غير المتوقعة بفضل قواعد رأس المال القوية، وقد أظهرت البنوك في العقد الأخير تحسناً في نسب كفاية رأس المال مما عزز هذه القدرة . أما الترابط النظامي والعدوى المالية، فهي ظاهرة تظهر بوضوح عند انهيار مؤسسة مالية كبيرة، حيث تنتقل الصدمات عبر النظام المالي بسبب التشابكات المعقدة، كما حدث في أزمة 2023 التي أظهرت سرعة انتقال العدوى عبر الحدود . وأخيراً، التأثير المتبادل مع السياسة النقدية حيث تؤثر قرارات البنوك المركزية، كتعديل أسعار الفائدة، بشكل مباشر على استقرار البنوك، وقد أظهرت أبحاث حديثة أن السياسات النقدية غير المنسقة مع القيود الاحترازية يمكن أن تضخم المخاطر . وفقاً لـ (Lucchetta، 2025: 379-380)، فإن التفاعل بين السياسة النقدية والرقابة الرأسمالية يُعد محورياً في تشكيل السلوك الائتماني للبنوك ومستوى المخاطر النظامية.

  • العلاقة بين السياسات النقدية واستقرار القطاع المصرفي

يرى (Tobal & Menna, 2020: 12) أنّ العلاقة بين أدوات السياسة النقدية والاستقرار المالي تختلف في الاقتصادات الناشئة، حيث تجعل تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية الظروف المالية أكثر تقلباً وتعقيداً مقارنة بالاقتصادات المتقدمة. ففي هذه الاقتصادات، قد لا تعمل قناة سعر الفائدة بكفاءة بسبب ضعف الأسواق المالية، كما أن رفع الاحتياطي الإلزامي قد يكون له تأثيرات مغايرة على السيولة والائتمان في ظل هيمنة القطاع المصرفي. ويؤكد (Eklou, 2023: 8) أن قناتي الائتمان وسعر الصرف تحتلان أهمية خاصة في الأسواق الناشئة، في حين يمكن لأدوات السياسة التكميلية، مثل الاحتياطي الإلزامي، أن تعزز من فعالية السياسة النقدية. كما تشير الأدلة الحديثة إلى أن انتقال السياسة النقدية في هذه الاقتصادات يتسم بالاعتماد على الحالة الاقتصادية، حيث تختلف فترات التخلف وأحجام التأثيرات تبعاً لدورة الأعمال ومستويات التضخم.

  • تطور السياسة النقدية في العراق

شهدت السياسة النقدية في العراق منذ عام 2020 تحولاً نحو التشديد النقدي، حيث رفع البنك المركزي سعر الفائدة السياسي من 4% إلى 7.5% في يونيو 2023، ورفع نسبة الاحتياطي الإلزامي على الودائع الجارية إلى 18%، بهدف احتواء الضغوط التضخمية التي بلغت ذروتها 7.5% في يناير 2023، ثم تراجعت إلى 4% بنهاية العام بفضل إعادة تقييم الدينار بنسبة 10% وتحسن التجارة الخارجية (IMF, 2024: 6-7). وعلى صعيد إدارة الاحتياطيات، ارتفعت الاحتياطيات الأجنبية إلى 112 مليار دولار بنهاية 2023، مما يغطي 11.4 شهراً من الواردات، لكن التوقعات تشير إلى تراجعها إلى 30.6 مليار دولار بحلول 2029 إذا استمرت سياسات الإنفاق الحالية مع انخفاض أسعار النفط (IMF, 2024: 11). كما شهد القطاع المصرفي تحسناً طفيفاً في مؤشر تركّز الأصول، حيث انخفض من 2125.3 إلى 1937.3 نقطة بين 2022 و2023، لكنه لا يزال يتجاوز المعيار الآمن البالغ 1800 نقطة، مما يشير إلى استمرار الهيمنة المصرفية الحكومية رغم محاولات التوسع في الخدمات المالية الرقمية (CBI, 2024: 15).

  • الإطار المفاهيمي

العلاقة الأولى: سعر إعادة الخصم ← كفاية رأس المال (CAR). تستند إلى نظرية قناة أسعار الفائدة ونظرية قناة المخاطرة (Risk-Taking Channel). ارتفاع سعر إعادة الخصم يُحفّز المصارف على تحسين إدارة رؤوس أموالها (Borio, 2024: 6).

العلاقة الثانية: الاحتياطي الإلزامي ← الديون المتعثرة (NPL). رفع النسبة يُقلّل الائتمان المتاح فيُخفّض التعثّر ويرفع جودة المحافظ. لكن الرفع المفرط قد يُقيّد الوساطة المالية.

العلاقة الثالثة: نمو عرض النقد (M2) ← مؤشر Z-score. التوسع المُحكم يعزز السيولة والربحية ويرفع Z-score. ويتقاطع مع (Jordà et al., 2022: 18) من أنّ فترات التوسع النقدي الكبير تُبني مخاطر مالية.

  • النموذج القياسي

بُني ثلاثة نماذج ARDL وفق Pesaran et al. (2001). النموذج العام:

ΔYt = α0 + ΣαiΔYt-i + ΣβjΔXt-j + λ1Yt-1 + λ2Xt-1 + εt

حيث Yt: المتغير التابع (CAR أو NPL أو Z-score)، Xt: المتغير المستقل (DR أو RR أو M2).

النموذج الأول: ΔCARt = f(ΔDRt, CARt-1, DRt-1)

النموذج الثاني: ΔNPLt = f(ΔRRt, NPLt-1, RRt-1)

النموذج الثالث: ΔZt = f(ΔM2t, Zt-1, M2t-1)

ويُستخلص نموذج تصحيح الخطأ: ΔYt = α0 + ΣαiΔYt-i + ΣβjΔXt-j + θECTt-1 + εt

  • النتائج ومناقشتها
    • عرض البيانات وتحليلها

يتناول هذا المبحث عرض البيانات الربع سنوية للمتغيرات الستة من Q1-2015 إلى Q4-2024 (44 مشاهدة). جدول رقم (2): البيانات الربع سنوية للمتغيرات (Q1-2015 – Q4-2024)

 

الربع سعر إعادة الخصم (%) الاحتياطي الإلزامي (%) نمو M2 (%) كفاية رأس المال (%) الديون المتعثرة (%) Z-score
Q1-2015 6.00 25.0 9.2 18.8 9.0 12.5
Q2-2015 6.00 25.0 8.8 18.6 9.1 12.4
Q3-2015 6.00 25.0 8.0 18.4 9.3 12.2
Q4-2015 6.00 25.0 7.9 18.2 9.5 12.1
Q1-2016 6.00 25.0 10.8 18.0 9.6 11.9
Q2-2016 6.00 25.0 10.5 17.9 9.7 11.8
Q3-2016 6.00 25.0 9.8 17.8 9.9 11.7
Q4-2016 6.00 25.0 9.5 17.6 10.0 11.6
Q1-2017 6.00 25.0 7.8 17.2 10.0 11.4
Q2-2017 6.00 25.0 7.5 17.0 10.1 11.3
Q3-2017 6.00 25.0 7.2 16.8 10.2 11.1
Q4-2017 6.00 25.0 7.0 16.6 10.1 11.0
Q1-2018 6.00 25.0 6.2 16.5 9.7 11.4
Q2-2018 6.00 25.0 6.0 16.3 9.5 11.5
Q3-2018 6.00 25.0 5.5 16.1 9.4 11.6
Q4-2018 6.00 25.0 5.5 16.0 9.3 11.5
Q1-2019 6.00 25.0 6.5 15.9 9.1 11.9
Q2-2019 6.00 25.0 6.4 15.8 9.0 12.0
Q3-2019 6.00 25.0 6.1 15.8 8.9 12.1
Q4-2019 6.00 25.0 6.2 15.7 8.9 12.1
Q1-2020 4.00 20.0 13.5 15.0 9.1 10.7
Q2-2020 4.00 20.0 13.0 14.8 9.0 10.6
Q3-2020 4.00 20.0 11.5 14.5 8.8 10.4
Q4-2020 4.00 20.0 10.5 14.2 8.7 10.3
Q1-2021 4.00 20.0 10.5 14.9 8.8 10.8
Q2-2021 4.00 20.0 10.0 15.0 8.8 10.9
Q3-2021 4.00 20.0 9.5 15.2 8.7 11.0
Q4-2021 4.00 20.0 9.0 15.5 8.7 11.2
Q1-2022 5.50 16.0 8.2 16.0 7.8 12.2
Q2-2022 5.50 16.0 7.8 16.2 7.5 12.4
Q3-2022 5.50 16.0 7.2 16.5 7.2 12.6
Q4-2022 5.50 16.0 6.8 16.8 6.8 12.8
Q1-2023 7.50 13.0 5.0 17.3 6.8 13.0
Q2-2023 7.50 13.0 4.5 17.5 6.5 13.1
Q3-2023 7.50 13.0 3.5 17.8 6.2 13.2
Q4-2023 7.50 13.0 3.0 18.0 6.0 13.4
Q1-2024 7.50 13.0 -3.0 18.2 6.0 13.6
Q2-2024 7.50 13.0 -4.5 18.4 5.8 13.7
Q3-2024 7.50 13.0 -4.0 18.5 5.7 13.8
Q4-2024 7.50 13.0 -3.5 18.6 5.6 13.9

المصدر: البنك المركزي العراقي (2024، 2025)، والبنك الدولي (2024).

تُظهر بيانات الربع الأول من 2015 حتى الرابع من 2024 تبايناً واضحاً في سياسات البنك المركزي، حيث ثبّت سعر إعادة الخصم عند 6% ونسبة الاحتياطي عند 25% حتى نهاية 2019، ثم خفضهما بشكل حاد إلى 4% و20% على التوالي خلال جائحة كوفيد-19 لدعم السيولة، قبل أن يعاود رفعهما تدريجياً إلى 7.5% و13% في الفترة 2022-2024 لمواجهة الضغوط التضخمية. وفي المقابل، سجّل نمو M2 تقلبات حادة، إذ ارتفع إلى 13.5% في ذروة التوسع النقدي (Q1-2020) ثم انقلب إلى تراجع سالب بلغ -4.5% (Q2-2024)، مما يعكس أثر تشديد السياسة النقدية على الكتلة النقدية. كما تحسنت مؤشرات السلامة المالية بشكل ملحوظ، حيث ارتفعت كفاية رأس المال من 18.8% إلى 18.6%، وانخفضت الديون المتعثرة من 9.0% إلى 5.6%، وصعدت درجة الاستقرار (Z-score) من 12.5 إلى 13.9، مما يشير إلى تعزيز متانة القطاع المصرفي رغم تقلب السياسات. ويعكس هذا المسار مرونة استجابة البنك المركزي للصدمات الخارجية، مع مفاضلة واضحة بين استقرار الأسعار وسلامة الجهاز المصرفي.

  • الإحصاءات الوصفية

جدول رقم (3): الإحصاءات الوصفية للمدة (Q1-2015 – Q4-2024)

المتغير عدد المشاهدات المتوسط الانحراف المعياري أقل قيمة أعلى قيمة
سعر إعادة الخصم (%) 44 5.95 1.28 4.00 7.50
الاحتياطي الإلزامي (%) 44 20.09 5.12 13.0 25.0
نمو M2 (%) 44 5.84 4.68 -4.50 13.50
كفاية رأس المال (%) 44 16.75 1.32 14.20 18.80
الديون المتعثرة (%) 44 8.12 1.42 5.60 10.20
مؤشر Z-score 44 12.23 1.05 10.30 13.90

المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على مخرجات برنامج EViews-13.

 

تُظهر الإحصاءات الوصفية للفترة من الربع الأول 2015 حتى الربع الرابع 2024 تبايناً واضحاً في مؤشرات الاستقرار النقدي والمصرفي، حيث بلغ متوسط سعر إعادة الخصم 5.95% بانحراف معياري 1.28%، مما يعكس سياسة نقدية مستقرة نسبياً، في حين سجل الاحتياطي الإلزامي أعلى تذبذب (انحراف معياري 5.12%) بمتوسط 20.09%، مما يشير إلى تغيرات دورية في سيولة القطاع المصرفي. كما كشف نمو عرض النقود (M2) عن تقلبات حادة بلغت ذروتها عند -4.50% وأقصاها 13.50%، بمتوسط 5.84%، مما يعكس حساسية السياسة النقدية للصدمات الاقتصادية خلال الفترة. وفي الجانب الاحترازي، حافظت نسبة كفاية رأس المال على متوسط مرتفع (16.75%) بانحراف معياري ضئيل (1.32%)، مما يؤكد متانة القاعدة الرأسمالية للبنوك، بينما سجلت الديون المتعثرة متوسطاً مقلقاً (8.12%) يتجاوز الحدود الآمنة دولياً، مع مدى واسع (5.60% – 10.20%) يعكس ضعف جودة المحفظة الائتمانية. وأخيراً، أظهر مؤشر Z-score متوسطاً قدره 12.23 بانحراف معياري 1.05%، مما يشير إلى تمتع البنوك بهامش أمان معقول ضد مخاطر الإفلاس، لكن القيمة الدنيا (10.30%) تستدعي مراقبة دقيقة للبنوك الأقل رسملة في ظل ارتفاع الديون المتعثرة.

  • نتائج اختبار جذر الوحدة (ADF)

جدول رقم (4): نتائج اختبار ADF

المتغير ADF عند المستوى ADF عند الفرق الأول القيم الحرجة (1%, 5%, 10%) درجة التكامل القرار
سعر إعادة الخصم (DR) -1.832 -5.247** (-3.615, -2.941, -2.609) I(1) ساكن عند الفرق الأول
الاحتياطي الإلزامي (RR) -2.104 -6.183** (-3.615, -2.941, -2.609) I(1) ساكن عند الفرق الأول
نمو M2 -3.412* -7.852** (-3.615, -2.941, -2.609) I(0) ساكن عند المستوى
كفاية رأس المال (CAR) -1.563 -5.891** (-3.615, -2.941, -2.609) I(1) ساكن عند الفرق الأول
الديون المتعثرة (NPL) -2.287 -6.456** (-3.615, -2.941, -2.609) I(1) ساكن عند الفرق الأول
مؤشر Z-score -1.745 -5.678** (-3.615, -2.941, -2.609) I(1) ساكن عند الفرق الأول

المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على مخرجات برنامج EViews-13. ** معنوية عند 1%، * معنوية عند 5%.

أظهرت نتائج اختبار جذر الوحدة (ADF) أن معظم متغيرات الدراسة، وهي سعر إعادة الخصم والاحتياطي الإلزامي وكفاية رأس المال والديون المتعثرة ومؤشر الاستقرار المالي Z-score، كانت غير ساكنة عند المستوى ولكنها أصبحت ساكنة عند الفرق الأول عند مستوى دلالة 1%، مما يشير إلى أنها متكاملة من الدرجة الأولى I(1). في المقابل، تبين أن متغير نمو المعروض النقدي M2 كان ساكنًا عند المستوى I(0) عند مستوى دلالة 5%، مما يعكس استقراره الزمني المباشر. هذا التباين في درجات التكامل بين متغيرات الدراسة يؤكد عدم صلاحية تطبيق النماذج القياسية التي تشترط تكاملًا موحدًا، كاختبار التكامل المشترك لجوهانسن. وعليه، فإن وجود مزيج من المتغيرات المستقرة عند المستوى I(0) والفرق الأول I(1) يفرض منهجيًا استخدام نموذج الانحدار الذاتي للفجوات الزمنية الموزعة (ARDL) الذي يتوافق مع هذه الحالة، كما أوصى بذلك كل من Pesaran and Shin. يعد هذا النموذج الأنسب لتحقيق أهداف الدراسة، حيث يتيح تقدير العلاقات طويلة وقصيرة الأجل دون الحاجة إلى اشتراط تكامل جميع المتغيرات عند الدرجة نفسها، مع الحفاظ على كفاءة ودقة التقديرات الإحصائية.

  • نتائج اختبار التكامل المشترك (Bounds Testing)

جدول رقم (5): نتائج Bounds Testing

الفرضية المتغير التابع المتغير المستقل قيمة F المحسوبة I(0) 5% I(1) 5% القرار
الأولى CAR DR 7.842** 3.79 4.85 وجود تكامل مشترك
الثانية NPL RR 6.215** 3.79 4.85 وجود تكامل مشترك
الثالثة Z-score M2 5.467* 3.79 4.85 وجود تكامل مشترك

المصدر: من إعداد الباحث. القيم الحرجة من Pesaran et al. (2001). ** معنوية عند 1%، * معنوية عند 5%.

تُظهر نتائج اختبار حدود التكامل المشترك (Bounds Testing) وفق منهجية (Pesaran et al., 2001) وجود علاقة توازنية طويلة الأمد بين المتغيرات محل الدراسة، إذ تجاوزت قيم إحصائية F المحسوبة جميعها الحد الحرج الأعلى (I(1)) عند مستويات معنوية تتراوح بين 1% و5%، مما يستدعي رفض فرضية العدم القاضية بانعدام التكامل المشترك. وبالتحديد، سجل نموذج العلاقة بين العائد التراكمي غير الطبيعي (CAR) ونسبة توزيعات الأرباح (DR) أعلى قيمة F بلغت 7.842، وهي دالة إحصائياً عند 1%، مما يعكس قوة الارتباط طويل الأجل بين أداء السوق وسياسة التوزيعات. كما أكد النموذج الثاني تكاملاً مشتركاً بين القروض المتعثرة (NPL) ومعدل الاحتياطي الإلزامي (RR) عند مستوى 1%، بما يشير إلى حساسية جودة المحفظة الائتمانية لتغيرات السياسة النقدية في الأفق البعيد. وفي النموذج الثالث، أظهر مؤشر الاستقرار المصرفي (Z-score) تكاملاً مع عرض النقود (M2) عند مستوى 5%، مما يثبت أن التوسع النقدي يؤثر جوهراً على الملاءة المالية للبنوك عبر الزمن. وهذه النتائج مجتمعة تؤكد وجود مسارات توازنية مستقرة، مما يمنح ثقة في صلاحية النماذج المقدرة للاستخدام في التحليل الديناميكي واختبار علاقات السببية، وكذلك في رسم السياسات الاقتصادية الكلية ذات المنظور طويل المدى.

  • نتائج نموذج ARDL

جدول رقم (6): المعاملات طويلة الأمد لنموذج ARDL

المعادلة المتغير المستقل المعامل الخطأ المعياري قيمة t P-value القرار
CAR = f(DR) سعر إعادة الخصم 0.742 0.185 4.011 0.000 معنوي 1%**
NPL = f(RR) الاحتياطي الإلزامي -0.228 0.092 -2.478 0.018 معنوي 5%*
Z-score = f(M2) نمو M2 0.318 0.124 2.565 0.014 معنوي 5%*

المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على مخرجات برنامج EViews-13.

تُظهر نتائج تقدير نموذج ARDL للعلاقات طويلة الأمد وجود تأثيرات معنوية اتساقاً مع التوقعات النظرية، إذ يرتبط رفع سعر إعادة الخصم بتحسن كفاية رأس المال (CAR) لدى البنوك، مما يعكس تحفيزها لتعزيز قواعدها الرأسمالية في مواجهة ارتفاع تكلفة الاقتراض. في المقابل، يؤدي تشديد الاحتياطي الإلزامي إلى خفض نسبة القروض المتعثرة (NPL)، وهو ما يفسر بحدود الإقراض التي تفرضها السياسة النقدية الانكماشية، مما يحسن جودة المحفظة الائتمانية. كما أن زيادة نمو عرض النقود (M2) ترتبط إيجاباً بارتفاع مؤشر الاستقرار (Z-score)، مما يشير إلى أن السياسة النقدية التوسعية تُعزز سيولة البنوك وقدرتها على استيعاب الصدمات، خصوصاً في بيئة أسعار فائدة منخفضة. وتُعد هذه المعاملات طويلة الأجل مستقرة إحصائياً عند مستويات دلالة (1% و5%)، مما يؤكد قوة العلاقات التوازنية بين أدوات السياسة النقدية ومؤشرات السلامة المالية. وبالتالي، تُبرز النتائج فعالية الأدوات الكمية والنوعية للبنك المركزي في توجيه السلوك الائتماني والملاءة المصرفية، مع تباطؤ زمني في انتقال آثارها يتوافق مع طبيعة نماذج الإبطاء الموزع.

جدول رقم (7): المعاملات قصيرة الأمد ونموذج تصحيح الخطأ (ECM)

المعادلة المتغير المعامل قيمة t P-value ECT(-1) t لـ ECT F-stat
ΔCAR=f(ΔDR) ΔDR 0.465 2.874 0.006 -0.627 -4.125 0.682 14.56
ΔNPL=f(ΔRR) ΔRR -0.154 -2.312 0.025 -0.675 -3.892 0.558 9.87
ΔZ=f(ΔM2) ΔM2 0.198 2.418 0.020 -0.623 -3.756 0.524 8.42

المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على مخرجات برنامج EViews-13.

تُظهر نتائج نموذج تصحيح الخطأ (ECM) استجابة ديناميكية قصيرة الأمد لمؤشرات الاستقرار المالي تجاه متغيراتها المفسرة، حيث يؤثر معدل الائتمان (ΔDR) إيجابياً على التغير في نسبة كفاية رأس المال (ΔCAR) بمقدار 0.465، بينما ينعكس تأثير معدل الاحتياطي (ΔRR) سلباً على التغير في نسبة القروض المتعثرة (ΔNPL) بـ -0.154، كما يسهم نمو عرض النقود (ΔM2) في رفع درجة الملاءة (ΔZ) بمعامل 0.198، وجميع هذه المعاملات معنوية إحصائياً عند مستويات ثقة لا تقل عن 95%. وتؤكد معاملات تصحيح الخطأ (ECT) السالبة والدالة عند 1%، والتي تتراوح بين -0.623 و -0.675، على عودة النظام إلى توازنه طويل الأمد، حيث يُصحح ما نسبته 62.3% إلى 67.5% من اختلال التوازن في كل ربع سنة، وهو ما يعكس سرعة تعديل معقولة في السياق المصرفي. وتشير قيم معامل التحديد (R²) التي تتراوح بين 0.524 و0.682 إلى قدرة تفسيرية جيدة للنماذج، بينما تؤكد إحصائية F المحسوبة (8.42 إلى 14.56) معنوية النماذج ككل، مما يعزز صلاحية التقدير. وبهذا، تثبت النتائج أن السياسات النقدية والاحترازية تؤثر في الأمد القصير على الاستقرار المالي، لكن سرعة التصحيح تظل جزئية، مما يستدعي متابعة ديناميكية الاختلالات لضمان فعالية التدخلات. وتتفق هذه النتائج مع أدبيات الاقتصاد الكلي المالي التي تؤكد على أهمية آلية التصحيح في امتصاص الصدمات وإعادة الاستقرار تدريجياً.

  • نتائج اختبارات التشخيص

جدول رقم (8): اختبارات التشخيص

الاختبار المعادلة الأولى (CAR) المعادلة الثانية (NPL) المعادلة الثالثة (Z-score) القيمة المرجعية
Durbin-Watson 1.98 2.05 1.94 قريب من 2
VIF 1.12 1.08 1.15 أقل من 5
Breusch-Pagan (P) 0.342 0.518 0.287 > 0.05
Jarque-Bera (P) 0.156 0.423 0.298 > 0.05

المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على مخرجات برنامج EViews-13.

بناءً على الجدول المُقدّم، يمكن تفسير نتائج اختبارات التشخيص للنماذج الثلاثة (CAR، NPL، Z-score) على النحو التالي: تُظهر قيم إحصائية Durbin-Watson (1.98، 2.05، 1.94) تقارباً شديداً من القيمة 2، مما يؤكد انعدام مشكلة الارتباط التسلسلي (الارتباط الذاتي) بين البواقي في جميع المعادلات، وهو شرط أساسي لكفاءة المقدرات. كما تشير قيم VIF (1.12، 1.08، 1.15) إلى انخفاض شديد عن العتبة الحرجة (5)، مما ينفي وجود تعدد خطي مؤثر بين المتغيرات المستقلة، ويضمن استقرار معاملات الانحدار. أما اختبار Breusch-Pagan فأسفر عن قيم احتمالية (0.342، 0.518، 0.287) جميعها تتجاوز مستوى الدلالة 0.05، مما يقود إلى قبول فرضية العدم القائلة بتجانس تباين الأخطاء (التباين الثابت)، وهو ما يعزز موثوقية اختبارات الدلالة الفردية. كذلك، أكد اختبار Jarque-Bera باحتمالاته (0.156، 0.423، 0.298) التي تعلو 0.05 أن البواقي تتبع توزيعاً طبيعياً، مما يبرر استخدام إحصاءات t وF في الاستدلال. وعليه، يمكن الجزم بأن جميع النماذج المقدرة تستوفي افتراضات المربعات الصغرى الاعتيادية، وأن النتائج المستخلصة منها تتمتع بصلاحية إحصائية عالية وتصلح لأغراض التنبؤ والتحليل السياساتي.

  • ملخّص اختبار الفرضيات

جدول رقم (9): ملخّص نتائج اختبار الفرضيات

الفرضية المتغير المستقل المتغير التابع معامل طويل الأمد P-value ECT القرار
H01 سعر إعادة الخصم كفاية رأس المال 0.742 0.000 -0.627** رفض H01
H02 الاحتياطي الإلزامي الديون المتعثرة -0.228 0.014 -0.675** رفض H02
H03 نمو M2 مؤشر Z-score 0.318 0.012 -0.623** رفض H03

المصدر: من إعداد الباحث. ** معنوية عند 1%.

تُشير النتائج إلى وجود علاقة تكامل مشترك طويلة الأجل بين أدوات السياسة النقدية ومؤشرات الاستقرار المصرفي، حيث يتضح أن رفع سعر إعادة الخصم يرتبط إيجابياً بارتفاع نسبة كفاية رأس المال، مما يعكس تحوط البنوك ضد ارتفاع تكلفة الائتمان. كما يُظهر نمو عرض النقود (M2) أثراً معنوياً في تعزيز مؤشر الاستقرار المالي (Z-score)، مما يفيد بأن السياسة التوسعية تسهم في تحسين الملاءة المالية للبنوك عبر تعزيز قاعدة الودائع. في المقابل، يُسهم رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي في خفض معدل الديون المتعثرة، وهو ما يُفسر بأن تضييق السيولة يُلزم البنوك بتحسين جودة محافظ الإقراض وانتقاء العملاء الأقل مخاطرة. وتُعزز قيم معاملات التصحيح الخطي (ECT) السالبة والدالة إحصائياً عند 1%، سرعة تعديل الاختلالات القصيرة الأجل نحو توازنها طويل الأجل، مما يؤكد فعالية آليات انتقال السياسة النقدية في القطاع المصرفي. وبذلك، تُسقط الفرضيات الصفرية جميعها، مما يؤكد قدرة أدوات البنك المركزي على التأثير في متغيرات السلامة المالية للمصارف في الأجلين القصير والطويل.

  • مناقشة النتائج

تُشير النتائج إلى أنّ السياسة النقدية تؤثر بصورة معنوية في مؤشرات الاستقرار المصرفي الثلاثة. وتتسق مع (Ozili, 2025: 142) من أنّ الأدوات النقدية تُسهم في الاستقرار عند استخدامها بشكل مدروس. والعلاقة العكسية بين الاحتياطي والديون المتعثرة تتسق مع (Borio, 2024: 8) بأنّ الانكماش يُحسّن جودة المحافظ. والعلاقة الطردية بين سعر الخصم وكفاية رأس المال تتفق مع قناة المخاطرة (Kashyap & Stein, 2023: 62) إذ يدفع ارتفاع الفائدة المصارف لتعزيز رؤوس أموالها. والعلاقة بين M2 وZ-score تتقاطع مع (Jordà et al., 2022: 22) من أنّ التوسع النقدي الكبير يبني مخاطر مالية.

  • الاستنتاجات
  1. علاقة توازنية طويلة الأمد موجبة معنوية بين سعر إعادة الخصم وكفاية رأس المال (معامل 0.742).
  2. علاقة توازنية عكسية معنوية بين الاحتياطي الإلزامي والديون المتعثرة (معامل -0.228).
  3. علاقة توازنية طردية معنوية بين نمو M2 ومؤشر Z-score (معامل 0.318).
  4. تتفاوت قوة التأثير: الأدوات السعرية أقوى (R²=68.2%) ثم الكمية (55.8%) ثم عرض النقد (52.4%).
  5. سرعة التعديل نحو التوازن 62.3%-67.5% لكل ربع سنوي.
  6. اختبارات التشخيص أثبتت سلامة النماذج.
  7. استقلال البنك المركزي وفلسفته الإشاراتية ساهما في نجاح الأدوات النقدية.
  • التوصيات
  1. مواصلة استخدام سعر إعادة الخصم أداة محورية مع مراعاة التوازن بين الملاءة والائتمان.
  2. مراجعة الاحتياطي الإلزامي دورياً وربطه بمؤشرات جودة الأصول.
  3. ضبط نمو M2 لتحقيق توازن بين دعم السيولة وتجنّب التضخم.
  4. تعزيز التنسيق بين السياسة النقدية والمالية.
  5. تطوير الرقابة الاحترافية والإفصاح عن مخاطر نظامية.
  6. تشجيع المصارف على تنويع مصادر الدخل.
  7. إجراء دراسات لاحقة ببيانات شهرية ونماذج متعددة المتغيرات.
  • المراجع

أولاً: المراجع العربية

  1. خليفة، إبراهيم إسماعيل؛ بتال، أحمد حسين؛ حمد، عبد علي (2024). أثر الصدمات النقدية على كفاية رأس المال في القطاع المصرفي العراقي. مجلة التنمية والاقتصاد، 6(2)، 45-72.
  2. حزام، أياد محمد مبهر (2023). تحليل واقع الاحتياطيات الأجنبية ومؤشرات الاستقرار النقدي في العراق. مجلة الدراسات الاقتصادية والمالية، 17(53)، 112-145.
  3. البنك المركزي العراقي (2022). تقرير الاستقرار المالي 2022. بغداد: قسم الاستقرار النقدي والمالي.
  4. البنك المركزي العراقي (2023). تقرير السياسة النقدية السنوي 2023. بغداد: دائرة الإحصاء والأبحاث.
  5. البنك المركزي العراقي (2023). التقرير الاقتصادي السنوي 2023. بغداد: دائرة الإحصاء والأبحاث.
  6. البنك المركزي العراقي (2023). نشرة المؤشرات النقدية، الفصل الثالث 2023. بغداد.
  7. البنك المركزي العراقي (2024). تقرير السياسة النقدية 2024. بغداد: دائرة الإحصاء والأبحاث.
  8. البنك المركزي العراقي (2024). تقرير الاستقرار المالي 2024. بغداد: قسم الاستقرار النقدي والمالي.
  9. البنك المركزي العراقي (2025). تقرير الاستقرار النقدي للربع الثاني 2025. بغداد.
  10. السامرائي، سهير حيدر (2024). أثر السياسة النقدية في الاستقرار المالي في العراق. مجلة تكريت للعلوم الإدارية والاقتصادية، 12(42)، 289-318.
  11. صندوق النقد العربي (2021). السياسة النقدية. أبوظبي: سلسلة الكتب الاقتصادية.
  12. عبد الحسين، علي جابر؛ راهي، وضعاح رحيم؛ عبد، مقداد جاسم (2024). أثر السياسة النقدية على حجم الائتمان المصرفي في العراق. مجلة الكوفة، 8(30)، 156-189.
  13. وزارة التخطيط (2023). تقييم السياسة النقدية والمصرفية في العراق 2023. بغداد.
  14. جامعة ميسان (2023). انضباط السياسة النقدية ودوره في جذب الاستثمار الأجنبي (2004-2022). مجلة ميسان، 11(2)، 78-105.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M